Skip to main content

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!


* نسيم بو سمرا

 

لا يمكن لاي نظام حكم تيوقراطي او ديني مهما بلغت قوته وصلابة عقيدته، ان يستمر في قمع الحريات الشخصية لشعبه وبخاصة للنساء منهن، وهذا ما ظهر منذ ثورة النساء في إيران وهي حركة اجتماعية مستمرة منذ أكثر من قرن، تطالب بحقوق المرأة والمساواة، وبلغت ذروتها مؤخراً تحت شعار "المرأة الحياة الحرية"  بعد مقتل مهسا أميني عام 2022، لتندد بقوانين الحجاب الإلزامي والقيود المفروضة عليها، وتتحدى النظام السياسي والديني، وتطالب بإصلاحات جذرية ومساواة كاملة، وتتجاوز قضايا الحجاب لتشمل حرية الاختيار والحياة والعدالة.

إن معركة الحريات هذه في الجمهورية الاسلامية تاخذ زخمها من الصراع السياسي القائم بين الاصلاحيين والمحافظين، وهذا الصراع يتمظهر اما عنيفا او سلسا، بحسب الاستحقاقات، والتي تترجم بأوجها في الانتخابات على انواعها،  فبموجب دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية هناك أربعة أنواع هي: الانتخابات التشريعية لانتخاب أعضاء مجلس الشورى الإسلامي تجري كل أربع سنوات، وانتخابات رئاسة الجمهورية تجري كل أربع سنوات، وانتخابات مجلس خبراء القيادة تجري كل ثماني سنوات، وهو مجلس يتولى مهمة انتخاب المرشد الأعلى، وهناك أيضًا انتخابات المجالس المحلية وهي تجري كل أربع سنوات.

 

إذاً ثورة النساء في ايران تستمر اليوم اقوى مما مضى، رغم القمع الممارس والقبضة الحديدة للسلطة، والتي خفت على ما يبدو اليوم كما ظهر في ماراثون كيش.

اليوم تعيش إيران حالة من الغليان بعد الماراثون الذي أُقيم منذ يومين في جزيرة كيش، والذي تحوّل خلال ساعات إلى أزمة سياسية واجتماعية واسعة، بعدما انتشرت على المنصات الرقمية صور لنساء شاركن في السباق من دون ارتداء الحجاب. هذا المشهد، الذي اعتُبر غير مسبوق داخل الجمهورية الإسلامية، دفع بالسلطات إلى التحرك سريعًا، فأعلنت النيابة العامة في كيش توقيف اثنين من منظّمي الماراثون؛ أحدهما موظف رسمي في "منظمة المنطقة الحرة"، والثاني ممثل عن الشركة المنظّمة للفعالية.

حدث رياضي تحول الى مهرجان لخلع الحجاب، في الماراثون الذي شارك فيه نحو 5,000 متسابق ومتسابقة بينهم حوالى 2,000 امرأة، نُظم للمرة السادسة على الجزيرة الواقعة قرب مضيق هرمز، فإن الانقسام حوله يبدو أعمق من مجرد فعالية رياضية. فقد سبق اتحاد ألعاب القوى الإيراني الحدث بتحذير واضح من "عدم ضمان الالتزام بالمعايير القانونية والدينية"، إلا أن الماراثون أُقيم رغم ذلك، ليتحوّل لاحقًا إلى ساحة مواجهة بين المحافظين والإصلاحيين.

 


حدث الماراثون تصدر وسائل الإعلام المحافظة، وخصوصاً وكالة "تسنيم" المقرّبة من الحرس الثوري، التي وصفت الماراثون بأنه "ترويج للانحلال والتمظهر غير الأخلاقي"، داعيةً إلى محاسبة المنظمين فوراً؛ في المقابل، تحوّل الحدث لدى الأوساط الإصلاحية والمعارضة إلى عنوان رمزي لتحدي القيود، إذ احتفت هذه الجهات بالصور، معتبرة أنها تعبّر عن "نصر جديد لنساء إيران" واستمرار التراجع في وتيرة فرض الحجاب. قناة "إيران إنترناشيونال" المعارضة بثّت تقارير أكدت فيها أن مشاركة النساء بشعر مكشوف تعكس "رغبة متنامية في كسر القيود على اللباس"، في حين يرى ناشطون أن المحافظين يحاولون استثمار الماراثون سياسيًا لتشديد القبضة الاجتماعية من جديد.

 

بالمحصلة، تعبر ارتدادات ماراثون عن احتقان شعبي في ايران يأخذ طابعا اجتماعيا اكثر ما هو سياسي، وبخاصة في ظل الاوضاع الاقتصادية الضاغطة على الشعب الايراني وانهيار العملة الايرانية والضعف البنيوي في الاقتصاد الايراني، ما يحول فعالية رياضية إلى واجهة جديدة للصراع الداخلي في إيران؛ بين تيار يسعى إلى الحفاظ على قواعد النظام الصارمة، على الرغم من تقبله ان الامور تغيرت وبخاصة بعد الحرب الايرانية الاسرائيلية منذ أشهر، أعادت فتح طبيعة النظام بشقه الاجتماعي بشكل خاص، بعدما شكلت الحرب فرصة للتضامن المجتمعي ووحدة شعبية لم تشهدها ايران منذ ثورة الامام الخميني (قدس الله سره)، تلقفتها السلطتين السياسية والدينية في ايران، ترجمت في تراجع الرقابة الرسمية ومواصلة الإيرانيات احتجاجاتهن الصامتة على السياسات المفروضة عليهن منذ عقود؛ وتيار آخر يرى في هذه اللحظة فرصة لتأكيد حضور النساء في مواجهة القيود. فيما يُعد الجدل الدائر جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل الحريات الشخصية في ايران 

.

وسط دلائل متزايدة على اتساع رقعة المعارضة للسياسات التقليدية في الجمهورية الاسلامية الايرانية، في ظل التهديدات والاخطار الخارجية وسلوك مسار التغيير السلمي منحى تصاعدي، تلقفته السلطة السياسية بدل قمعه، بهدف تحصين الساحة الداخلية بوجه الاعداء في الخارج وعملائهم بالداخل، ما يفسر تخفيف السلطات الامنية والقضائية للإجراءات المتبعة، لا بل التساهل في كثير من الاحيان، إزاء تطبيق قانون فرض الحجاب في الأماكن العامة؛ ما يبشر بانكسار الاطار وبروز مشهد جديد على الساحة الايرانية، مناقض للصورة النمطية للمرأة الايرانية الخاضعة للقيود والقانعة بالظلم.

 

*باحث وصحافي

                                                                                   8/12/2025                                                                 

 

 


Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

  *نسيم توما الهاشم يدعي سيد البلاستيك "إيلي نخله" انه تحت سقف القانون وانه سيحصل حقه بالقانون، فيما هو يخالف في عمله كل القوانين البيئية والصحية، وقد استغل منبر شبيبة لامارتين حمانا ليوصل رسالة تهديد الى قائد شبيبة لامارتين مباشرة على الهواء، فيما نحن ظننا للحظة انه نادم على تلويث البيئة ومستعد لاصلاح ما تضرر، ولذلك نقلنا وجهة نظره وأوصلنا صوته للرأي العام لأن مهنيتنا الصحافية تفرض علينا عرض الرأي الآخر، كي لا نتهم بالتحيز وليحكم الرأي العام في ما خص الجرائم البيئية التي ترتكب في حق وطننا لبنان وبلدتنا حمانا،  وبدل ان يشكرنا سيد البلاستيك الذي أطلق علي لقب "سيد البيئة" وانا افتخر بالمناسبة بهذا اللقب وهو شرف لكل من يملك حسا بيئيا ويقاتل للحفاظ على البيئة ضد الكارتيلات التي تستبيح البيئة وتلوث الطبيعة طمعا بالمال،  لا بل اكثر من ذلك راح يكيل التهم لشبيبة لامارتين حمانا،  ويهاجم بلدية حمانا التي اتخذت الاجراء بحقه وأجبرته على ازالة المخالفة، لأنه متعدي على الأملاك العامة، وهو يوضب بضاعته بشكل ملاصق  للنهر مباشرة، في موقع حساس جدآ بيئيآ؛ بدل ان يبتعد عشرة امطار عن...

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

  بعض السياسيين بلبنان مفكر حالو سعد الحريري  ومصدق شعار "لبنان اولا" اللي طرحتو جبهة ١٤ آذار المزورة...والمضحك اكثر انو مصدقين خبرية "الانحياز الى الدولة" والتي يخلطون بينها وبين السلطة، (في لبنان لا يوجد دولة بل سلطة مرتهنة للخارج بأغلب الاحيان) فيتبنوها شعارا الى جانب شعار ال ١٠٤٥٢ كم٢ السخيف هو ايضا؛ أولا هو منطق بعيد من الواقع لانه لا دولة في لبنان حتى يومنا هذا، فحتى عهد الرئيس ميشال عون فشل في بناء دولة، وما زالت دولتنا منهارة، وثانيا: كل عمرا المقاومات مشروعة دوليا وقوميا ووطنيا وتحل مكان الدولة حين تنهار الدولة، ولبنان ليس استثناء بل يشكل لبنان سابقة في تكامل المقاومة مع فكرة الدولة، ولا تتعارض او تتنافس معها؛ والدليل هو استطاعة الشهيد السيد حسن نصرالله فرض معادلة الردع التي استمرت ثمانية عشر عاما منذ العام 2006 وحتى ال 2024 والمثال الآخر هو ترسيم الحدود البحرية مع العدو الذي اعطى للبنان كامل حقوقه في نفطه وبلوكات غازه حيث لم يكن عهد الرئيس ميشال عون ليحقق هذا الانجاز، لولا مسيرات المقاومة التي حلقت لمرتين فوق حقل كاريش...ليرفع أحدهم شعاره الشهير حينها: ...

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

 *نسيم بو سمرا حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر. اليوم وبعد انهيار أسس ال...