ذكرى 13 نيسان أو عبرة الثالث عشر من نيسان؟
نسيم بو سمرا
غداة ذكرى الثالث عشر من نيسان، والتي
تزامنت هذه السنة مع ذكرى صلب السيد المسيح لدى الطوائف المسيحية التي تتبع
التقويم الشرقي، تعود احداث الحرب الاهلية الأليمة لتحيا من جديد في ذاكرة
اللبنانيين على وقع التوترات الامنية التي تشهدها سوريا والتي بدأت تنعكس بشكل مباشر
على استقرارنا الداخلي، وجاء استشهاد الصحافي المصور علي شعبان ترجمة لهذا الترابط
الأمني بين البلدين.
كنّا نأمل أن تتحول الذكرى السابعة
والثلاثين لبداية الحرب الأهلية في لبنان الى عبرة، نظراً للأثمان الباهظة التي
دفعها اللبنانيون من حياتهم وأمنهم واقتصادهم وحريتهم وتقدمهم ولا زالوا يعانون
حتى اليوم من عدم الاستقرار على المستويات كافة، والسنوات السبع الفائتة كانت
مليئة بالخضات الامنية الكبرى التي تشير الى هشاشة الوضع وتثبت في الوقت نفسه ان كثير
من اللبنانيين لم يأخذوا العبرة.
لا يمكن ان تتحول الذكرى الى عبرة،
والمصارحة بين مختلف الشرائح اللبنانية لم تتم بعد على رغم مرور ما يقارب الاثنين
وعشرين عاما على اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الاهلية على حدّ زعم أمراء الحرب، فالذكرى
لكي تصبح عبرة يجب ان يوفر لها عامل ما يسمى " تنقية الذاكرة"، وهذا الدرب
الطويل يبدأ بالمصارحة لكي يصار بعدها الى المسامحة، وهي تجربة سبقتنا إليها دول
عدة مثل جنوب أفريقيا التي عانت هي أيضا من حرب أهلية، حيث صدر قانون العفو عن
جرائم الحرب بعد تحديد المسؤوليات وليس قبلها، فلا يمكن إصدار عفو عن مجهول ومن
دون تحديد الفعل الجرمي كما حصل في لبنان، ما أدّى الى مخالفة أبسط المعايير
المنطقية وبالتالي الى تغييب العدالة، فالمصالحة لكي تتحقق في لبنان يجب ان يسبقها إلغاء قانون العفو الذي صدر في أوائل
التسعينات في حق مجرمي الحرب وإعادة محاكمتهم، وبعدها تعبّد الطريق أمام أهل
الضحية لمسامحة الجلاد.
إلا أننا نعرف ايضاً ان العامل
الداخلي لا يكفي وحده للوصول الى المصالحة، فللاحاطة بمختلف جوانب الموضوع، علينا ان نتطرق
الى تأثير العامل الخارجي على المعادلة الداخلية، نظراً لقدرته على توجيه مجريات
الاحداث، هذا العامل شكل دائماً دور الزناد الذي يطلق الرصاصة الاولى وبعدها تكر
الرشقات، وقد أريد للأزمة السورية منذ بداية انطلاقتها ان تشكل الرصاصة الأولى،
وبات معظم اللبنانيين مقتنعون اليوم بأن لبنان يشكل بالفعل الخاصرة الرخوة لسوريا،
وما سياسة النأي بالنفس التي تتبعها الحكومة الراهنة إلا مثال واضح على هذه
السياسة المستمرة منذ الاستقلال، فلبنان الرسمي المتمثل بالحكومة يغض الطرف عن
تحركات المسلحين السوريين على الحدود الشمالية، في مشهد مكرر لما حصل مع المنظمات
الفلسطينية في نهاية الستينات على الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة، فيما يفترض على
الحكومة اللبنانية اليوم ان لا تكرر الخطأ نفسه وتبادر الى إعطاء الغطاء اللازم
للأجهزة الامنية اللبنانية للقيام بواجباتها بوقف تهريب السلاح من لبنان وضبط الحدود
مع سوريا.
بعدما فشلت جميع محاولات فريق تيار المستقبل وحلفائه منذ
بداية الأزمة السورية لجر لبنان الى مواجهة مع سوريا من خلال ايوائه عناصر ما
يسمّى بالجيش السوري الحر وتدريبهم وتسليحهم ومن ثمّ نقلهم إضافة الى السلاح الى
الداخل السوري وعلى رغم التحريض الاعلامي المتواصل من جانب هذا الفريق، تخطى لبنان
كأس المواجهة مع سوريا، وما
حصل في حادثة إطلاق النار على فريق قناة الجديد أخيراً، يدخل في خانة الارتدادات
التي وإن كانت بالطبع تؤثر سلباً على الاستقرار
الداخلي في لبنان، إلا انّ كشف ملابساتها يخفف من هذه الارتدادات، وفي هذا السياق
وفي وقت تستمر فيه التحقيقات، فجّر الوزير السابق ميشال سماحة قنبلة قد تتحول الى
اكثر من صوتية في الايام القليلة المقبلة في حال أريد للحقيقة ان تظهر، وفي
المعلومات التي ذكرها سماحة عبر برنامج حوار اليوم على ال otv في الرابع عشر من الجاري
أنّ من أطلق النار على فريق الجديد قبل أيام عدة لم يكن الجيش السوري وبأن الرصاص
الذي انهمر بكثافة على السيارة التي كانوا يستقلونها وأدى الى استشهاد علي شعبان
جاء من الاراضي اللبنانية، وكشف سماحة انّ مجموعة عماد الجاسم والملقب بالبلحص هي
من أطلقت النار على فريق قناة الجديد وعلى الجيش السوري في الاراضي السورية على حدّ
سواء، مستغلة وجود الصحافيين لمحاولة التسلل الى الاراضي السورية، وبلحص هو عنصر
منشق عن الجيش السوري من بلدة الهيشة الواقعة قرب تل كلخ، وينحصر دوره بنقل
المسلحين والسلاح عبر الحدود الى الاراضي السورية، إلاّ انّ أخطر ما كشفه سماحة ويعتبر
إخباراً في القانون اللبناني ما يوجب على النيابة العامة ان تتحرك، ان بعض الاجهزة
اللبنانية الرسمية تقوم بحماية مجموعة
بلحص الإرهابية، متهما إياها بالتغطية على تحركاتها في الاراضي اللبنانية
الحدودية.
لا شكّ ان الحرب الاهلية في لبنان لم تنتهِ، وهي مستمرة
من خلال مناوشات محدودة في معظم الاوقات تتصاعد وتيرتها لتتحول الى معارك حقيقية
في حال تقاطعت المصالح بين الخارج وبعض الداخل لاستخدام الساحة اللبنانية كبريد
ترسل من خلالها الرسائل المختلفة، فيما الرسالة الوحيدة التي يجب على الشعب
اللبناني ان يقرءها بتمعن ونحن في زمن القيامة، هي رسالة الصلب بما يعنيه صلب
السيد المسيح وشهادته من تكفير عن ذنوبنا، وهو يعيدنا دائماً الى طريق المحبة
والمصالحة والتسامح والرحمة.
Comments
Post a Comment