المشرق الأصيل والصهيونية: موقف مسيحيي المشرق من أسطورة صراع الثقافات بين الشرق والغرب

المشرق الأصيل والصهيونية: موقف مسيحيي المشرق من أسطورة صراع الثقافات بين الشرق والغرب
إعداد نسيم بو سمرا
منذ فجر التاريخ وبخاصة عند نشوء الدولة المدينة "Cite-Etat"، بدأ الصراع للسيطرة على العالم وبدأت الإمبراطوريات بالظهور وآخرها الولايات المتحدة الأميركية التي ورثت التركة الثقيلة للإمبراطورية البريطانية، وإن اختلفت عنها في الظاهر فهي تتبع في سياساتها الخارجيّة أسلوب شبيه الى حدّ ما بالنظام الكولونيالي (Colonialisation) الإستعماري، فالولايات المتحدة الأميركية تتضمّن في ثناياها صفات الإمبراطورية؛ إلا أنّه وعلى أهمية هذه الإمبراطوريات في قولبة التاريخ وتوجيه مسار بعض مفاصله، تبقى مراحل إستثنائية معزولة في المكان والزمان مقارنة مع القاعدة التاريخية القائمة على مبدأ تعدد الأقطاب.
غالباً ما يولّد طغيان الإمبراطوريات بروز ممانعة لدى الشعوب المستغَلة، تتمظهر بالطرق العنفية بما يسمّى بتناحر الثنائيات المتعارضة والأمثلة كثيرة نذكر منها: الفرس ضد الإغريق ، الرومان ضد الفينيقيين، أوروبا الكاثوليكية ضد المسلمين العرب ومن بعدهم العثمانيين الأتراك، أميركا ضد الشرق الأقصى الذي كان يوصف بالخطر الأصفر، حلف شمالي الأطلسي ضد المحور الشيوعي... ودوماً ما تأخذ هذه الصراعات تسمياتٍ مغلوطة لا تعبّر عن واقع وحقيقة الصراع الذي هو السيطرة أو إقتسام السيطرة على الموارد الأولية والطرق التجارية حول العالم، فبالرغم من محاولة الولايات المتحدة الأميركية ايهام العالم بأنّ الحروب التي تخوضها في منطقة الشرق الأوسط هي نتيجة صراع الثقافات التي سوّق لها في البدأ الأستاذ في جامعة هارفرد:"صموئيل هانتغتون" في مقال نشر في مجلة Foreign Affairs العام 1993 تحول بعدها إلى كتاب تحت عنوان "صدام الحضارات" نجد في الواقع أنّ هذا الصراع بالرغم من استخدامه إصطلاحات دينية وثقافية، يبقى سياسي توسعي بامتياز وهذا الإستخدام يهدف من ورائه الحصول على تأييد الشرائح الشعبية   " populaire masse" المعروف بأنها الأكثر عرضة للتضليل، لأنه ما من حركة بهذا الحجم في عصرنا تملك القدرة على تجنيد هذه الشريحة الكبرى من المجتمع في سبيل خدمتها، إلا وكان جوهرها الروح الدينية.
بعد هذه التوطئة، نعود إلى ما يهمنا بالتحديد من هذه الصورة، وهو الصراع الدائر حالياً في المنطقة الساخنة الشبه وحيدة في العالم، نعني بها الشرق الأوسط الذي منه انطلقت معظم الديانات فتحاورت فيه الحضارات وتعايشت وتفاعلت فيما بينها على مدى عصور، وهذا هو السبب الرئيسي في اعتقادنا لاستهداف هذه المنطقة بالذات بغية ضرب هذا التنوع الثقافي لإثبات مقولة صدام الحضارات وبالتالي إغراق العالم بالحروب والمآسي تحضيراً لظهور المسيح بحسب التفسيرات التلمودية للتوراة وإعادة بناء هيكل سليمان الذي لا يمكن رفعه إلا على أساسات المسجد الأقصى، وعند تحقيق هذا المخطط  يقيم اليهود عرشاً لداوود يتبوّءه أمير من نسله في أورشليم؛ فاليهود إذاً هم في صلب المعادلة بالنسبة لمراكز القرار في الدول الغربية وهم شعب ينبغي توطينه في فلسطين لإنشاء دولة قومية يهودية إستناداً الى نبوءات التوراة المتعدّدة عن العودة إلى أرض الميعاد والقدس هي العمود الفقري لكل المشاريع السياسية التي خططت لها اليهودية العالمية منذ مئات السنين، وإنطلاقاً من هنا نتفهّم هذا التحيز الغربي لإسرائيل في الصراع العربي الإسرائيلي منذ احتلال فلسطين في العام 1948 وحتى يومنا هذا، وقد استغلّ أصحاب هذه التفسيرات أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 لتسريع تنفيذ هذا المخطط الذي بدأ في فلسطين لكنّه لن ينتهي إلا بالسيطرة الكاملة على هذا المشرق العربي، مستخدماً إياه كنقطة إنطلاق في تحقيق مشروعه الأكبر الذي يشمل العالم بأسره، فإسرائيل قد خدعت كل الشعوب الغربية والأنظمة العربية المتعاونة معها وسخّرت الجميع لمآربها القومية العنصرية...والصهيونية تقوم بدور ستار خلفي محجوب، من ورائه خُطط منذ آماد وآماد لفعلِ تخريب يتناول شعوب الأرض كلها...؛هذه الفلسفة أطلقها الدكتور كمال الحاج وكان من الأوائل الذين حذروا من الخطر الصهيوني القادم على لبنان بعد قضمه لفلسطين، وبالرغم من ظهور قادة بارزين في العالم العربي منذ بداية القرن العشرين وقبل تسلل العصابات الصهيونية إلى داخل فلسطين لطرد السكان الأصليين منها، حذرت من الخطر القادم، لكن لم تؤخذ الإجراءات اللازمة لمواجهته، فعانت بنتيجته الأنظمة العربية من الهزائم في جميع الحروب التي شنّت عليها منذ إحتلال فلسطين مروراً بحرب ال 1956 وال 1967 وال 1973 وصولاً إلى حرب الخليج في العام 1991 ولا تنتهي السلسلة بحرب الخليج الثانية في العام 2003، وتشهد هذه الهزائم القصور العسكري العربي على مدى عقود، إلا أنّ هذه الخيبات المتلاحقة وضعت المقاومة اللبنانية حداً لها من خلال تحرير الجنوب اللبناني في العام 2000 وانتصارها على العدو الإسرائيلي في حرب تموز ال 2006 ويُبنى عليه لحماية لبنان في أي حرب جديدة يمكن أن تُشنها إسرائيل، وقد تحقق هذا الإنجاز لأوّل مرّة في منطقتنا العربية منذ غزو نابليون لمصر في العام 1798 مفتتحاً مرحلة طويلة من الإستعمار والهيمنة ونهب الثروات، ومهما حاول الحكام العرب تسخيف ما يحمله هذا الإنتصار من رمزية، إلاّ أنهم لن يتمكنوا من محو صوره المشرّفة التي انطبعت في وجدان الشعوب العربية  وكل الشعوب التي تسيطر الولايات المتحدة الأميركية على مقدراتها، وهذا الإنجاز على الصعيد العسكري لم ينفرد به لبنان بل سبقتنا إليه الكثير من الدول المحتلة التي استطاعت تحقيق النصر، كفيتنام على سبيل المثال، التي بالرغم من تفاوت القوة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنها تمكنت من كسر إرادة التسلط التوسعية بفضل عزم مقاوميها وقدرتهم على التنظيم والتضحية، وقد لعب هذا الأمر دوراً حاسماً في تغيير نظرة الغرب حيال الشرق الأقصى برمّته، فالعبرة هنا في أنّ المقاومة العسكرية الظافرة تفرض دوماً الإحترام، فالمعادلة العسكرية الجديدة التي فرضتها المقاومة اللبنانية إذاً، قد دفعت الدول الغربية مرغمة إلى تغيير مقاربتها للأمور في الشرق الأوسط، بخاصة بعد فشل مشروعها بإقامة شرق أوسط جديد يعيد تقسيم المنطقة بشكلٍ يتلائم مع مصالح إسرائيل والغرب، لذلك اتبعوا أسلوب آخر في الصراع المستمر بفصوله الجديدة يقوم على مبدأ الفوضى الخلاقة، هدفه زعزعة الإستقرار في الدول العربية وخاصة في الدول الممانعة التي أفشلت هذا المشروع، ليتمكنوا من خلاله من ضرب النظام فيها، وهذا الضغط الممارس اليوم على لبنان بحجة العدالة الدولية ، ليس إلا حلقة لما سبقه بهدف منعه من إستثمار إنتصاره في حرب تموز، هذا الإنتصار الذي ساهم بشكل كبير في تحصين وحدته الداخلية، ومن جهة أخرى لإكمال مخطط  القضاء على تعدديته أي تنوّعه الذي يشكل معنى وجوده:" لبنان الرسالة" بحسب الإرشاد الرسولي، لأنه فقط بإفشال التجربة الحضارية النموذجية التي يعيشها المجتمع اللبناني يمكن لإسرائيل تبرير وجودها كدولة يهودية عنصرية تفرض نفسها بين الأمم، والأسلوب نفسه طبّق في الكثير من الدول التي فشلوا في إخضاعها عسكرياً كفنزويلا والإكوادور والتشيلي والأرجنتين ونيكاراغوا واليوم يحاولون إخضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إن بواسطة تمويل جماعات معارضة في الداخل لزعزعة إستقرارها أو من خلال الحصار الدولي عليها، بهدف منعها من كسر إحتكار إمتلاك القدرة النووية، التي تمكنها من الإنضمام إلى نادي الدول المتطورة .
نحن نحاول من خلال هذا العرض دحض النظرية الرامية إلى الإعتقاد بأنّ الصراع الدائر حالياً هو بين غربٍ مسيحي في مواجهة شرقٍ مسلم، وما السياسة المتبعة من قبل الدول المؤثرة في المنطقة إلا الدليل على نية هذه الدول جعل منطقة المشرق العربي مكب للعقد النفسية التي يعاني منها الغرب بغية تأجيل الإنفجار الإجتماعي الذي بدأت عوامله بالتكون، هذا القلق البنيوي لدى شعوب أوروبا وأميركا يدفعهم إلى تصديره باتجاه المصدر المسؤول بنظرهم عن هذا القلق وهو المشرق العربي الذي يوقظ فيهم ربما، كابوس حصار فيينا من قبل الجيوش العربية إبان الفتح الإسلامي، لذلك يعملون اليوم على تحويل هذا المشرق إلى مكان شبيه بتركيبتهم الأحادية، أي إلى وضع مناقض لتاريخه المتنوع وفلسفته القائمة على تقبّل الإختلاف، ويتحقق ذلك بنظرهم من خلال صبغه باللون الواحد بإفراغه من مسيحييه بواسطة إزكاء نيران الفتنة المذهبية، هو اللون السلفي المتحالف مع أميركا وإسرائيل، وما يحصل في العراق يثبت مخاوفنا وكما حصل قبله في فلسطين وما يحصل حالياً في مصر من تمهيد للأرضية المؤاتية ، ومن هنا تكمن أهمية مسيحيي لبنان والمنطقة في التنبّه لما يخطط لهم، ممّا يستوجب منهم التمركز في المحور الصحيح، وبإمكانهم تحديد موقعهم الإستراتيجي في الصراع الدائر في المنطقة والعالم بناءً على الشواهد من حولهم من خلال سلوك سياسة الإنفتاح على محيطهم والتضامن مع مجتمعهم، وهذا المشروع يحمله العماد عون الذي عمل على تصحيح المسار الخاطئ الذي سلكه المسيحيون في لبنان والمشرق منذ 1000 سنة وذلك بوصل ما انقطع مع تاريخهم؛ فهو في كلمته في براد- سوريا بتاريخ 10 شباط 2010 بمناسبة إحتفال الطائفة المارونية بذكرى ألف وستماية عام على وفاة مار مارون قال:"وإن غبنا طويلا عن منابعنا وجذورنا فإنها لحظة قصيرة أمام الخلود الذي تجسده عظمة هذا المكان...فالمسيحيون المشرقيون هم رواد المسيحية في العالم، حملوا مسيحيتهم الزاخرة بالروحانية إلى الغرب وبشروا العالم برسالة السيد المسيح...وقد أبرزت هذه المناسبة معالم تراثنا المشرقي العظيم وقدمته إرثاً للإنسانية جمعاء".وكان سبق العماد ميشال عون قارئاً في التاريخ، رؤيويّاً للمستقبل، هو المفكر أنطون سعادة الذي كتب في إحدى مقالاته:" الموارنة هم ثقافةً ودماً... وأدبهم الديني والإجتماعي هو بعض الأدب السوري السرياني عامة... إنّهم الذين يحفظون بقية التقاليد السورية القديمة التي عمّت سورية كلّها... وتاريخ طائفتهم مندمج في تاريخ سورية كلّها، ومنهم تُنتظر المساهمة في حفظ هذا التراث، وكل فكرة تقصد عزلهم عن مجرى هذا التاريخ هي فكرة مقوِّضة لأساسهم معطِّلة لمستقبلهم." وكان الإرشاد الرسولي بدوره قد شدّد في توصياته: على دعوة مسيحيي لبنان والمنطقة إلى التعامل مع محيطهم على قاعدة أنّ مصيرهم مرتبط نهائياً بمصير الجوار الذي يعيشون فيه، فيما بعض المسيحيين في لبنان ما زالوا يتنكرون لمسيحيتهم المشرقية العربية.
هو الدور الريادي لمسيحيي هذه المنطقة إبتداءاً من إيران إلى العراق مروراً بفلسطين ومصر ولبنان وصولاً إلى سوريا، الذي يشكل المساحة المشتركة الجامعة القادرة على توحيد هذا المشرق وحمايته من المؤامرات التي تهدف إلى تغيير جوهره وإلغاء دوره الحضاري؛ ففي كتابه "دفاعاً عن مقولة الحضارة الإسلامية- المسيحية يتوصّل ريتشارد بوليت (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا-الولايات المتحدة) إلى خلاصة تناقض تماماً ما يسوّق له مدّعي الإنتماء إلى الحضارة اليهودية- المسيحية بمحاولة الإيهام بأنّ هاتين الديانتين تشكلان ثقافة موحدة، فيقول بأنّ القبول الأعمى لمصطلح "الحضارة اليهودية- المسيحية كمرادف للحضارة الغربية ليس له أي إثبات تاريخي بل بالعكس فإذا نظرنا إلى العالم الإسلامي- المسيحي كوحدة واحدة ومن ضمن سياق تاريخي، فإنّ ما يجمعه أكثر ممّا يفرّقه ،فماضي الغرب ومستقبله لا يمكن فهمهما بشكل كامل دون تقدير العلاقة التوأميّة التي ربطته بالإسلام طوال أربعة عشر قرناً، والملاحظة نفسها تنطبق على العالم الإسلامي، ويضيف بأنّ الحضارة الإسلامية- المسيحية هي مفهوم نحتاجه بشدّة إذا كنا سنحوّل يوم 11 أيلول 2001 المشؤوم، إلى لحظة تاريخيّة للاستيعاب  والتكامل الإجتماعي والديني.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا