Skip to main content
هل تصب زيارة البطريرك الراعي لفلسطين، لصالح المسيحيين المشرقيين؟
نسيم بوسمرا
يزور البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة
بطرس الراعي، الأراضي الفلسطينية المحتلة، برفقة رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا
فرنسيس، في نهاية أيار الجاري، ويفجّر بهذه الزيارة السجال على الساحة المحلية،
حول هذه السابقة التاريخية لصاحب أعلى منصب روحي في المشرق، وبخاصة في هذا التوقيت
بالذات، التي تشهد فيه المفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية أزمة عميقة على وقع
استمرار المشروع الاسرائيلي بتهويد القدس.
صحيح ان كل البابوات الذين شغلوا سدة الكرسي
الرسولي منذ العام 1948 حتى الآن، زاروا الأرضي الفلسطينية المحتلة، وصحيح أنّ البطريرك
المعوشي، دخل القدس الشرقية في العام 1964 لاستقبال البابا بولس السادس، إلاّ أنّ القدس
كانت يومها تحت السيادة الأردنية وليس الاسرائيلية كما هي الحال اليوم، وعلى رغم
محاولة غبطة البطريرك الراعي التقليل من أهمية الزيارة عبر نزع الطابع السياسي
عنها، لمصلحة تغليب الطابع الديني الرعوي واعتبارها مجرد زيارة للأراضي المقدسة
والقدس، وربطها بالزيارات السابقة لغبطته الى سوريا في
شباط 2013، وانفتاحه على كل الكنائس وجولاته الخارجية الرعوية، وقراره بالانفتاح
على كل اللبنانيين وزياراته التي شملت كل المناطق وخاصة الجنوب والشمال والبقاع، إلاّ
أنّ لزيارة القدس، طابعاً خاصاً، لا يسري على الأماكن الأخرى، بسبب التداعيات السياسية الكبيرة التي يمكن أن تنتج جراء
الزيارة، ولو أعطيت وجهاً رعاوياً.
من الناحية القانونية، لا يسري قانون معاقبة
اللبنانيين الذين يدخلون أراضي العدو بسبب حالة الحرب الموجودة بين لبنان
وإسرائيل، على رجال الدين المسيحيين الذين يخضعون لاستثناءات تسري عليهم في اطار
مهامهم الرعوية، وذلك منذ بدء العمل باتفاقية الهدنة في العام 1949، إلاّ أنّ
الموضوع يبقى مبدئي ولا تصح مقاربته من الناحية القانونية فقط، وفي هذا الإطار
نعطي مثال بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام الذي أمضى أكثر من ربع
قرن في القدس مطراناً، ولكن بعدما أصبح بطريركاً، تعهد على نفسه ألا يزور المدينة
المقدسة إلا بعد تحريرها من محتليها الصهاينة، وهذا ما التزم به، وباقي بطاركة
الشرق من مختلف المذاهب المسيحية، وهنا لا بد من الإشارة الى أن لكل الكنائس
المشرقية، بما فيها المارونية، أبرشيات يرأسها مطارنة، إلاّ أنّ طبيعة الزيارة بحد
ذاتها وصاحب الزيارة الكاردينال الراعي، يعطي ابعادا أخرى، وبخاصة أن وفق البرنامج
الذي عممه الاسرائيليون، فإن البابا فرنسيس والوفد المرافق له، سيزور حائط المبكى
ثم جبل هرتسل حيث يوجد قبر ديفيد بن غوريون و«عظماء اسرائيل» كما يسمونهم، ويضع
اكليلا من الزهر، قبل أن يزور متحف ضحايا النازية (ياد فاشيم) ثم يلتقي الوفد شيمون
بيريز وبنيامين نتنياهو والحاخامين الأكبرين في الكيان الاسرائيلي، وبناء عليه، هل
سيرفض البطريرك الراعي الذي سيكون ضمن هذا الوفد، مصافحة المسؤولين الاسرائيليين
على سبيل المثال، وماذا سيقول لهم؟ مع التذكير أنّ الوفد سيلتقي أيضا الرئيس
الفلسطيني محمود عباس.
ربما لدى بعض الأفرقاء اللبنانيين موقفا أخلاقيا
من زيارة أي لبناني للأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا منطقي في ظل إيمان معظم
اللبنانيين بحتمية العداء لإسرائيل، نظرا لطبيعة هذا الكيان الغاصب والمحتل
والطامع بخيرات غيره والعامل على تفتيت جميع الكيانات المحيطة به، إلاّ أن قسما من
هؤلاء اللبنانيين يعتبر أنّ زيارة الراعي للأراضي المقدسة وفي هذا التوقيت بالذات
يصب لصالح المسيحيين العرب في فلسطين ولصالح مسيحيي المشرق والعالم ايضاً، وهذا
الرأي يمكن أن يكون صحيحاً في حال كان للبطريرك الراعي موقفا حازماً خلال هذه
الزيارة، من الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وهو يعلم أنّ حل القضية الفلسطينية على
أسس عادلة وتصب في مصلحة السكان الأصليين، أصحاب الأرض الفلسطينيين، ستنعكس إيجابا
على لبنان من ناحية عودة اللاجئين الفلسطينيين الى أرضهم، أمّا النقاط التي يجب على
الراعي إثارتها خلال الزيارة، فهي تشجيع الفلسطينيين العرب والمسيحيون من ضمنهم، على
البقاء في أرضهم، وهو فعل مقاومة بحد ذاته نظرا للمخطط التهجيري الاسرائيلي الهادف
الى اقتلاع الفلسطينيين وبخاصة المسيحيين من ارضهم، وفي ظل
فتح اوروبا أبوابها لهجرة المسيحيين، وفي هذا
الإطار على الراعي التشديد على وقف بيع الاراضي المسيحية لليهود، وفضحه
عمليات بيعٍ، حكي عن تورط كرادلة وكهنة
فيها، والمطلوب من الراعي أيضا إدانة القرار الأخير بفرض سلطات الاحتلال التجنيد الاجباري
على المسيحيين العرب من أبناء المناطق المحتلة منذ العام 1948، بعدما كان ذلك
محصورا سابقا بأبناء الطائفة الدرزية.
هذه المواضيع الشائكة، يجب أن يتناولها البطريرك
الراعي، ومن القدس بالذات، وبذلك يحقق هدفين: الأوّل لدى المسيحيين المشرقيين ولا سيما
الفلسطينيون منهم، بضرورة التجذّر في الأرض التي انطلقت منها المسيحية لتعمّ في ما
بعد الكرة الأرضية، والهدف الثاني الذي يمكن للبطريرك الراعي تحقيقه من خلال
إعلانه لموقفه من دون لبس أو غموض، هو طمأنة المسلمين بألاّ نية للمسيحيين
المشرقيين بالتطبيع مع إسرائيل، ولا يفكرون بالتخلي عن القضية المركزية فلسطين، من
أجل تحقيق مكسب الحج الى كنيسة القيامة والمهد في بيت لحم، وإن كان هذا الحلم
يراود جميع المسيحيين، وعلى الأخص المشرقيين، إلاّ أنّ حق الشعب الفلسطيني
باسترداد أرضه والعودة إليها يبقى الأولوية على ما عداه من حقوق ، لأنّ الدين لا
يقبل بالظلم ولا يهادن الشر من أجل تحقيق مكاسب محدّدة لجماعة دينية معينة، وعلى
حساب جماعات دينية أخرى لا بل شعب بأكمله.
Comments
Post a Comment