عقدة سمير مع الموارنة الاقوياء مزمنة وغير قابلة للشفاء!

 



*نسيم بو سمرا

 

يبرز دائما في المفاصل المصيرية من حياتنا الوطنية اسم سمير جعجع، ليس لانه يفرض نفسه في المعادلة الوطنية كرجل دولة، لا فهو ابعد ما يكون عن الدولة ورجالاتها لانه خريج ميليشيا واسلوبه الاجرامي هو السائد في مساره السياسي والعسكري قبله، واليوم يبرز اسم سمير ايضا في بداية عهد جديد، حيث يعيد التجربة نفسها مع الرئيس جوزاف عون كما فعل قبلها مع الرئيس العماد ميشال عون، الذي بعدما نسج تحالفا معه على مبدأ "أوعا خيك" عاد لينقلب عليه بانقلابه على القانون الارثوذكسي وكما حدث بانقلابه في الماضي البعيد على الشرعية بتعاونه مع الاحتلال السوري لاجتياح المنطقة الحرة، خيانة سمير هذه كرّست 15 عاما من الاحتلال والقهر والتنكيل والاعتقالات التعسفية بحق الشباب اللبناني المقاومة للاحتلال.

 

 باختصارمشكلة سمير هي مع كل قائد قوي على الساحة المسيحية، لانه يرفض الشراكة ولا يطيق شريكا مسيحيا في الزعامة، وهي عقدة مزمنة غير قابلة للشفاء تنتج عن ان سمير هو الأضعف دائما في الشارع المسيحي، فاما يخلق ثورات دموية ويشن حروبا مدمرة او ينفذ انتفاضات مسلحة على رؤسائه او يسير في مؤامرات خارجية كما حدث في ثورة 17 تشرين حين تحوّل فجأة إلى “ثورجي” يجوب ساحات 17 تشرين. بانخراطه في مخطط اغتيال عهد ميشال عون من خلال افلاس الوطن بافتعال انهيار اقتصادي واقفال الطرقات ما ادى الى تهريب اموال المودعين للخارج والتلاعب بالليرة وسرقة مدخرات المغتربين.

ها هو اليوم بعدما رضخ مرغما لمعلمته السعودية بانتخاب قائد الجيش جوزاف عون، ينقلب عليه بعد تغير حساباته السياسية وتبدل موازين القوى بحسب اعتقاده، فبدأ بالتلويح بالخروج من الحكومة وهذا التهديد تحول الى تقليد سياسي متكرر لدى "القوات"، لا ينبع من قرار سيادي مبني على موقف وطني واضح، بل غالبًا بحسب مصلحة جعجع السياسية او وفق تعليمات خارجية.

 

إن المثال الواضح على تبعية جعجع للمشاريع الخارجية انه في عام 1990، شنّ حربا على “المنطقة الحرة” بقيادة الجنرال ميشال عون، تنفيذا لاجندة اميركية اسرائيلية، في لحظة كانت فيها شرعية قائد الجيش مدعومة من شريحة واسعة من المسيحيين كما قسم كبير من المسلمين، سهلت حرب جعجع يومذاك لـ"السوريين" مد أيدهم على الشرعية، ما كرّس فكرة الوصاية، التي وضع جعجع لبنتها الأولى، بعد أن أصبح الجنرال ميشال عون في المنفى، ومثله الرئيس السابق للجمهورية أمين الجميل، وبعد اغتيال رئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون.

 

لاحقًا وبعد توقيع اتفاق الطائف، انخرط جعجع كليا بالمؤامرة على لبنان، فدخل الحكومة ولو بوزير واحد، ثم زار القرداحة في سوريا للتعزية بباسل الاسد، ظنا منه انه بات وحيدا على الساحة المسيحية وانه سيحصل على حصة الاسد، ولكن سرعان ما اتضح خطأ حساباته، فاسترجع لغة العنف لينتهي سجينا 11عاما ونيّف في عهد الرئيس إلياس الهراوي عام 1994.

 

في عام 2005  وبعد ان زاره ميشال عون في سجنه في وزارة الدفاع، فورعودته من المنفى معتقدا انه يمكنه فتح صفحة جديدة مع سمير لتجنيب المسيحيين انقسامات جديدة، صدر العفو عن سمير، ولكن بدل ان يتعلم من تجاربه ويتلو فعل الندامة للمسيحيين، تحالف مع حزب الله لإسقاط ميشال عون وتياره في إنتخابات ما بعد "ثورة الأرز" ليعود سمير وينتفض على عهد ميشال عون في ال 2016 بعدما احتفل في بدايته بأنه عهده، مراهنا على ان خروج ميشال عون من قصر بعبدا، سيضعفه شعبيا ويقضي على إرثه السياسي وتياره.

 

إذا بعد استفادة جعجع من وضعية الرئيس ميشال عون في بعبدا، ليزيد من حضوره السياسي، تحالف مع الاخصام في انتخابات 2022 التي اعطته بفضل القانون النسبي الذي فرضه التيار الوطني الحر بقيادة جبران باسيل، كتلة كبيرة من 19 نائبا، في وقت شكل عهد ميشال عون رافعة سياسية وشعبية لجعجع، الذي حصل على اكبر عدد من الوزراء في تاريخ القوات، ومع ذلك فتح سمير الحرب على ميشال عون من داخل مجلس الوزراء فعمل جاهدا على افشال خطط التيار الوطني الحر في الوزارات وضرب مسيرة الاصلاح للقضاء على الأسس التي قام عليها عهد ميشال عون.

اليوم أيضا وبعد الاستقبال الحاشد الذي حصل في مطار بيروت للمناضل جورج عبد الله بعد 41 سنة من الاعتقال التعسفي في السجون الفرنسية، لم يستطع نواب القوات من تحمل هذا المشهد الوطني الجامع والمشرف، فانطلقت حناجرهم وأقلامهم لتصف جورج عبدالله بال "إرهابي".

 

بالمحصلة، وكما تسير القوات دائما بعكس الطبيعة، فتؤيد الاخوان وتسوق للنصرة وتطلق على الجولاني التكفيري لقب رفيق، هي مستمرة بالسير في نحر نفسها واضعاف مجتمعها طمعا ببعض الريالات والدولارات، وللحصول على سلطة زائفة لن تصمد امام العواصف الاقليمية والدولية المحيطة بنا، فبالنهاية ماذا ينفع الانسان، اذا ربح الدنيا وخسر نفسه؟

*باحث وصحافي

                                                                                      30/7/2025

Comments