ثقافة النسبية في حياتنا السياسية ستبدل المشهد السائد منذ الاستقلال

نسيم بو سمرا 

في ظل الانجازات العديدة التي تحققت في وقت قياسي منذ انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ولو تخلل هذا المسار بعض المطبات من تعثر إقرار سلسلة الرتب والرواتب الى تأخر صدور الموازنة ومن ثم الكباش الحاصل على قانون الانتخاب، والذي رسى أخيرا على النسبية التي ستغير المشهد السياسي ووجه التركيبة السياسية القائمة منذ الاستقلال كليا، بحسب الخبراء، بعد ما يقارب التسعين عاما من قوانين اكثرية طغت بواسطتها ذهنية سياسية اقصائية والغائية، تحكمت بواسطتها طبقة سياسية بالتحالف مع رؤوس المال، بمفاصل حياة اللبنانيين، فوجهت الاقتصاد باتجاه اثرائها غير المشروع على حساب اغلبية الشعب اللبناني الذي ازداد فقرا مع الوقت، في حين لا يقل اللقاء التشاوري الذي عقده الرئيس عون في بعبدا، لرؤساء الكتل المشاركة في الحكومة، أهمية عن إقرار قانون الانتخاب، نتج عنه وضع خريطة طريق ستطلق في الفترة المقبلة، ورشة إصلاحيّة تشريعيّة سياسيّة اقتصاديّة اجتماعيّة ، لتشكل الفترة الفاصلة حتى إجراء الانتخابات النيابية، مسار حلِّ لمشكلات مزمنة عانى منها اللبنانيون طويلا.
 غير انه من المعلوم ان المجلس النيابي الممدد لنفسه مرتين لا يلبي طموحات الرئيس العماد ميشال عون، وتوقه نحو التغيير، في وقت بات يمكن اليوم وبعد شرعنة المجلس بتمديد تقني لا سياسي، القول ان العهد انطلق ومسار السلطة أعاد العهد تصحيح وجهته، فالرئيس عون وانسجاماً مع هذا المبدأ، رفض توصيف الحكومة الأولى التي تشكّلت في عهده بـ"حكومة العهد الأولى"، خصوصاً أنّ هذه الحكومة، جاءت من خلال تسوية، وتركيبتها تبقى هشة حتى انتخاب مجلس نيابي جديد يعيد انتاج السلطة على اسس سليمة، وبخاصة ان قانون الانتخاب على اساس النسبية يحقق هذا الأمر، ويسعى الرئيس الى الاستفادة من الفترة الفاصلة عن اجراء الانتخابات النيابية، لتحقيق قفزة نوعية تشريعية تعوض ما فات على اللبنانيين خلال فترة الشغور الرئاسي لا بل ربما منذ عقود، لم ينتج فيها المجلس أي شيئ يذكر للبنانيين، وبخاصة من النواحي الحياتية والاجتماعية والاقتصادية.

أما الأصوات التي خرجت بعد إقرار قانون نسبي للإنتخابات، وعلى الرغم من ان التيار الوطني الحر أعلن ان هذا القانون يحقق جزءا من طموحاته ولكنها مهمة نحو الهدف المنشود الذي سيستمر التيار بالنضال لأجل تحقيقه، وهو تقديم الأفضل دائما للبنانيين، قابلتها أصوات نشاذ، تسخف الانجاز وتعتبره تشويها للنسبية لأنه في ادبياتها ان النسبية لها فقط صيغة واحدة فريدة، وهذا خطأ بالتأكيد في فهم النسبية التي لا يفترض ان تناقض تركيبة المجتمع، ولا هي كناية عن مبادئ جامدة لا تتطور بل تأتي وفق منظومة كاملة من القوانين والاجتهادات في تسيير السلطة.
أما النجاح المكمل للإنجازات في هذا العهد فهو التعاون بين السلطات والذي بدأ بين الأجهزة الأمنية، فحصن الساحة الداخلية من أي اختراق ارهابي، ليستكمل بتعاون المؤسسات الدستورية وعلى رأسها التعاون الحاصل بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، فالانسجام واضح بين الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري وفي معظم الملفات، وقد انضم أخيرا رئيس السلطة التشريعية نبيه بري الى هذا التنسيق، بعد إنجاز قانون الانتخاب، لأن بذلك تكون السلة التي طالب بها بري منذ ما قبل انتخاب الرئيس تحققت، ويسعى الأخير الى استثمار إنجاز الاتفاق على قانون الانتخاب لتعويض ما فات تشريعيًا، في ضوء الاتهامات الكثيرة للمجلس النيابي بأنّه لم يحقّق شيئاً خلال ولايته الممدّدة، لتستكمل الحلقة بسعي الحريري أيضا، لتسجيل انجاز لحكومته في الفترة التي تسبق الانتخابات ليطبق العنوان الذي أطلقه على الحكومة وهو: إعادة ثقة اللبنانيين بالدولة.
إذاً بتنا واثقين اليوم وبات على اللبنانيين ان يطمئنوا، الى ان لبنان دخل في عصر جديد من التشاركية وصحة التمثيل، فخرجت أدبيات الالغاء والاقصاء وتكبير الأحجام نهائيا من قاموسنا السياسي، بعد إدخال النسبية الى حياتنا السياسية والتي تعتبر ثقافة قبل ان تكون قانونا، ما سيؤدي الى نقلة نوعية في حياتنا السياسية، سينظم بموجبها مجتمعنا بإرساء علاقات صحية وتفاعلية بين شرائحه كافة، ليؤدي العقد الاجتماعي الجديد بين اللبنانيين إذا صح التوصيف، الى استقرار اجتماعي وبالتالي وطني.


Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا