ماذا ينتظر لبنان لإعادة تفعيل العلاقات اللبنانية السورية لمواجهة خطر داعش؟



نسيم بو سمرا

دخل لبنان المحظور الذي حذّر منه التيار الوطني الحر وحزب الله منذ استشعارهما الخطر قبل أن يصل إلينا، فالسياسة رؤيا وعلى من يتولى المسؤولية أن يمتلك هذه الصفة ليجنب شعبه ووطنه المشكلات والكوارث، بتحسبه لها قبل وقوعها، فها هو لبنان ينزلق مجددا في ردّات الفعل على أحداث كان يجب أن يكون فيها هو المبادر لحماية نفسه من الحمم التي يقذفها البركان المستعر في الدول المحيطة، وهذا ما فعله حزب الله بحربه الاستباقية في سوريا، مجنّباً لبنان الأسوأ، على رغم ما تمر به الساحة المحلية راهناً. 
أمّا وقد أشعلت هذه الحمم بعض الحرائق المحدودة جغرافياً، إلاّ أنها يمكن أن تتوسع وتمتد إلى جميع المناطق اللبنانية، في حال استمر بعض الأفرقاء السياسيين بدفن رؤوسهم في الرمال، مع العلم أن عند الأخطار الخارجية، على جميع اللبنانيين التوحد والتماسك، لمجابهة هذه الأخطار التي تطال بالعادة الجميع ومن دون استثناء، في حين أن مناداة البعض بالاستمرار بسياسة النأي بالنفس التي كان للتيار الوطني الحر وحلفائه اعتراضات عليها في حكومة الرئيس السابق نجيب ميقاتي، فلم تعد تصلح هذه المقاربة راهناَ بعدما أضحى لبنان وبالتحديد الشمال هدفاً مباشرا يستكمل من خلاله الارهابيون رسم حدود إمارتهم، وبات معروفاً أنّ شمال لبنان يشكل الرئة البحرية الوحيدة للدولة الاسلامية المزعم إقامتها، ومرفأ طرابلس يشكل هذا المتنفس؛ ومن هنا شكّل الانجاز الأمني الذي حققه الجيش في طرابلس، ضربة قاسمة لداعش والنصرة، في لبنان، واليوم يستكمل الجيش إنجازاته في عرسال وجرودها التي باتت جبهة متقدمة بعدما كانت في الماضي القريب الملجأ الآمن لمقاتلي التكفيريين وعائلاتهم.
"إنّ الجيش بعديده وعتاده الراهن قادر على إلحاق الهزيمة بالعدو التكفيري"، هذا ما تؤكده الوقائع الميدانية ويعلنه حزب الله بالتحديد، ولا يحتاج الجيش للذخيرة بقدر ما يطلب من السلطة السياسية إطلاق يده في الميدان، وقد أثبت جيشنا البطل أمس جهوزيته، باسترجاعه التلال المشرفة في منطقة وادي الحصن جنوب شرقي جرود بلدة عرسال، مستعيدا بذلك الموقع الذي فقده لصالح الارهابيين في معركة عرسال الأخيرة، وهو موقع استراتيجي بسبب إشرافه على الوادي وقطعه الطريق التي تربط عرسال بجرودها وكان يستخدمها هؤلاء بتنقلاتهم من وإلى عرسال، والى داخل مخيمات اللاجئين السوريين، ويمكن للجيش أيضاً ضرب هؤلاء التكفيريين في تحصيناتهم في جرود عرسال، بالتنسيق والتعاون مع المقاومة والجيش السوري، وهم باتوا فيها محاصرين من جميع الجهات، فحزب الله  الذي يخوض معارك يومية ضد الارهابيين من جهة، والجيش السوري الذي يشن غارات متواصلة في منطقة الجرود من الجهة الأخرى، والجيش اللبناني من جهة عرسال، يطبقون على المسلحين كالكماشة، ويبقى على القيادة السياسية وبعض المسؤولين، التوحد وراء الجيش والتصدي لمحاولات منع وصول الأسلحة المقدمة اليه من خلال هبتي ال 3 والمليار دولار، وتعمل إسرائيل والمملكة العربية السعودية بمباركة أميركية على تأخير صرفهما، فالسعودية التي ما زالت غير مقتنعة بالقضاء على داعش، في سوريا ولبنان، فيما اتخذت قرارها في العراق بمواجهتها بسبب الخطر المباشر على حدودها، تعمل على توظيف ورقة الإرهاب التكفيري حتى آخر لحظة للاستمرار باستنزاف دمشق، لعلها تقبض ثمنا أعلى عندما يحين الوقت، وجرود عرسال باتت تشكل الباب الوحيد المفتوح للدخول الى سوريا بعدما ضبطت بشكل مقبول الحدود مع تركيا والأردن فيما الجولان لا يشكل من خلاله التكفيريون اي خطر جدي بسبب طبيعة التماس المباشر بين سوريا وإسرائيل في حين أن الحدود العراقية المشرعة الآن للدولة الاسلامية، تضيق أكثر فأكثر بفعل تشديد الضغط عليها في العراق من التحالف الدولي الذي تشكل ضدها.
هذا التقاطع السعودي مع داعش في سوريا ولبنان، والمتعارض معه في العراق، مردّه الى أنّ داعش ذات المنهل الوهابي، لا يتعارض في النظرة الى الدين من الناحية الفكرية مع الرياض، غير أنّه بات يشكل خطرا على نظام الحكم في السعودية بسبب التنافس في الجغرافيا التي تشغلها المملكة في العالم العربي، وفي هذا الإطار نلفت النظر الى الخبث الأميركي في التعاطي مع داعش الذي يحاربه في العراق وما زال يدعمه في سوريا ولبنان، فالضربات الجوية المحصورة على الحدود القريبة من كردستان وليس داخل المناطق التي يسيطر عليها داعش، لن تقضي على الدولة الاسلامية، وفي حين تفتح الجسور العسكرية الجوية للبشمركا للتصدي لداعش، تستمر واشنطن ومعها الدول الأوروبية بشراء البترول بأسعار متدنية من داعش ما يحقق لهذا التنظيم أرقاما خيالية تقدّر ب 600 ألف جنيه استرليني يوميا من العائدات، في وقت يستمر مشايخ الخليج وأمرائه بتمويل داعش بالمال والسلاح، وهذا المسار الاستخباري المافيوي سيؤدي في النهاية الى رسم حدود الدولة الاسلامية بحسب مصالحه في المنطقة، ومن دون السماح لهذه الدولة بتهديد هذه المصالح، في مقابل كيان جديد يسمى بالدولة الاسلامية، ينشأ في قلب العراق ويؤجج الخلافات بين االمذاهب الاسلامية، مع التذكير أن الاسلام كغيره من الديانات يحمل في طياته التناقضات، إلاّ ان مساحات الالتقاء تبقى شاسعة.
ولكن بالعودة الى الداخل اللبناني، فأهداف داعش والنصرة لم تتحقق وأفشلت لغاية الآن، وعملية اختطاف العسكريين وذبح اثنين منهم كان يعمل من خلالها على خلق ردات فعل طائفية، إلا أن الوعي الشعبي هذه المرة، الرافض لمنطق تصنيف العسكريين المذهبي، حال دون تحقق أماني الجهات المخططة، وبقي الجيش موحدا والشعب من ورائه بمعظم أطيافه، داعماً له، وواضعا ثقته فيه وحياته بين يدي عناصره وضباطه.
فماذا تنتظر الدولة اللبنانية لتعيد تشغيل خطوط التواصل مع الدولة السورية على المستويين الأمني والعسكري، فكما ينسق الأمن العام اللبناني مع السلطات السورية في ما خص النازحين السوريين مع العلم ان هذا التنسيق يبقى ناقصا من دون قرار السلطة السياسية بترحيل جميع النازحين السوريين الى بلادهم، والذين باتوا يشكلون الخطر الأكبر من النواحي الأمنية والصحية والاقتصادية والاجتماعية، في وقتٍ أبدت سوريا استعدادها للقيام به، فهل من المنطق السليم أن يتم التحاور والتفاوض مع التنظيمات الارهابية لإطلاق العسكريين، فيما ترفض قوى الرابع عشر من آذار بالتحديد، التنسيق مع الجهات الرسمية السورية لإبعاد خطر هذه التنظيمات الذي يبقى داهماً على لبنان وجميع اللبنانيين، في حال بقيت الانقسامات والحسابات الضيقة تعصف ببعض التجار في السياسة؟
10/9/2014

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا