العولمة الثقافية: الرابط الديني بين الأصولية المسيحية واليهودية العالمية


نسيم توما الهاشم *


المقدمة

 
إنّ الخط الفاصل ما بين العولمة والإمبريالية من الناحية الزمنية لم يتبلور كليّاً في عالمنا اليوم، إذ نرى في سلوك الدول الكبرى خليط من الإثنين، رغم اقتناعنا بأن العولمة لعبت دوراً أساساً في وضع حد للنظام القديم المتمثّل بالكولونيالية (Colonialisation) والإمبريالية، إلاّ أنّها تسعى إلى بناء علاقات القوة الخاصّة بها والقائمة على الإستغلال، التي قد تكون أقسى وأكثر وحشية من تلك التي دمّرتها، ونقطة الإرتكاز لبناء هذه العلاقات هي في عنصر العولمة الثقافية( النظرية لمايكل هاردت وأنطونيو نيغري- كتاب الإمبراطورية ).
لا يعني ذلك أنّنا ضد مبدأ العولمة بالمطلق، لكننا بالتأكيد سنرفض الناحية الثقافية منها باعتبارها وجه من أوجه الإستهدافات الرامية إلى استغلالنا وإلغاء ثقافتنا لصالح ثقافة مستوردة ودخيلة على منطقتنا العربية؛ فالتراث الثقافي المشترك الذي تملكه شعوب هذه المنطقة وما ينتجه هذا التراث من تضامن وتفاعل وتكامل إجتماعي في ما بينها، يساهم في تقوية مناعتنا في وجه العولمة الثقافية الزاحفة على عاداتنا وتقاليدنا المشرقية؛ فمعظم الجيل الجديد من الشباب العربي لا يعرف تاريخ المنطقة ورجالاتها، وما عاناه أجدادنا ليوصلوا إلينا هذا التراث الفكري الذي بواسطته تنطبع هويّتنا وذاتيّتنا، فننطلق منه لبناء وتطوير شخصيّتنا.
سنتناول في هذا البحث الأصولية المسيحية كونها كانت المحرّك الأساسي للإمبريالية في العالم كما هي اليوم الموجّه الأوّل للعولمة الجديدة؛
أمّا عرضنا لليهودية العالمية، فهو من باب تسليط الضوء على العامل الديني المشترك بينها وبين الأصولية المسيحية؛ فهم يتبنون إيديولوجية واحدة كما أنّهم يلتقون على الأهداف نفسها، والتعاون  الحاصل على الساحة الدولية يستند إلى إستراتيجية واحدة، وهم يحاولون اليوم  تسخير العولمة بهدف فرض ثقافة عالمية واحدة على الشعوب كافة.
إنطلاقاً من هنا، سنحاول من خلال هذا البحث، دحض النظريّة الرامية الى الإعتقاد بأنّ المسيحيين واليهود يشكلون ثقافة واحدة من الناحية الإجتماعية (بما يُعرف بالحضارة اليهودية- المسيحية).      

الأصولية المسيحية

 
للأفكار الدينية والميثولوجية دور أساسي في حياة الإنسان المعاصر، كما كان لها الدور الرئيسي في حياة
الإنسان البدائي وتصرّفاته ؛ ففي كتابه " تأملات في ثورات العصر" وفي معرض حديثه عن إضمحلال
الروح الدينية كروح مسيّرة للأحداث التاريخية وحلول العقلانية والعبقرية وثورة العلم والتكنولوجيا فضلاً عن ثورة الإتصالات مكانها في توجيه المجتمعات البشرية نحو العصرنة: يقول هارولد لاسكي :} إذا كانت الروح الدينية التي نعنيها هي النداء الملحّ بأن يكرّس المرء نفسه لهدف أبعد من مجرّد إرضاء شخصه، فإن الجواب هو أنه ما من حركة عظيمة في عصرنا إلاّ وكانت لديها القدرة على أن تجنّد في خدمتها نوعاً من الجهود جوهره الروح الدينية...{ فالدين إذاً هو من أكثر المفاهيم الانسانية ترسّخاً في أعماق النفس البشرية.
 يخطئ من يظن أنّ في العالم الغربي اليوم، في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، يوجد علمانيّة بالمعنى الصحيح للكلمة، بل هناك ما يُعرف بالمجتمع المدني((Société Séculière، ففي كتابه "الشرخ الأسطوري بين الشرق والغرب"  يعتبر الدكتور جورج قرم أنّ فصل الدين عن الدولة في الغرب هو فصل نظري لا عملي ويبرز في البلدان الأوروبية المتقدمة والولايات المتحدة الأميركية أكثر من غيرها، وهم في أدبياتهم وخطابهم السياسي ينطلقون من خلفية دينية تعتمد على نظرية عنصرية تقول بتفوق الغرب في مختلف المجالات، نتيجة إنتمائه إلى الحضارة المسيحية التي يعتبرونها إمتداداً للحضارة الهللينية- الرومانية المعتمِدة على المنطق العلمي- الفلسفي، متجاهلين بذلك مساهمة الحضارة الإسلامية وحضارات الشرق الأقصى والأدنى الضاربة في التاريخ، في تقدم العلوم الفلسفية ومختلف العلوم في وقتٍ كانت أوروبا تتخبط في الظلامية على مدى عصور.
  ليس هناك من تعريف موحّد للعلمانية، فللنظام العلماني ثلاثة أوجه: الوجه الأوّل هو النظام الشيوعي الذي يطبّق العلمانية الشاملة على المستوى الإقتصادي بتبنّيه الإشتراكية (Socialisme) بالإضافة الى تدخّله على المستوى الفردي(من الناحية الإيديولوجية) كما كان الوضع في الإتحاد السوفياتي سابقاً وكما هو حالياً في الصين، أمّا الوجه الثاني للعلمانية فيتمثل في الإقتصاد شبه الإشتراكي الذي تعتمده الكثير من الدول الكبرى ومن بينهم فرنسا بما يعرف بال(Semi-Socialisme) والذي لا يعطي أي أهمية للعامل الديني في العلاقات الإجتماعية، لكنّه لا يحاربه كما تفعل الشيوعية، أمّا الوجه الثالث فهو النظام الأنغلوساكسوني(في بريطانيا ودول الكومنويلث) والذي يعترف بسلطة الدين على الإنسان وضرورة وجوده على مستوى الجماعة، لكنه في الوقت نفسه يعلي شأن الفرد على ما عداه بما يعرف بنظريّة "الفردية"Individualisme)).

هناك رأي سائد وشائع عند الأغلبيّة الساحقة من الناس، أنّ المسيحية تدعو الى فصل الدين عن الدولة، أمّا الأديان الأخرى بشكل عام والدين الإسلامي بشكل خاص فهو دين ودولة، لكن الواقع يخالف هذه
المزاعم إذا ما راجعنا تاريخ الكنيسة ومحاكم التفتيش التي أنشأتها، هذه المؤسّسة قاومت لفترة طويلة من الزمن القوى العلمانية في أوروبا بغية الحفاظ على إمتيازات الكنيسة الكاثوليكية بما كان يعرف "بنظام مسيحية القرون الوسطى"، إلى أن جاء الإصلاحيون البروتستانت في القرن السادس عشر وفرضوا التغيير بالقوة فيما عرف لاحقاً "بعصر النهضة والإصلاح الديني"، عن طريق الثورة اللوثرية في ألمانيا(مارتن لوثر).
في هذا الموضوع بالذات يقول الدكتور صادق جلال العظم  في كتابه " نقد الفكر الديني" :
} إنّ الكنائس المسيحية في العالم الغربي المعاصر تشعر أنها لا تزال في موقف الدفاع عن النفس في وجه القوى العلمانية التي اجتاحت مجتمعاتهم بعنف، وهم يوحون بوجود تسوية سلمية بين المسيحية والقوى التي صارعتها صراعاً مريراً لقرون عدّة، والإنطباع الذي يعطونه كان أساسه تنازل المؤسسات المسيحية تنازل شبه تام عن كل ما يمت" لقيصر" بصلة، كما كان تحريراً كبيراً للكنيسة جعلتها قادرة على اغتنام فرصة جديدة للتعبير عن جوهرها الحقيقي ورسالتها الحق وهي أن تكون شاهدة على إنجيلها...أما الحقيقة فهي أنّ الفكر المسيحي في الغرب ليس مطمئناً في أعماقه لهذه التسوية {.

جاءت الأصولية المسيحية كردّة، في النصف الثاني من القرن العشرين على الموجة العلمانية التي اجتاحت دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة، في أعقاب قرنين من سيادة العقلانية والتقدّم التقني؛ يعرّفها الدكتور جورجي كنعان  في كتابه "الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي"بالآتي:} من الضروري البحث بالأصولية المسيحية باعتبارها نمطاً من الأعمال السياسية والإجتماعية، تعبّر عن علاقة وثيقة بين عقائد المرء الأصولية وبين سلوكه في الحقلين السياسي والإجتماعي من أجل تحقيق غرض ما، إشاعة فكرة أو مفهوم، غرس عقيدة في الأذهان أو التضحية من أجل تحقيق غايات هي باعتبار الدعاة جليلة ومطلقة لا تقبل المساومة...{
لكنّ الأهم من الردّة الأصولية، هو المناخ الفكري والحضاري الذي هيّأه المذهب البروتستانتي في الدول الأنجلوساكسونية من جهة، في ترسيخ فكرة الكيان اليهودي في عقول الغربيين؛ والفعل الذي مارسته الكنائس الأميركية الأصولية في الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، لوضع هذه الأفكار موضع التنفيذ؛ فالدعوات البروتستانتية بإعادة اليهود الى أرض فلسطين انتعشت في أواخر القرن التاسع عشر
وتسارعت خلال الحرب العالمية الثانية مع ظهور وقائع المحرقة اليهودية(فعلت الحملة الدعائية الصهيونية فعلها في تضخيم أحداثها) وأصبحت هذه الدعوات جزءاً لا يتجزأ من القناعات التي تفرض نفسها في عملية إتخاذ القرار السياسي في الدوائر الحكومية الغربية، في حين أنّ البروتستانت قبل هذا التاريخ ومنذ القرن السابع عشر، متّهمون "بمعاداة الساميّة" كما بمعاداة الكاثوليك بطبيعة الحال( نظريات البروتستانت المتعلّقة باليهود والكاثوليك تستحق الدرس)؛  
 فقد قام الأصوليون المسيحيون(الممثلين بمجلس الكنائس القومي الأميركي) بالترويج لنظرية الواجب المقدس بأن يمتلك اليهود الأرض الفلسطينية كي تصبح عودة المسيح ممكنة، }وإعادة بناء هيكل سليمان الذي لا يمكن رفعه إلاّ على أساسات المسجد الأقصى، وعند تحقيق هذا المخطّط  يقيم اليهود عرشاً
لداوود يتبوّؤه أمير من نسله في أورشليم {؛ فاليهود إذاً هم شعب ينبغي توطينه في فلسطين لإنشاء دولة
قومية يهودية إستناداً الى نبوءات التوراة المتعدّدة عن العودة الى أرض الميعاد،} والقدس هي العمود
الفقري لكل المشاريع السياسية التي خطّط لها اليهود منذ مئات السنين{ ، وقد وصل مجلس الكنائس القومي في الولايات المتحدة الأميركية إلى هذه النتيجة مستخدماً تفسيرات خاصّة لنصوص التوراة قامت بها اليهودية العالمية، هذه التفسيرات نجدها في كتاب التلمود وتحديداً في كتاب الميشنا(معناه تكرار الشريعة)،…}هذا العامل الديني الذي بشّرت به هذه الكنائس أيقظ الوعي القومي اليهودي، أساس الإيديولوجية الصهيونية{… على حدّ تعبير جورجي كنعان.
هذا رغم أنّ المفكّر الصهيوني تيودور هرتزل  قال بعد زيارته للقدس: }لم أجد رابطاً ولا أثراً يربط تاريخ اليهود بهذه المدينة، حتّى إسمها{، وكان المؤرّخ اللبناني كمال الصليبي كشف في كتابه: التوراة جاءت من جزيرة العرب  الذي نشره في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي: }...وما التوراة الموجودة حالياً إلا مجموعة كتابات أدبية وتاريخية لشعب من شعوب العرب البائدة إسمه بنو إسرائيل{…، مؤكداً في هذا البحث أنّ البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين بل في غرب شبه الجزيرة العربية بمحاذاة البحر الاحمر، وتحديدا في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن؛أما عالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فلنكشتاين فشكك بدوره بوجود أي صلة لليهود بالقدس، وفي تقرير نشرته مجلة "جيروزاليم ريبورت" الإسرائيلية أوضح فيها فلنكشتاين أنّ الإسرائيليين القدماء تطوروا من الحضارة الكنعانية في العصر البرونزي المتأخر في المنطقة، ولم يكن هناك أي غزو عسكري كما هو مكتوب في التوراة، وأشار الى أنّ شخصية داوود كزعيم يحظى بتكريم كبير على خلفية توحيده مملكتي يهودا وإسرائيل هو مجرد وهم وخيال مضيفاً أنّ قدس داوود لم تكن أكثر من قرية فقيرة بائسة، أما وجود سليمان بن داوود كباني الهيكل مشكوك فيه أيضا، وعلماء الاثار لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية تدعم وجود هيكل سليمان، وبعض القصص الواردة في التوراة بما في ذلك قصص الخروج والتيه في سيناء وانتصار يوشع بن نون على كنعان بالإضافة الى قصص وجود امبراطورية يهودية مترامية الأطراف تمتد من مصر حتى نهر الفرات لم تثبت ايضاً تاريخياً وإن كان لهذه المملكة وجود فعلي فقد كانت مجرد قبائل وكانت معاركها مجرد حروب قبلية صغيرة، على ما جاء في التقرير.
 
لقد بات معروفاً أنّ الأصولية المسيحيّة هي إنحراف عن الدين كما كل الأصوليات في مختلف الأديان، والأصولية المسيحيّة كما اليهودية العالمية بالإضافة إلى السلفيّة التكفيرية، هي حركاتٍ ايديولوجية تسعى لتدمير المجتمعات المتواجدة فيها، بغية إعادة بنائها على المبادئ المتطرفة، وتستخدم الإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية، وهي تستظِلّ بالدين لتبرير أفعالها الغير دينية، ونقدنا لها يندرج فقط في هذا الإطار ونحن لا ننوي من خلال هذا البحث المناقشة في أي فلسفة فكرية أو عقيدة دينية، بل يهمّنا الكشف عن النزعات القومية والعنصرية والسياسية التي تحملها تلك المعتقدات.

أساطير العهد القديم

 
لا بد من الإشارة إلى أنّ الذي فتح باب الإلتقاء بين الأصولية المسيحية واليهودية العالمية، هو تحريف
تعاليم المسيح، عندما نُسِب الى المسيحية كتاب التوراة أو ما يسمّى "بالعهد القديم"، فقامت الكنيسة بتبنّيه بنسخته التلمودية، كما اعتبرته السلطة الكنسية أساساً يقوم عليه "العهد الجديد"، بينما تعاليم المسيح واضحة في شرحها القويم لنصوص التوراة بحسب ما جاء به الأنبياء وليس بحسب تفسير المدارس التلمودية اليهودية التي يشرف عليها الحاخامون (هذه المدارس تتّبع علم البيان في تفسيراتها للنصوص) والهدف من هذا التحريف هو إفراغ تعاليم يسوع الناصري من مضامينها الروحية والإنسانية، ولا تستطيع الكنائس في العالم المسيحي، كما هي سائرة في نهجها اليوم، أن تقف في وجه هذه التعاليم المحرّفة التي تُنسب إلى يسوع المسيح؛ فتلك الكنائس مقيّدة بمنظورها الضيّق للأمور، رافضة للآخر بسبب لاهوتها الخلاصي ومنغلقة على نفسها نتيجة أنظمتها الإكليريكيّة الوضعية.

لقد بات واضحاً عند مراجعة الإنجيل أنّ المسيح كان ثورياً، تمرّد على السلطة الدينية (Establishment)
  المتمثّلة بالحاخامين، وقد جاءت تعاليمه مناهضة للشريعة المتحجّرة التي قيّدت الإنسان بدل أن تحرّره،
فالله مع يسوع المسيح أصبح عالميّا يخصّ كل الشعوب ولا يختصّ فقط بشعب واحد مختار كما يعتقد
اليهود، ولذلك قاموا بصلبه في نهاية الأمر، ولمّا لم يتمكّنوا من ايقاف المؤمنين على مرّ التاريخ من الإلتحاق بالمسيحية، كما لم يتمكّنوا لاحقاً من ايقاف إنتشار الإسلام الذي جاء بواسطة الآيات القرآنية بعد نزول الوحي على النبي محمد، خاتم النبيين؛ تحوّل هدف اليهودية العالمية إلى تدمير المسيح من خلال كنيسته، وعند تحقيق هذا الهدف يصبح القضاء على القرآن واقع حكماً؛} فالمخطّط إذا نجح، ستزول بنتيجته حضارتي المسيحية والإسلام، وتعود البشرية إلى الوراء ألفي سنة...{

 لم يكوّن اليهود على مرْ التاريخ شعباً واحداً، بل شكلوا عدّة قبائل كانت متناحرة في معظم الأوقات، معظم هذه القبائل لم تؤمن بما جاء به الأنبياء ولم تلتزم بتعاليمهم لا بل اضطهدوهم وقتلوا العديد منهم وخير شاهد على ذلك ما جاء على لسان النبي أشعيا  في" سفر أشعيا ":} هذا الشعب يكرّمني بشفتيه، بينما قلبه بعيداً عنّي {، كما قاموا بتحوير تعاليمهم من خلال تبنّيهم أساطير سومريّة ومازديّة وزرداشتية ورومانية كما الشرائع المصريّة بغية إضافتها إلى كتاب الشريعة(التوراة)؛ فقاموا بعبادة التماثيل المنحوتة واحتفلوا بالأعياد الوثنية ولم يقدّموا إلى الله تعالى إلاّ خدمة ظاهرية تعبّر فقط عن عنصريّتهم القومية، وبذلك عزلوا أنفسهم وأقاموا فاصلاً بينهم وبين الشعوب والأمم؛
إنّ تاريخ هذا الشعب خير شاهد على العبء الثقيل الذي رزخوا تحته، وقد انعكس ليطال البشريّة جمعاء، وأحد أبرز الشخصيات التي أسّست لهذه الحالة لدى الشعب اليهودي هو الحكيم عزرا  الذي كتب في إحدى تعاليمه الموجهة إلى شعبه ما معناه: } التاريخ الذي ينص في غالبيته على كتابة وتسجيل دمج الأقليات في الأكثرية، لا يحوي أبداً الإستمرار لمجموعة غير محدودة المكان، ولا تملك الإيمان القوي الذي يكون بالنسبة لها حدوداً نارية.. { ولهذه الحدود بالطبع معنى مجازي أطلق عليه في التوراة " قانون ملتهب" بمعنى أنه يجب أن يكون لليهودي دين لا يميزه باستمرار فقط عن جيرانه، بل يذكره دائماً بنفسه كيهودي، ولتحقيق ذلك يجب أن يملك عقيدة كاملة دينية وسياسية وإجتماعية.

فمنذ أيام النبي موسى الذي وضع الشرائع ، وصولاً إلى النبي حزقيال الذي انكبّ على حل مسألة المحافظة على هذه الشرائع الموسوية من الضياع بسبب ما أصاب الشعب اليهودي من سبي وتشتّت في مختلف أنحاء العالم القديم وخاصّة بعد العام 586 ق.م عندما تعرّضت مملكة يهوذا إلى الدمار و تحول هيكل سليمان إلى ركام، برزت هذه الشخصيّة المفصلية في حياة هذا الشعب، هي الحكيم عزرا، الذي أنقذ الشعب اليهودي من الإندثار وأعاد الإعتبار للشريعة، وذلك بتأسيسه الكنيس الكبير الذي عرف باسم "سانهدرين" وهو كناية عن مجلس يضم عدد من الحاخامين والمشرّعين المنضوين تحت رئاسة الحاخام
 الأكبر، وهدفهم ايضاح وتفسير ما التبس في شريعة موسى وإكمالها بمبادئ تماشي العصر، وهذا ما نتج
عنه نشوء مرجع آخر إلى جانب التوراة هو كتاب التلمود الذي حلّ تدريجياً مكان شريعة موسى
الأصلية ليصبح لاحقاً المرجع الأوحد الذي يسير عليه الشعب اليهودي.
لم يدرك اليهود مغزى النبوءات، فعلّلوها وفق رغائبهم النفسية المشحونة بالعنصرية، ومثال على ذلك تفسيرهم لهذا التعليم المذكور في التوراة: تكوين 12- 2،3 : لمّا دعا الله تعالى إبراهيم قال: } أنا أجعلك أمّة كبيرة وأبارك مباركيك وشاتمك ألعنه ويتبارك بك جميع عشائر الأرض { فاعتقدوا أنّهم وحدهم شعب الله المختار والخاص به، لذلك لم يفهموا مهمّة المسيح على حقيقتها عندما أتى، فرفضوه لأنّه جاءهم بالفداء من الخطيئة، فيما هم كانوا يبحثون عن التحرّر من الرومان، ورفضوا ما جاء به من خلاص لكل الأمم، بينما كانوا يطلبون الخلاص لهم فقط، كما اعتقدوا بأنّ "ملكوت السماوات" هي حكراً على طائفة مختارة من اليهود خصّصها الله تعالى منذ الأزل، وهي تختلف في مفهومهم عن الملكوت التي بشّر بها يسوع الناصري والذي عنى بها "مملكة الروح"؛ وقد فسّر مار بولس ، المعنى الحقيقي لهذه المملكة وما وراء التفسيرات المغلوطة كالقول إنّ اليهود هم شعب الله المختار، ومن أنّهم سيرثون  "أورشليم"، معتبراً أنّ جميع الشعوب التي تؤمن بمجيئ المخلّص هي من سيرث هذه المملكة، إنّما العبور إليها يتم من خلال الروح، لأنّها مملكة روحيّة وليست أرضيّة تتعلّق بجغرافيا مدينة أورشليم أو القدس، بل يطلق عليها بولس الرسول تسمية " أورشليم السماوية "، وهذا يدلّ بالمقابل على المغزى من تسمية    " العبرانيين" التي لا تنطبق حصراً على اليهود، بل كل إنسان " يعبر" بإيمانه من العهد القديم إلى العهد الجديد، إلى أيّ دينٍ انتمى هو العبراني الحقيقي.
   
في السياق التاريخي نفسه، برع  اليهود في سرقة أفكار وعلوم الحضارات التي احتكّوا بها ونسبوها إليهم ومن ثمّ قاموا بتدمير المراجع الأصليّة للنصوص المسروقة، وهذا ما فعلوه في التاريخ القديم منذ أن دخلوا أرض كنعان، مع اللبنانيين الفينيقيين بعد شنّهم الحرب عليهم بحجّة الدين ومناهضة المعتقدات الكنعانية وارتكاب المجازر بكهنة بعل وتدميرهم الكثير من الهياكل الفينيقية وأصنامها التابعة للإله "إيل"(هذا الإله نادى بالمحبّة وبشّر بالسلام في حين كانت البغضاء شريعة اليهود والحروب لغة يهوه) كما قاموا بقطع الكثير من الأشجار التي كانت تعتبر مقدسة، وبإتلاف العديد من الملاحم الأدبية والنصوص الدينية، هذه النصوص كانت ستحدث ثورة على المفاهيم والحقائق التي بنيت عليها الديانة اليهودية... وهي كانت ستعادل بأهميتها الإكتشافات التي تمّت في النصف الأخير للقرن العشرين
لنصوص أصليّة قديمة من أناجيلٍ وقصاصاتٍ عديدة تمّ اكتشافها تباعاً، من بينها: "مخطوطات البحر الميّت" في" قمران" والتي قامت بكتابتها طائفة معروفة باسم الأسّينيّين(Essenes) الذين عاشوا إمتداداً من  منطقة قمران على البحر الميت إلى جبل الكرمل في جنوب لبنان؛ هذه الطائفة، بحسب الإثباتات العلمية
الحديثة والتي ذكرها الدكتور الأب يوسف يمين في كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" ،
كان ينتمي إليها السيد المسيح،} فالمسيح الناصري المتجسّد، لم يكن إبن البيئة اليهودية ولا من نسب
داوود كما هو متعارف عليه بل هو إبن البيئة اللبنانية عموماً ومنطقة الجليل- جبل الكرمل الكنعانية خصوصاً، من بلدة "القليلة" بجوار بلدة قانا في جنوب لبنان المسماة  "بيت لحم الجليل "التي تقع شرق- شمال جبل الكرمل (أرض كنعان) على بعد حوالي 30 كلم جنوب الناقورة {، وتاريخياً كان الجليل الأعلى يتبع قضاء صور وليس فلسطين في حدودها الحالية، فبعض علماء الآثار يؤكدون أنّ بيت لحم التي يؤمها المؤمنون المسيحيون الواقعة على بعد 12 كلم من القدس، لم تكن موجودة أيام السيّد المسيح، وحتى الأركيولوجي اليهودي أفيرام أوشري  يصرّح } أنّ بيت لحم الجليل الكنعانية – اللبنانية هي المهد الحقيقي الذي ولد فيه السيّد المسيح { ويقول الأب يمين أيضاً } أنّ السيدة العذراء والقديس يوسف كانا يخدمان في معبد كنعاني أسيني في جبل الكرمل والأخير كان يعمل في هيكل جبل الكرمل اللبناني، فالمرأة بحسب العادات اليهودية لا تخدم في الهيكل وهذه ليست حال مريم العذراء التي كانت تخدم في هيكل أسيني، لأنّ الأسينيون لا يميزون بين الرجال والنساء {، وحضارة إيل التي حاول اليهود طمسها في حربهم عليها كما ذكرنا سابقاً، كانت حضارة كونية مرتكزة على التوحيد وهي كانت تُمهّد وتنتظر مجيء المسيح، ووفق تلك الحضارة، بشارة المسيح تعني "عمانوئيل" أي "الله معنا": }ها إنّ العذراء تحمل فتلد إبناً يسموّنه عمانوئيل{ (متى 1/ 23)  وبحسب الأب يمين:}المسيح (الإبن) كان يخاطب أباه (الآب) على الصليب " إيل" اله الكنعانيين اللبنانيين ولم يخاطب "يهوه" اله اليهود، عندما صرخ: "ايلِ ايلِ لما شبقتني" وهي ترجمت بشكل خاطئ:" لِما تركتني" وقراءتها الصحيحة:" لماش – بقتني" بما معناه " كم قد مجّدتني"، فتصبح كالآتي: " أبي أبي كم قد مجدتني"، ويضيف الأب يمين أنّ الديانة اليهودية لا تعرف المعمودية فلا يوجد في كتاب التوراة أي ذكر للمعمودية، فكيف يفسرّون معمودية السيّد المسيح ومعمودية يوحنا المعمدان؟ ممّا يكشف لنا بوضوح أنّ يوحنا المعمدان وعائلة المسيح (مريم ويوسف) وبالتالي نسب المسيح البشري – الإنساني كان ينتمي للبيئة الكنعانية الأسينية لا البيئة اليهودية.. {، كما أنّ المؤرخ الفرنسي ارنست رينان  يعتبر أيضاً أنّ المسيح عاش في لبنان و يقول} العذراء مريم بعد موت يوسف عادت الى قريتها قانا الجليل في لبنان... والمسيح عاش في لبنان وأعجوبته الأولى في تحويل الماء إلى خمر قام بها حيث تربّى ونشأ.. {؛
 والإثباتات كثيرة إذا أردنا ولكن نحن نحاول من خلال هذه الشهادات إبراز الأسباب التي دفعت اليهود وخاصة "الفريسيين" منهم(الأعداء التاريخيين للأسينيين) لمحاولة إخفاء هذه الحقيقة الفاضحة لتزويرهم
عبر التاريخ، باتباعهم أسلوب التدمير المنهجي للحضارة اللبنانية، هذه الحملة المستمرة حتى يومنا هذا لم ينفرد بها اليهود وحدهم، بل مارسه كل غازٍ ومحتل مرّ على لبنان، ولعلّ التأثير اليهودي هو الأقل من هذه الناحية، نظراً لتصدّي أهالي جبل عامِل الأبطال، لهذا العدو ودحره مراراً على مرّ التاريخ؛ وطوال تاريخهم ثار الجنوبيون على الطغاة وهزموا المعتدين حتى قال فيهم الإمام جعفر بن محمد الصادق :  
 } جبل عامل ما قصدك غازٍ إلا وقصم الله ظهره نصفين{ وهذا الشعب الصامد نفسه، قد أعاد الكرّة
مؤخّراً، وفي المنطقة الجغرافية نفسها(الجنوب اللبناني) من خلال مواجهته للعدو الصهيوني في حربه المستمرّة على لبنان والتمكّن من التغلّب عليه في 25  أيار من العام 2000 بعد إجباره على الإنسحاب، كما في التصدّي له وإعادته خائباً في تمّوز من العام  2006 .
 ولكن ما لم يتمكّن اليهود من تحقيقه في لبنان على مرّ التاريخ، استطاعت اليهودية العالمية من تنفيذه في التاريخ الحديث بعد الحرب على العراق، حيث سرق الصهاينة الكثير من المتاحف العراقية التي ضمّت أقدم النصوص الدينية في العالم، من ملحمة التكوين إلى نوح إلى جلجامش...الخ؛ فبعد أيامٍ فقط على الغزو الأميركي للعراق، اختفت عشرات الآلاف من ألواح الطين والفخار المدوّن عليها أساطير حضارة ما بين النهرين.

دور الإمبريالية في إنشاء دولة اسرائيل

 
لعلّ الإشكاليّة المطروحة في هذا المحور، تقوم على أكثر الآراء شيوعاً في الإمبرياليّة، والتي تدور حول جوهرالعلاقة بين الرأسماليّة ونزعة التوسّع، وأنّ التوسّع الرأسمالي محكوم حتماً باتخاذ الشكل السياسي للإمبرياليّة؛ فالشركات العابرة للحدود القوميّة(Multinational Corporations) في النظام الرأسمالي تلعب الدورالأساس في حماية الإمبريالية، والتوجيه الذي تفرضه هذه الشركات على المؤسّسات المسيّرة للنظام الرأسمالي كمنظّمة التجارة العالميّة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يضعها في موقع المستفيد الأكبر من هذا النظام وبالتالي تسَنّ القوانين لتتناسب مع مصالحها التجاريّة.

 لقد رافق الثورة الصناعية في دول أوروبا سعي حثيث لبسط سيطرتها على مناطق جديدة خارج حدودها
بحثاً عن أسواق لتصدير منتجات الثورة الصناعية والوصول إلى مصادر المواد الخام لتموين هذه الثورة
 (سياسة التوسع) فاحتدم التنافس بين الدول الرأسمالية من أجل اقتسام السيطرة على العالم، فسعت بطبيعة الحال كل من القوتين الإستعماريتين بريطانيا وفرنسا للسيطرة على ممتلكات الإمبراطورية العثمانية المتداعية، وتقع فلسطين من ضمن هذه المعادلة من الناحية الدينية والإستراتيجية.
كان من الواضح أنّ الإمبريالية الغربية في محاولاتها التوسّع في المشرق العربي، ستتخذ من مشروع توطين اليهود في فلسطين ذريعة للتدخّل، وستعمل جاهدة على تحقيق هدفها الكبير بإيجاد كيان يهودي
حليف، يتم تسخيره لخدمة مصالحها في التغلغل الإقتصادي والسيطرة على موارد المنطقة بأكملها.
}...إنّ المسألة اليهودية اتّخذت أهميتها حين أصبحت جزء لا يتجزّأ من التحولات الإجتماعية التي كانت أوروبا تخوضها مع بداية عصر النهضة، بالمقابل فإن الحل الصهيوني المقترح للمسألة اليهودية جزء لايتجزأ من العملية الإستعمارية الغربية...{
هذا المخطّط  بدأ في فلسطين، لكنّه لن ينتهي إلا بالسيطرة الكاملة على هذا المشرق العربي، مستخدماً إياّه كنقطة إنطلاق في تحقيق مشروعه الأكبر الذي يشمل العالم بأسره، وقد حصل هذا المشروع على دفع إضافي مؤخراً بانضمام "الصهيونية العربية" إليه: هذه التسمية أطلقها الدكتور حسن حمادة  على ما يسمّى "عرب الإعتدال"؛ فالأنظمة العربية التي تنازلت عن الحقوق في سبيل الوصول الى السلطة، هي نفسها اليوم متآمرة على شعوبها لكي تستمر في الحكم.

القومية الصهيونية

 
الصهيونية فكرة إستعمارية كما نعتها هرتزل نفسه، لديها البرنامج لتوطين اليهود في أرض فلسطين؛
برنامج تبنّته الإمبريالية في العقد الأول من القرن العشرين، وساعدت اليهودية العالمية في تنفيذه من
خلال الترويج لأسطورة الوعد الذي قطعه الإله "يهوه" لقومه بتمليكهم هذه الأرض، فقاموا بغزو فلسطين في العام 1948 ويحاولون منذ ذلك التاريخ إقتلاع السكان الأصليين من أراضيهم متسلّحين بهذا الوعد في وجه أصحاب الأرض.
  هذا المخطّط بالرغم من مرور ستين سنة على تطبيقه، وبالرغم من الدعم الدولي الكبير الذي  يحصل عليه، وبالرغم من عدم تكافؤ الفرص بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وبالرغم من السلاح المدمّر والتكنولوجيا المذهلة التي تحصل عليها إسرائيل من هذه الدول الصناعية، وبالرغم من الإجرام الذي يمارسه الإسرائيلي بارتكابه المجازر بحق الشعب الفلسطيني كما بتهجيره وتشريده، وبالرغم من
الحصار الدولي والعربي (باستثناء سوريا) على هذا الشعب الصامد ومقاومته في غزّة ، إلا أنّه لم ينجح بعد في إقامة دولته المنشودة، وهنا يدخل العامل المساعد والداعم للشعب الفلسطيني من قبل محور الممانعة في المنطقة؛}هذه القوى الممانعة وإن لم تكن موازية لقدرات إسرائيل التقنية والمادية، إلاّ أنّه يكفيها من القوة ما يمنع إسرائيل من الإنتصار في أي حرب...{هذه النظرية أطلقها العميد الركن المتقاعد أمين حطيط  في افتتاحية جريدة البناء بتاريخ 6 شباط 2010؛ تتمثّل قوى الممانعة في أحد أطرافها، بالمقاومة اللبنانية التي حرّرت معظم أراضي لبنان من العدو الإسرائيلي كما جميع أسراه وانتصرت على إسرائيل في الحرب التي شُنّت على لبنان في تمّوز ال 2006 (هذه الحرب جاءت بقرارٍ ودعم وتغطية أميركيّة) ويبقى "حزب الله" الرادع لأي عدوان مستقبلي يمكن أن تشنّه إسرائيل علينا؛ كما أنّ على رأس هذه القوى الممانعة بالتأكيد، الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي تلعب الدور الأهم الإستراتيجي للحؤول دون إنجاح مخطط القضاء على المقاومة الفلسطينية، فإيران قد فهمت في العمق خلفيّة التفكير الصهيوني وما وراء أساليب الخداع، ولذلك هي ترفض بالمطلق الإعتراف بوجود هذا الكيان على أرض فلسطين؛ هذه الخلفيّة ترتكز على مبدأ المرحليّة الذي تتّبعه السياسات الإسرائيلية تجاه العرب، فتوحي للعالم بأنها تريد السلام في مقابل إعتراف العرب بوجودها القومي فوق أرض فلسطين، ذلك الوجود يُترجم عملياً بنظرية "يهوديّة الكيان الإسرائيلي؛ فالمخطّط الصهيوني لا يشدّد على ضرورة إنهاء هدفه سريعاً، بل هو مصمَّم للتنفيذ على مدى أجيال، أي على مراحل، فالذي يقبلون به اليوم يعدلونه في الغد ، ليطالبوا بعده بالمزيد ثمّ المزيد.

 لكن من حقّنا جميعاً كلبنانيين التساؤل : لماذا على لبنان أن يدفع الثمن الأكبر في هذا الصراع من أمنه واستقراره ووحدته وتقدّمه ؟ والجواب هو أنّ إنهاء القضية الفلسطينية وإلغاء حق العودة لا يمكن
أن يتم إلاّ مروراً بلبنان، أي بتوطين الفلسطينيين فيه، وهذا لا يتحقّق إلاّ بتقسيم لبنان من خلال مشاريع الفدراليّة واللامركزية الموسّعة التي يعمل لها البعض في الداخل بدعمٍ من الخارج ، والعامل الأهم يتمثل
بضرب روحية لبنان القائمة على العيش الواحد بين مختلف طوائفه، وهذا أيضاً لا يتم إلاّ من خلال
 القضاء على الوجود المسيحي فيه ممّا يؤدي بالتالي إلى فتنة طائفية تسيطر بنتيجتها لغة التصادم على الحوار، وبالتالي يتغلّب النهج السلفي التكفيري على الإنفتاح نحو الآخر والقبول به، فيفقد لبنان بذلك تعدّديته أي تنوّعه الذي يشكّل معنى وجوده:" لبنان الرسالة" بحسب الإرشاد الرسولي، لأنّه فقط بإفشال التجربة الحضارية النموذجية التي يعيشها المجتمع اللبناني يمكن لإسرائيل تبرير وجودها كدولة يهودية عنصرية تفرض نفسها بين الأمم.  
بالعودة إلى أساس المشكلة، قد تكمن هنا بجهل العرب، نتيجة عدم توصيفهم الصحيح لظاهرة إسرائيل؛
هذا العامل كان وراء الإنكسارات المستمرة بوجه إسرائيل لغاية سنة 2000، بعدها تغيّرت المعادلة التي تمظهرت بالإنتصارات العديدة في لبنان وفلسطين على الصعد كافة، ليس على الصعيد العسكري فحسب بل أيضاً على الصعيد الثقافي من ناحية الوعي لما كان يُفرض علينا،} فإسرائيل قد خدعت كل الشعوب الغربية والأنظمة العربية وسخّرت الجميع لمآربها القومية العنصرية...والصهيونية تقوم بدور ستارٍ خلفي محجوب، من ورائه خُطّط منذ آماد وآماد لفعلِ تخريبٍ يتناول شعوب الأرض كلها...{؛هذه الفلسفة أطلقها الدكتور كمال الحاج  وكان من الأوائل الذين عملوا لنشر هذه الحقائق بين المثقّفين والجامعيّين، فمشكلة فلسطين بنظر كمال الحاج هي دينية في الصميم، وبالتالي لن تُحل إلاّ دينياً،} فالمعركة تدور في جوهرها بين المسيحية والإسلام من جهة، واليهودية  من جهة أخرى مدعومة من إسرائيل بواسطة القومية الصهيونية {.

الحضارة الإسلامية- المسيحية

 
يخطئ من يظن أنّ المفهوم الذي ينادي به الأصوليون المسيحيون؛ بادّعائهم الإنتماء إلى "الحضارة اليهودية- المسيحية"؛ بما معناه أنّ هاتين الديانتين تشكّلان ثقافة موحدة  في مواجهة ثقافة أخرى وهي الإسلام؛ يأتي من ضمن سياق سردي تاريخي، بل الأصح القول إنّ القبول الأعمى لمصطلح "الحضارة اليهودية- المسيحية" كمرادف للحضارة الغربية لا يستند إلى أي أساس تاريخي؛ فخلافاً لما هو متعارف عليه، يقول المستشرِق ريتشارد بوليت  (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا-الولايات المتحدة) في كتابه"دفاعاً عن مقولة الحضارة الإسلامية- المسيحية"  }أنّه إذا نظرنا إلى العالم الإسلامي- المسيحي كوحدة واحدة ومن ضمن إطار تاريخي، فإنّ ما يجمعه أكثر ممّا يفرّقه{، لكن ما نشاهده ونسمعه يوميّاً منذ سنوات غير قليلة يعطي إنطباعاً آخر؛ فمنذ حادثة الهجوم الانتحاري على برجي التجارة العالمية في نيويورك، حاول المحافظون الجدد(الأصوليون المسيحيون الجدد كما يصفون أنفسهم) في الولايات المتحدة الأميركية، أن يوهموا العالم بأنّ الحرب العالمية الثالثة التي يخوضونها هي نتيجة صراع الثقافات، بينما هذا الصراع رغم استخدامه إصطلاحات ثقافية ودينية، إلاّ أنّه صراع
سياسي توسّعي بامتياز؛ }..فماضي الغرب ومستقبله لا يمكن فهمهما بشكل كامل دون تقدير العلاقة
التوأميّة التي ربطته بالإسلام طوال أربعة عشر قرناً، والملاحظة نفسها تنطبق على العالم الإسلامي{،
ويضيف ريتشارد بوليت:  }الحضارة الإسلامية- المسيحية هي مفهوم نحتاجه بشدّة إذا كنّا سنحوّل يوم
11 أيلول 2001 المشؤوم، إلى لحظة تاريخيّة للاستيعاب والتكامل الإجتماعي والديني{.
هنا مع التذكير أنّ التكامل الإجتماعي والديني ما بين المسيحية والإسلام تحقّق إنطلاقاً من هذا الشرق، فمن ينكر تأثير الحضارة المسيحية على الحضارة الإسلامية؟ ومن ثمّ العكس، بمعنى تأثير الإسلام على المسيحية؟ وقد عمّت نتائج هذا التفاعل الحضاري الكون، بما حمله من قيم المحبة والعدالة والتسامح،}..وإن غبنا طويلاً عن منابعنا وجذورنا فإنّها لحظة قصيرة أمام الخلود الذي تجسّده عظمة هذا المكان... فالمسيحيون المشرقيون هم روّاد المسيحية في العالم، حملوا مسيحيتهم الزاخرة بالروحانية إلى الغرب وبشّروا العالم برسالة السيّد المسيح... وقد أبرزت هذه المناسبة معالم تراثنا المشرقي العظيم وقدّمته إ رثاً للإنسانية جمعاء{ كما قال العماد ميشال عون  خلال إلقاء كلمته في براد – سوريا، أمام ضريح مار مارون  بتاريخ 10 شباط 2010 بمناسبة إحتفال الطائفة المارونية بذكرى ألف وستماية عام على وفاة مار مارون، فيما نرى اليوم بعض المسيحيين في لبنان يتنكّرون لهويتهم المشرقية العربية.
هذا الحدث برأينا، جاء في إطار تطبيق "الإرشاد الرسولي" في سبيل إحياء التراث المشرقي الأنطاكي، وكان الإرشاد الرسولي  قد شدّد في توصياته، على دعوة مسيحيّي لبنان والمنطقة }..إلى التفاعل مع محيطهم على قاعدة أنّ مصيرهم مرتبط نهائياً بمصير الجوار الذي يعيشون فيه{ وكان سبق العماد ميشال عون قارئاً في التاريخ، رؤيويّاً للمستقبل، هو المفكّر أنطون سعادة  الذي كتب في إحدى مقالاته: } الموارنة هم ثقافةً ودماً.. وأدبهم الديني والإجتماعي هو بعض الأدب السوري السرياني عامة.. إنّهم الذين يحفظون بقية التقاليد السورية القديمة التي عمّت سورية كلّها.. وتاريخ طائفتهم مندمج في تاريخ سورية كلّها، ومنهم تُنتظر المساهمة في حفظ هذا التراث، وكل فكرة تقصد عزلهم عن مجرى هذا التاريخ هي فكرة مقوِّضة لأساسهم معطِّلة لمستقبلهم.{
      
نصل إلى خلاصة تقول إنّ استعمال صموئيل هانتنغتون (Samuel Huntington) الأستاذ في جامعة هارفرد، عبارة "صدام الحضارات" عنواناً لمقال نشر في مجلّة (Foreign Affairs) عام 1993 تحوّل بعدها إلى كتاب بنفس العنوان، على الرغم ممّا لهذه العبارة من دقّة ودهاء في التوقيت، إلاّ أنّها تتحدّى مفهومنا للواقع، الذي يثبت أنّ الحضارات تتحاور وتتعايش وتتفاعل فيما بينها لخدمة وتطوّر الإنسانيّة،
كما أنّها تؤمّن سلّماً من القيم تسير عليه البشريّة، فيترسّخ السلام ما بين الشعوب.  

حكومة العالم الخفيّة

 
تناول المؤرّخ عجاج نويهض في كتابه بروتوكولات حكماء صهيون  الصهيونية بصفتها أداة في يد
اليهودية العالمية وكشَفَ الستار عن خفايا اليهودية العالمية التي}  تمثل إسرائيل قفازها الخارجي أو محطتها الأولى {، أمّا الصهيونية كحركة سياسية منظمة، فقد ولدت في العام 1897 لكنّها كفكرة،  قديمة قدم النصوص التوراتية، فبروتوكولات حكماء صهيون في نصوصها ورموزها، هي من أصول
تلموديّة تبنّتها اليهودية العالمية ومن أبرز أهدافها: فرض ثقافة عالمية مهيمنة على شعوب العالم ؛ فما
 هي هذه البروتوكولات؟
هذه البروتوكولات أو المبادئ إذا أمكننا تسميتها بذلك، هي المخطّط الذي وضعه رجال المال والإقتصاد اليهود للسيطرة على العالم، هذه السيطرة بحسب اعتقادهم تتمّ بواسطة "حكومة عالمية خفيّة"، ونحن نعني
بذلك: حكومة غير منظورة، تعمل لتسيير الأحداث التاريخية في وجهة  تصبّ لصالح مخطّطاتها؛ يقول
يان فان هلسينغ في كتابه"الجمعيات السرية" :} يكفينا أن ننظر إلى الواقع لنكتشف من هم المحرّضون
والمستفيدون الحقيقيون من الإنقسامات والخلافات العديدة فيما بين البشر والحروب على الأرض.. {
بدأ تنفيذ هذا المخطّط بعد المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد عام 1897 في بازل- سويسرا برئاسة الدكتور تيودور هرتزل، هذا المؤتمر السرّي حضره " المُلهَمون": هؤلاء المُلهَمون ليسوا أياً كان، إنّهم الأشخاص الأكثر ثراءً في العالم ويقوم مخطّطهم لحكم العالم على عنصرين: السلطة والمال؛ هذا التفكير عائد الى نظرية "ميكيافيلي" بما تعنيه من تبرير لسياسة تسلّط خالية من معايير أخلاقية وبالتالي إنعدام للضمير السياسي.
  عدد هذه البروتوكولات أربعة وعشرين نذكر منها بقدر ما يعنينا في هذا البحث:
•    نبدأ بالبروتوكول الأول الذي يتناول إدارة الحكم ليقول: } فالسياسة مدارها غير مدار الأخلاق ولا شيئ مشترك بينهما والحاكم الذي يخضع لمنهج الأخلاق لا يكون سائساً حاذقاً، فيبقى ما يبقى على عرشه مهزوزاً متداعياً، أمّا الحاكم اللبيب الذي يريد أن يبسط حكمه فيجعله وطيداً، يجب أن يكون ذا خصلتين: الدهاء النافذ والمكر الخادع...وأمّا الصفات كالصراحة في إخلاص والأمانة في شرف، فهذا كلّه يُعد في باب السياسة من النقائص لا الفضائل...{
•    السيطرة على الصحافة: أمّا بالنسبة للإعلام وفهم الصهيونية لمدى تأثيره في مجتمعاتنا الحديثة وخاصة
اليوم في عصر عولمة الإعلام، يقول البروتوكول الثاني:} ولا يخفى أنّ في أيدي دول اليوم آلة عظيمة تُستخدم في خلق الحركات الفكرية والتيارات الذهنية، ألا وهي الصحف، والمتعيّن عمله على الصحف التي في قبضتنا أن تدأب تصيح مطالبة بالحاجات التي يفترَض أنّها ضرورية وحيوية للشعب وأن تبسط شكاوى الشعب وأن تثير النقمة وتخلق أسبابها...غير أنّ دولة الغويم لم تعرف بعد كيف تستغل هذه الآلة، فاستولينا عليها نحن وبواسطة الصحف نلنا القوة التي تحرّك وتؤثر وبقينا وراء الستار...{
•    الحكم بالمال: بالنسبة للإقتصاد وارتباطه الوثيق بالشعب وتأثيره المباشر عليه في لقمة عيشه يتناوله البروتوكول الثالث:} وترى الشعب الآن قد نهشته أنياب الفقر فصار في عبوديته أسوأ من عبودية رقّ
 الرقبَة ورق الأرض من قبل...أمّا العبودية القديمة فقد كان أمرها أهون...فنأتي نحن الآن بدورنا ونظهر
على المسرح مدّعين حب إنقاذ العامل الفقير ممّا هو فيه من بلاء... وهذه الكراهية ستبلغ أمداً أبعد إذا ما
 هبّت عليها رياح أزمة اقتصادية تجمّد التعامل في البورصات وتشل دواليب الصناعة وإنّنا بالوسائل
السرّية التي في أيدينا سنخلق أزمة إقتصادية عالمية لا قِبَل لأحد باحتمالها، فتقذف بالجموع من رعاع العمّال الى إلشوارع، وهذه الجموع ستنطلق هازجة الى الدماء تسفكها بنهْمة وقَرَم، هي دماء الطبقة التي يكرهها من المهد ، وتنطلق الأيدي في نهب الأموال...أمّا أموالنا نحن فلن يمسّها العمّال لأننا نكون واقفين على مواقيت حركاتهم وسكناتهم، فإذا حاولوا أن يتوجّهوا نحونا، عرفنا كيف نصدّهم ونحمي جهتنا من عدوانهم{…
•    نظام الحكم يشرحه البروتوكول الخامس: هنا بالنسبة "للحكومة الخفيّة" التي ذكرناها آنفاً يسمّيها البروتوكول الخامس "حكومة مركزية ضخمة" يفنّدها بشكل الحكم الإداري: }هذا الحكم يجب أن يُعطى الى جماعات قد استشرى فيها الفساد وتغلغل في كل جنباتها…{ وطبعاً بتنا ندرك الآن أنّ هذا الفساد قد جاء نتيجة الأيادي الخفية للمُلهمين، ويضيف البروتوكول:}..يأتي عندئذٍ الضبط المحكم بواسطة إنشاء نظاماً ضخماً للحكومة المركزية الواسعة حتى يتسنّى للمُلهمين ضبط مسارب نشاط الحياة السياسية بقوانين جديدة لم يعرف مثلها من قبل{…؛ وهذه القوانين الجديدة ليست إلاّ قوانين التلمود التي برأيهم تزيل كل الإباحيات والحرّيات المطلقة التي أجازها الغويم لأنفسهم، ويكمل البروتوكول الخامس:}...وبهذا ستتميّز مملكتنا بسلطة مطلقة فريدة رائعة الأوضاع والتقاسيم وعلى استعداد في أي زمان ومكان لأن تجرف أياً كان من جنس الغويم ممّن يعارضنا بفعل أو قول...{
•      أمّا البروتوكولات الأخرى نوجزها بالعناوين لعدم اتصالها بشكل مباشر بموضوع بحثنا:
 الإحتكارات بالنسبة للتحكّم بالغذاء : إنشاء أجهزة إحتكارية ضخمة وحشد الثروات وتجميع الأموال ليكون ذلك محصوراً بأيديهم وانتزاع الثروة العقارية من أيدي الطبقة الوسطى(أو الأرستقراطية كما تسميها البروتوكولات)؛ أما بالنسبة لدور الحرب الذي لا يغيب عن بالهم فيوضع في باب التسابق على التسلح وتشجيعه، أمّا بالنسبة الى الدور الإجتماعي لليهود: فتدعو البروتوكولات الى أخذ الحذر من الشعوب الذين يقيمون بينهم وعدم الإختلاط معهم وضرورة إفساد أخلاقهم ليسهل بعدها نشر الفوضى والثورات في بلادهم؛

فبالفوضى وحدها والحروب الدائمة يتحقّق مخطّط ممثلي صهيون واضعي هذه البروتوكولات، فهل يعي الأصوليون المسيحيون خطورة هذه البروتوكولات عليهم وعلى الآخرين؟ لأنّ مصطلح "الغويم" المذكور مراراً في البروتوكولات يعني أنّ كل من هو غير يهودي يُصنّف في درجة أدنى بحسب سلّم البشرية الذي يعتقد به "التلمود"، بما معناه أنّ كل الشعوب الأخرى يجب أن تكون بخدمة الشعب اليهودي.

الخاتمة

إنّ الفكر الأوحد المسيطر على أذهان الناس في عالم اليوم من خلال ثقافة العولمة لا يفتح أي مجال للتفاعل والتحليل المنطقي للمتلقي، بل يفرض عليه قوالب جاهزة تتحدّد أطرها بمفهوم كاريكاتوري للأمور المطروحة، وهي غالباً ما تكوّن أنماطاً فكرية مبسطة لحالات معقدة ومتشعبة كتصويرالإرهاب في إطار معين وإلباسه لحضارة أو لدين أو لشعب أو لثقافة معينة، بينما الواقع التاريخي يثبت لنا أنّ كل الشعوب والحضارات مارست نوعاً من الإرهاب في فترة معينة من تاريخها ليطال مختلف الديانات والعقائد، أمّا الإرهاب الفكري الذي يترافق غالباً مع الإرهاب المادي فتمارسه جميع الدول المتطورة والمتخلفة على السواء.

 بعد أن عالجنا بشيئ من التفصيل الأصولية المسيحية وحلّلنا التأثير العميق الذي يدفع الشعوب الغربية إلى دعم وتأييد الصهيونية، يخطئ من يظن أنّه يمكن إستمالة الأنظمة الغربية لدعم قضايانا العربيّة المحقّة، لأنّ الفضل في دعم وتأييد الصهيونية لا يعود إلى قوّة اللوبي الصهيوني وحده أو الأصوات اليهودية الإنتخابية في الولايات المتحدة الأميركية، ولا إلى الدورالفاعل المؤثّر على اقتصادات الدول الصناعية الكبرى الذي يمثّله المال اليهودي، ولا إلى المكانة الإجتماعية للأثرياء اليهود في العالم، كما لا يعود فقط إلى إحكام اليهودية العالمية قبضتها على وسائل الإعلام وأدوات صنع الرأي العام، ولا يعود بالتأكيد إلى انبهار الشعوب الغربية بديموقراطيّة دولة إسرائيل(فكيف تقوم ديموقراطية في ظل نظام عنصري) كما لا تقوم بالطبع على الإعتقاد بأنّ لليهود حضارة(كما أوضحنا سابقاً).
 هذا الدعم المطلق يعود إلى الخلفيّة الإيديولوجية العميقة الجذور في الفكر الغربي الأوروبي والأميركي، هي إيديولوجية الأصولية المسيحية في الغرب والتي تنبع من العقيدة التلمودية، يقابلها إيديولوجية السلفية التكفيرية في الشرق والتي تنبع من التفسيرات المحرفة للعقيدة الإسلامية، ولا يمكن للأصولية المسيحية أن تنمو وتستمر في غياب السلفية التكفيرية، وليس من المنطقي التفكير بتعديل أو تغيير هذه العقائد الدينية المغروسة في النفوس منذ عدة قرون، لكن يمكننا البدأ بالتغيير في المكان الأقرب إلينا، أي من خلال ثورة على ذاتنا، وهذا التغيير لكي ينجح يجب أن يسبقه تحولات عميقة في البنى الإجتماعية والذهنية والسياسية والإدارية والإقتصادية والثقافية ؛ لكن هذه التحولات بدورها لا يمكن أن تتحقق في مجتمعاتنا إلاّ بتوسيع مساحة الحرية الشخصية للإنسان العربي وإطلاق الحريات العامة التي تفتح له مجالات التعبير عن معتقده ورأيه بعيداً عن عامل الخوف الذي تستغله التيارات المتطرفة لاستقطاب أتباعها.

 إنّه المسار الوحيد الذي يمكّننا من التصدّي للمحاولات الآيلة إلى إبقاء أوطاننا رهينة التخلف والجمود، فالخروج من دائرة الجهل إلى رحاب التقدّم والعصرنة هو حتمية تارخية يستفيد منها كلّ شعبٍ يسيطر على موارده البشرية والطبيعية بهدف تسخيرها لخدمة إنسانيته التي استحقها مباشرةً من الكون كأسمى كائناته، فينطلق منها لتمجيد خالقه.

*باحث وصحافي


Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا