الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"



 *نسيم بو سمرا

حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر.

اليوم وبعد انهيار أسس النظام القديم وبناء مداميك النظام الجديد على ركام القديم، بدأ التحلل وبخاصة بعد وصول دونالد ترامب في ولايته الاولى بالبيت الابيض ليكمل مسار الانتحار ويعمقه اكثر بولايته الثانية، حيث باتت اميركا على وشك السقوط من الداخل، لا ايران كما يدعون، ونحن نشاهد على التلفزيونات ومواقع التواصل الاجتماعي، كيفية قمع الشرطة الاميركية للمتظاهرين السلميين، وكاننا نشاهد فيلما من انتاج هوليوود، حسث تطلق الشرطة النار عن سابق تصور وتصميم وبدم بارد، اعيرتها النارية على صدور ورؤوس المحتجين في شوارع معظم الولايات الاميركية.

 

‏لو كنت عدوا للولايات المتحدة، لتمنيت ان يبقى ترامب في السلطة، وأن يستمر في أدائه الجنوني، في العالم وبخاصة تجاه إيران والصين وفي الشرق الاوسط بغزة ولبنان، وكذلك في فنزويلا وغرينلاند؛ مسار انحداري يسرع من وتيرة الانحلال والانتحار:

 

هذا ليس تحليلا او تمنيات، بل نظرا إلى الوقائع التالية:

 

اقتصاد أمريكا يُقدَّر اليوم بنحو 27 إلى 28 تريليون دولار، وهو الأكبر في التاريخ البشري. 

جيشها هو الأضخم والأكثر إنفاقًا في العالم، بميزانية تجاوزت 880 مليار دولار في 2024. 

لديها، ثالث أكبر عدد سكان في العالم بعد الصين والهند. 

ومن حيث المساحة هي ثالث أكبر دولة في العالمم وتملك تأثيرا ثقافيا وتقنيا واجتماعيا هو الأوسع عالميًا

لغتها الإنجليزية هي لغة العالم، وعملتها الدولار هي العمود الفقري للنظام المالي الدولي.

 

صحيح ان الولايات المتحدة قوية، لكن استخدامها المفرط للقوة ومن دون أي مسوغ منطقي وقانونية فالقوة اذا لم تستند على الحق والعدل ونشر السلام والحرية تتحول الى ضعف وتخلق ثورة شعبية ضدها، لأن الطغيان والقمع واستعباد الشعوب باستغلال ثرواتها ومنعها من تقرير مصيرها، لا يدوم، إلا باستخدام الطاغي المزيد من البطش وسفك الدماء وشن الحروب وارتكاب المجازر والابادات الجماعية، تمامآ كما يحصل في فلسطين المحتلة وغزة! ولبنان، وكذلك مثلما يحدث في فنزويلا، وبعد حديث ترامب والنخب الأمريكية عن ضمّ أو شراء غرينلاند، هذه القوة التي جعلت أميركا إمبراطورية بالماضي، تقوم اليوم على وهم القوة أكثر من القوة نفسها. والأدهى: الولايات المتحدة الاميركية نفسها هي من يدمر هذا الوهم بالقوة.

 

أميركا لم تحكم العالم فقط بالقوة العسكرية، بل بنظام دولي كامل:

الأمم المتحدة، مجلس الأمن، صندوق النقد، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية…

كل هذا بُني ليجعل الهيمنة الأمريكية تبدو كـ نظام قانوني محايد.

 


اليوم، الدولة العميقة في الولايات المتحدة هي من تحطم هذا النظام بيديها.

من خلال دعمها المطلق لإسرائيل رغم خرقها الصريح للقانون الدولي،

ومن خلال حركات القرصنة السياسية في فنزويلا،

ومن خلال ازدرائها الصريح لسيادة الدول.

 

هي تدمر حرفيًا الإطار الذي كان يمنحها الشرعية الإمبراطورية.

 

اقتصاديًا، نعم أمريكا تملك اقتصادًا هائلًا، لكن جزءًا كبيرًا من هذا النمو اليوم قائم على فقاعة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

شركات مثل NVIDIA وMicrosoft وOpenAI وAmazon وMeta جذبت تريليونات من الاستثمارات العالمية على أساس توقعات مستقبلية، لا على إنتاج حقيقي متوازن. 

عندما تنفجر هذه الفقاعة — كما انفجرت فقاعة الرهن العقاري عام 2008 — لن تكون الضربة مجرد خسارة في البورصة، بل انهيار في ثقة العالم بالاقتصاد الأميركي نفسه.

 

أما ماليًا، فالوضع أسوأ مما يتخيل الناس.

الدين الفيدرالي الأميركي تجاوز 34.5 تريليون دولار،

وهي تدفع اليوم أكثر من 1 تريليون دولار سنويًا فوائد فقط — أي أكثر مما تنفقه على الدفاع.

 

هي أمة تعيش على حساب الشعوب الأخرى، يسيطر على مركز القرار فيها، اللوبيات

 واولها اليهودي والكارتيلات العملاقة والشركات الكبرى وعلى رأسها شركات تصنيع الاسلحة،  تتحكم بموقع القرار بالبيت الابيض، فالمنظومة السياسية في واشنطن

 غير قادرة حتى على إقرار نظام صحي مجاني، فكيف ستواجه اذا وول ستريت ووادي السيليكون؟

ديموغرافيًا، نعم أميركا أفضل حالًا من الصين وروسيا اللتين دخلتا كارثة شيخوخة وانهيار سكاني.

لكن هذه الأفضلية جاءت من الهجرة…

والهجرة اليوم تُسحق سياسيًا.

 

أميركا بُنيت على العقول المهاجرة:

ألبرت أينشتاين، فون نيومان، تيسلا، فيرمي، مئات الآلاف من العلماء والمهندسين.

اليوم، سياسات ترامب وأمثاله تطرد هذا المصدر الحيوي للقوة.

 

ثقافيًا، ما زالت أميركا قوية، ولكن بواسطة هوليوود، التي تستنزف قوتها، فأفلام الكاوبوي التي كانت تمجد الشجاعة والمسؤولية في الستينات، وجزء رئيسي منها استغل قضية الهنود الحمر ليحقق مبيعات ويجذب المشاهدين، تحول اليوم إلى صناعة افلام فارغة المحتوى تروّج للتفكك والانحلال بدل القيم المجتمعية التي تبني المجتمعات وتحصنها..

هي التي بشّرت العالم بالديمقراطية وحقوق الإنسان أصبحت اليوم حامية للإبادة في غزة ويمارس رئيسها القرصنة على الدول، حتى الحلفاء منهم مثل اوروبا وغرينلاند، لذلك قوتها الناعمة تتآكل.

 

بالمحصلة، الولايات المتحدة الاميركية بسلوكها السياسي على مستوى العالم، تفعل بنفسها ما فعلته بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية:

تدمّر الأساس الذي قامت عليه إمبراطوريتها وتضرب علة وجودها التي عمل مؤسسوها العظام على إرسائه ضد الاستعمار، لتتحول اليوم الى أمة مستبدة، تستخدم الفلسفة نفسها التي استخدمها قبلها الرومان والفرس والاغريقيون والاسبارطيون والبريطانيون. 

اما الضربة الأهم للعنجهية الاميركية فجاءت من البرازيل التي لن تنجو من أطماع ترامب، هي تتصدى للهيمنة الاميركية من خلال تفعيل "جسر البريكس"، ولكن ليست بضربة عسكرية بل بضربة في مركز السيطرة .. في القاعدة التي قام عليها النفوذ الأمريكي طوال قرن! ..و لأول مرة منذ 100 عام يُشترى النفط بغير الدولار.. لا بنك أمريكي، لا نظام "سويفت"، لا عينٌ لواشنطن على العملية! 

هي ليست مجرد "معاملة مالية" بل كسرًا لـ "قاعدة مقدّسة".. البرازيل ليست وحدها، خلفها تقف الصين و روسيا و الهند وجنوب إفريقيا.. لهذا تشعر واشنطن بالخطر وتُكثّف سيطرتها على أسواق الطاقة وتشد الخناق في فنزويلا وغيرها.. لكنها تأخرت.. والارتدادات لم تبدأ بعد !!.

*باحث وصحافي                                   13/1/2026 

Comments

Popular posts from this blog

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا