Skip to main content

توازن القوى السياسي بين المعارضة والنظام، سينتج الحل في سوريا


المحامي نسيم بو سمرا

على وقع الحروب المتنقلة في المنطقة، كان آخرها الحرب الاسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، تعود الجولات الامنية بين مختلف المناطق اللبنانية لتحط رحالها في صيدا، فتفرض نفسها على الحركة السياسية والحكومية، ما أعاد خلط الأوراق لدى جميع الأطراف، وأثبت مجددا هشاشة الوضع الأمني في لبنان ومدى انزلاق الساحة الداخلية نحو ما يحدث في سوريا، وفي وقتٍ نتفهم أداء تيار المستقبل وحلفائه في لبنان ومدى تورطه في هذه الأحداث، إلاّ اننا لا يمكن ان نفهم أداء الحكومة في شخص وزير الداخلية مروان شربل والذي تتهمه بعض الفعاليات الصيداوية بالتقصير والمهادنة تجاه حركة الشيخ أحمد الأسير، الذي تزداد  جرأته بعد كل تسوية يبرمها معه الوزير شربل، جرأة ترجمت بالإعتداء على حاجز لقوى الأمن الداخلي في صيدا ما لبث ان تطور الى إطلاق نار في حي التعمير- عين الحلوة بين عناصر تابعة ل"حزب الله" وآخرين من انصار الشيخ أحمد الاسير، أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، مرافقان للأسير وجرح آخرين من بينهم مسؤول حزب الله الشيخ زيد الضاهر ومرافقه من آل الديراني.
لا مجال للشك انّ تيار المستقبل أعاد تموضعه منذ بدأ الأزمة السورية، ليتلاءم مع مسار الأمور في سوريا، وذلك بهدف فرض معادلة جديدة في لعبة الصراع على السلطة في لبنان نظرا لارتباط رئيس تيار المستقبل سعد الحريري بأجندة خارجية، وإحدى الأوراق المستخدمة من جانب تيار المستقبل لتحقيق تلك الأجندة، هي ورقة السلفيين التكفيريين التي تبقي النيران تحت الرماد ليعاد إضرامها وقت الحاجة، وكادت شراراتها في أحداث طرابلس وبيروت الأخيرة ان تحرق الجميع لولا الجراحة الموضعية التي قام بها الجيش اللبناني لإبقائها تحت السيطرة، وجاءت حادثة نجل الأسير في صيدا وما سبقها من نزع جماعة الأسير ليافطات وضعت لمناسبة ذكرى عاشوراء، لتؤكد انّ المعالجات تبقى آنية.
إذا نظرنا إلى الإطار الأوسع للصورة،  نلمس خطورة المسار الذي يتبعه تيار المستقبل ومن وراءه من دول عربية مثل قطر والمملكة العربية السعودية، اللذان بنفخان في بوق الفتنة السنية- الشيعية، في لبنان والمنطقة وبالاخص في سوريا، وهم بدعمهم الجيش الحر في سوريا، يدفعون الأمور نحو هذه الفتنة، هذه الجماعات التي تعمل تحت عنوان المجاهدين السنة، تتشعب ارتباطاتها الإقليمية والدولية وتنقسم الى عدّة فرق، أخطرها ما يسمّى جبهة النصرة التي تتبع لتنظيم القاعدة وهي تتألف من حوالي ألف عنصر مدرّبين جيداً ومجهزين بأحدث الأسلحة، ويستخدمون المناطق الحدودية في شمال لبنان كخط خلفي ينطلقون منه للجهاد ضد نظام الأسد في سوريا، هذه المعلومات الامنية الواردة محليا تتقاطع مع تقارير أمنية وصحافية غربية بوجود مئات المجاهدين السنة الذين يتدربون في البقاع وبالتحديد في النصف الشرقي منه وسط القرى السنية وبتغطية من نواب تيار المستقبل، يهرّبون السلاح إلى سوريا و ويقدمون المساعدة الى اللاجئين السوريين الفارين من الاشتباكات المسلحة والجرحى في المعارك هناك، إلاّ انّ أخطر ما جاء في هذه التقارير الاستخبارية انّ عناصر من جبهة النصرة يمكن ان يكونوا قد شاركوا في أحداث طرابلس الأخيرة.
 ولكن كي لا نغرق في تفاصيل المناوشات على الساحة اللبنانية، فيما الحرب الحقيقية تدور في سوريا، نشير الى حدث مفصلي في مسار الأزمة السورية، تمثّل بتوصل المعارضة السورية الى توحيد صفوفها بعد سلسلة اجتماعات مضنية على مدى ايام عدة في الدوحة، تمّ فيها تعيين الرئيس الجديد للمجلس الوطني السوري جورج صبرا وانشاء "الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة " الذي سيكون بمثابة هيئة تنفيذية موحدة للمعارضة يترأسه احمد معاذ الخطيب، مع أرجحية سلفية في صفوفه.
وبعيدا من التحليلات الإعلامية، التي وضعت ما حدث في الدوحة في إطار الإنجاز لمعارضة الخارج، إذ تغيب معارضة الداخل عن هذا الإئتلاف، يشير الخبراء الاستراتيجيون الى انّ  الموضوع لا يتخطى الإطار التجميلي لهذه القوى، رغبة من الولايات المتحدة في إنهاء الصراع العسكري في سوريا والانتقال الى المفاوضات بين الطرفين المتصارعين، فواشنطن باتت مقتنعة بعد نحو سنتين من نزيف الدم في سوريا أن الميزان الدولي لا يميل لصالحها بل لصالح روسيا ودول البريكس وتجرى مفاوضات سرية في الوقت الراهن بين هذين المحورين برعاية الصين التي تحاول القيام بدور الوسيط في الأزمة السورية، وبات معروفاً ان الصين قادرة على الضغط على الولايات المتحدة نظراً لحاجة الأخيرة الى اقتصاد الصين، فالولايات المتحدة تدين للصين بحوالي 11 ترليون دولار أميركي، ما يشكل النسبة الأكبر للدين الخارجي للولايات المتحدة.
 يرى المتابعون انّ دور المعارضة السورية في المستقبل القريب من خلال ائتلاف المعارضة يقوم على الدفع باتجاه حلّ سياسي ينهي الحرب في سوريا، أمّا السؤال المطروح: على حساب من من الأطراف المتصارعة سيأتي هذا الحل، ومن هو المحور الذي سيفرض شروطه على الآخر للوصول الى حل للأزمة السورية؟
إنّ إنشاء "الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة " تحت عنوان توحيد المعارضة السورية، جاء لتسهيل الحوار مع النظام السوري ولاستبعاد العناصر الغريبة في الجيش الحر، والتي أصبحت تشكل أكثرية المقاتلين على الأرض السورية، هذه العناصر التي تصنفها الولايات المتحدة بالإرهابية جاءت من باكستان وأفغانستان والعراق وليبيا والاردن وبعض بلدان الخليج، والتسوية ستكون على حساب هؤلاء، وستكون الفرصة للتخلص من أكثر الارهابيين المطلوبين دوليا، فالنفاق الدولي في ما خص سوريا بلغ أوجّه، ففي حين يظهّر إعلاميا انّ الولايات المتحدة تدعم الارهابيين في سوريا، تقوم في الواقع بإعطاء الوقت للنظام بهدف اجتثاثهم، فواشنطن اقتنعت بعد مقتل دبلوماسييها في طرابلس الغرب ومن بينهم السفير الأميركي لدى ليبيا، بأن أي دعم للسلفيين التكفيريين سيرتد عليها في نهاية المطاف، ولذلك اتخذت دوائر القرار في البيت الأبيض بعد هذه الحادثة، القرار بالتخلص من هذا العبء الثقيل، والساحة السورية هي المكان الأنسب لتحقيق ذلك نظرا لتماسك الجيش السوري وتعامله بحزم مع هؤلاء الارهابيين،  فمن الناحية العسكرية يعتبر الجيش السوري الوحيد في المنطقة القادر على التحرك باستقلالية وهو غير مرتبط بأي اتفاقيات عسكرية تحدّ من حركته، فضلا عن ان سوريا تصنّع جزءاً كبيراً من أسلحتها ومن بينها الصواريخ المتطورة البعيدة المدى، والتي استخدمتها المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل في حرب تموز 2006 وكذلك المقاومة الفلسطيينة في حرب غزة في العام 2008 واليوم تقوم الفصائل الفلسطينية بدك المدن الإسرائيلية من تل أبيب الى القدس بهذه الصواريخ إضافة الى صواريخ فجر خمسة الايرانية، ما يؤشر الى تطور نوعي استراتيجي في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي منذ بدايته في العام 1948، أمّا من الناحية الفكرية، فالجيش السوري يعمل وفق عقيدة، لذلك لم يكن من السهل شق صفوفه على رغم كل الإغراءات المالية التي تقدمت بها دولة قطر، الممول الرئيس للجماعات المسلحة في سوريا.
إذا، الحل السياسي في سوريا بات قريبا، وهو ينص على مرحلة إنتقالية تبدأ في شهر كانون الأول من الجاري وحتى شباط من العام المقبل، حيث تؤلف حكومة وحدة وطنية تضمّ طرفي النزاع، تجرى بعدها انتخابات رئاسية وبرلمانية بإشراف دولي، في حين تبقى بنية النظام (structure) كما هي، مع تحقيق اصلاحات شاملة، وبعكس ما حصل في العراق، لا يمس بالجيش السوري أو بحزب البعث، الذي سيتقاسم السلطة مع الأطراف الأخرى في المعارضة.    

Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

  *نسيم توما الهاشم يدعي سيد البلاستيك "إيلي نخله" انه تحت سقف القانون وانه سيحصل حقه بالقانون، فيما هو يخالف في عمله كل القوانين البيئية والصحية، وقد استغل منبر شبيبة لامارتين حمانا ليوصل رسالة تهديد الى قائد شبيبة لامارتين مباشرة على الهواء، فيما نحن ظننا للحظة انه نادم على تلويث البيئة ومستعد لاصلاح ما تضرر، ولذلك نقلنا وجهة نظره وأوصلنا صوته للرأي العام لأن مهنيتنا الصحافية تفرض علينا عرض الرأي الآخر، كي لا نتهم بالتحيز وليحكم الرأي العام في ما خص الجرائم البيئية التي ترتكب في حق وطننا لبنان وبلدتنا حمانا،  وبدل ان يشكرنا سيد البلاستيك الذي أطلق علي لقب "سيد البيئة" وانا افتخر بالمناسبة بهذا اللقب وهو شرف لكل من يملك حسا بيئيا ويقاتل للحفاظ على البيئة ضد الكارتيلات التي تستبيح البيئة وتلوث الطبيعة طمعا بالمال،  لا بل اكثر من ذلك راح يكيل التهم لشبيبة لامارتين حمانا،  ويهاجم بلدية حمانا التي اتخذت الاجراء بحقه وأجبرته على ازالة المخالفة، لأنه متعدي على الأملاك العامة، وهو يوضب بضاعته بشكل ملاصق  للنهر مباشرة، في موقع حساس جدآ بيئيآ؛ بدل ان يبتعد عشرة امطار عن...

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

  بعض السياسيين بلبنان مفكر حالو سعد الحريري  ومصدق شعار "لبنان اولا" اللي طرحتو جبهة ١٤ آذار المزورة...والمضحك اكثر انو مصدقين خبرية "الانحياز الى الدولة" والتي يخلطون بينها وبين السلطة، (في لبنان لا يوجد دولة بل سلطة مرتهنة للخارج بأغلب الاحيان) فيتبنوها شعارا الى جانب شعار ال ١٠٤٥٢ كم٢ السخيف هو ايضا؛ أولا هو منطق بعيد من الواقع لانه لا دولة في لبنان حتى يومنا هذا، فحتى عهد الرئيس ميشال عون فشل في بناء دولة، وما زالت دولتنا منهارة، وثانيا: كل عمرا المقاومات مشروعة دوليا وقوميا ووطنيا وتحل مكان الدولة حين تنهار الدولة، ولبنان ليس استثناء بل يشكل لبنان سابقة في تكامل المقاومة مع فكرة الدولة، ولا تتعارض او تتنافس معها؛ والدليل هو استطاعة الشهيد السيد حسن نصرالله فرض معادلة الردع التي استمرت ثمانية عشر عاما منذ العام 2006 وحتى ال 2024 والمثال الآخر هو ترسيم الحدود البحرية مع العدو الذي اعطى للبنان كامل حقوقه في نفطه وبلوكات غازه حيث لم يكن عهد الرئيس ميشال عون ليحقق هذا الانجاز، لولا مسيرات المقاومة التي حلقت لمرتين فوق حقل كاريش...ليرفع أحدهم شعاره الشهير حينها: ...

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

 *نسيم بو سمرا حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر. اليوم وبعد انهيار أسس ال...