الافراج عن ميشال سماحة بين القانون والسياسة


نسيم بو سمرا

لم يعد مستغربا ان تسود شريعة الغاب في لبنان ويعمد كل مواطن على أخذ حقه بيده كما لم يعد مستغربا ان يفقد المواطن الثقة بدولته، فدولة المؤسسات سقطت منذ العام 1990 حينما سلّم اتفاق الطائف رؤساء الميليشيات الذين أجرموا بحق اللبنانيين طوال خمسة عشر عاماً، سلمهم اتفاق الطائف الحكم ليكملوا اجرامهم بحق الشعب اللبناني ولو بطرق أخرى، ولكنها كلها تسلطية بالنتيجة، من الأمن الى السياسة وصولا الى الإقتصاد وحتى الاستقرار الاجتماعي تم اللعب به ليستمر كل  زعيم سياسي وقائد ميليشيا سابق ورئيس عصابة ورجل أعمال مرتبط بالخارج، في التحكم بشرائح الشعب اللبناني على أساس مذهبي طائفي، وهذا الأمر رفع حالة القلق لدى اللبنانيين وعدم الشعور بالأمان والأمن ما دفع بالكثير من الذين بقوا منهم في لبنان ولم يهاجروا، الى التأقلم والدخول في منظومة الفساد لـتعزيز فرص بقائهم وحماية أنفسهم من بطش المافيات التي تحظى برعاية رسمية، أما من رفض الدخول في دوامة الفساد والافساد إما لعجزه او لرفعة أخلاقه، فاضطر الى الاعتماد على نفسه ويكافح بحسب قدراته لتأمين بقائه واستمراريته، في حين تتحمل مسؤولية ما وصلت اليه الأمور لناحية الهريان في المجالات كافة، الحريرية السياسية التي استباحت المؤسسات وضربت انتاجيتها وحسن سير عملها محولة بذلك النظام اللبناني الى ملكي شبيه بالنظام السعودي، فيسخر القضاء والمؤسسات الخدماتية والانتاجية والوزارات وجميع مفاصل الدولة للمصلحة الشخصية، ولتحقيق ذلك عمدت الحريرية السياسية كمنظومة وليس كفريق بحد ذاته الى تطييف الأجهزة الأمنية وإضعاف الجيش بمنع تسليحه وإعطاء أفراده حقوقهم المادية والمعنوية، فضلا عن إفساد المجتمع وإفقاره بضرب مقومات اقتصاده وتحويل مؤسساته العامة الى شركات خاصة وبالأخص ما ارتكبته هذه الحريرية بحق بيروت عاصمة لبنان والتي افرغتها من سكانها الأصليين باستيلائها بواسطة سوليدير على وسطها التجاري الذي كان جامعا للبنانيين بمختلف انتماءاتهم، اما الأخطر فهو تآمرهم على الجيش اللبناني والدفاع وحماية الارهابيين الذين يطلقون النار على الجيش فيمنعوا القاء القبض على المجرمين كأبو طاقية وعلي الحجيري الذي بالمناسبة صادرة بحقه مذكرة توقيف لقتله الشهيد زهرمان في عرسال، او يخرجونهم من السجون كشادي المولوي او يهربونهم من سجن رومية .
إنَّ مقولة "هادي عا سوس ونقطة" تنطبق بالتحديد على وضعنا في لبنان، فأي هزة أمنية يمكن ان تفجر الوضع وبخاصة ان المحيط يقوم على صفيح ساخن، كما ان أي حكم قضائي وعن أي محكمة صدر مدنية او عسكرية يلاقي ردات فعل معترضة واحيانا تترجم بالشارع وبطرق عنفية أخرى، سواء جاءت هذه الأحكام بالبراءة او بالادانة، وردات الفعل هذه تنطبق على الأفرقاء كافة، فكما تلاقي الأحكام بحق الاسلاميين والارهابيين اعتراضا او ترحيبا من الجهتين السياسيتين وفق الانقسام العامودي الراهن على الساحة الداخلية، وبحسب الحكم، كذلك تلاقي الأحكام من الجهة الأخرى اعتراضا او ترحيبا، اما اكثر الأحكام التي تخلق جدلا فهي تلك الصادرة عن المحكمة العسكرية، والأمثال كثيرة في الأحكام التي تلاقي اعتراضات بحق عملاء اسرائيل، بحجة انها مخففة في معظم الأحيان من جهة حزب الله وحلفائه، اما في الانقسام الداخلي فتأتي الاعتراضات حادة وبخاصة بعد دخول لبنان في خضم الأزمة السورية وما تنج عنها من تورط مباشر من تيار المستقبل بدعمه ما يسمى بالمعارضة السورية ثم انخراط حزب الله في الحرب السورية لحماية لبنان بعدما شرّع تورط المستقبل الأبواب على مصراعيها لدخول النار السورية واشعالها الحرائق في كل لبنان.
 ولكن ماذا في القانون في ما خص قرار المحكمة العسكرية الافراج عن الوزير السابق ميشال سماحة، فهذا القرار قانوني اتخذته محكمة، وافظع شيئ ان نخلط القضاء بالسياسة، وهنا للتوضيح، لا يختلف إثنان على ان سماحة ارتكب جرما كان سيؤدي لو نفذ الى ضحايا أبرياء من المدنيين، والجرم حتى لو بقي قيد التحضير ولم يدخل مرحلة التنفيذ الا ان النية الجرمية لدى سماحة موجودة ويعاقب عليها القانون بأشد العقوبات، غير ان القضاء العسكري حكم ميشال سماحة على هذا الجرم بعدما اثبتت التهمة عليه وهو خرج اليوم بعد 4 سنوات بتنفيذه الحكم المدان به، اما المعترضون اليوم على اطلاق سماحة فلا يضرون بسماحة بل يسيئون اولا للقضاء العسكري وهو الأقل تأثرا بالضغوطات السياسية من القضاء المدني والذي يجب ان نحصنه ونحميه من الفساد والسياسة التي اصابت القضاء المدني، وثانيا يسيئون للإنتظام العام، فإما نحن في دولة قانون نحترم القضاء ونعمل على تقويته بدل إضعافه واما نبقي سماحة فوق مدة محكوميته فيصبح معتقلا سياسيا لا مسجونا وهذا الظلم غير مقبول بكل المعايير، فضلا عن ان المعترضين على اطلاق سماحة من وزراء وزعماء وقادة ميليشيات سابقين، لا يحق لهم رجم ميشال سماحة بحجر نظرا لأن خطيئتهم تساوي او تفوق بأشواط خطيئة سماحة.

في المحصلة لا احد يمكنه ان يدافع عن ميشال سماحة في ما ارتكبه، ولكن لا يحق ايضا لهؤلاء الاعتراض على حكم المحكمة العسكرية بإخلاء سبيله، وهم الذين اوصلوا الأمور الى هذا الدرك من الاهتراء، فهؤلاء الذين حولوا الدولة الى ملكية خاصة وأفقروا الشعب بعد ان أفسدوه، يخلقون البيئة الحاضنة للتكفيريين ويخلقون الأعذار للإرهابيين ويؤمنون الغطاء السياسي وحتى القانوني لهم، هؤلاء لا يحق لهم رفع الصوت اليوم وتحدي القضاء امعانا بضربه نهائيا، لتخلو حينئذ الساحة لهم ولجماعاتهم من التكفيريين الارهابيين.

Comments