ما هي الاسباب الحقيقية لارتفاع أسعار العقارات في لبنان؟ (إعداد نسيم بو سمرا)
في برنامج مانشيت من صوت المدى بتاريخ 31 آب 2011 استضاف الزميل جاد أبو جودة، نقيب مهندسي بيروت إيلي بصيبص، ورداً على سؤال يختص بأسباب ارتفاع أسعار العقارات في لبنان ومدى تأثير هذا الارتفاع على الشباب اللبناني الذي بات حلمه امتلاك عقار في بلده يبني عليه منزلا بغية تأسيس عائلة، وهذا الحلم بات مستحيلا في ظل الواقع الإقتصادي المتدهور والذي يطال خاصة شريحة الشباب في المجتمع اللبناني، فسرّه النقيب بصيبص بمعادلة إقتصادية معروفة وتدرس لطلابنا في الجامعات والمعاهد المختصة في علم الاقتصاد، مفادها:" أنْ عند ارتفاع الطلب على سلعة معينة ينخفض العرض وبالتالي يرتفع سعر هذه السلعة"، وهذه النظرية تدخل ضمن إطار أوسع يعرف باقتصاد الندرة إذ نحن نعيش في عالم موارده محدودة... وعليه يكون تفسير النقيب منطقياً وصحيحاً نظرياً، ولكن بالإنتقال الى الواقع في لبنان فالوضع متشابك ويخضع لعدة عوامل مجتمعة تؤدي الى ارتفاع أسعار العقارات:
أولاً: عامل العرض والطلب الذي ذكره نقيب المهندسين، وربطه بمساحة لبنان الضيقة وندرة العقارات وتخمة المناطق الساحلية في البناء.
ثانياً: المضاربات العقارية التي تقوم بها المكاتب العقارية والمتمولين الأجانب وخاصة الخليجيين العرب منهم بحيث صار من الشائع أن يقوم هؤلاء بعمليات بيع وشراء فيما بينهم من دون ان يكون للبناني أي علاقة بهذه العملية.
ثالثاً: الأزمة المالية العالمية والأحداث التي تعصف بمنطقتنا والتي انعكست تراجعاً في النمو في دول الخليج كسائر بلدان العالم ما أدّى الى أن يصبح لبنان وجهة للأموال الآتية من الخليج على وجه الخصوص.
رابعاً: إقدام أصحاب الأرض( اللبنانيين) على بيع أرضهم بسبب الوضع الاقتصادي السيئ وحاجتهم الى السيولة لقضاء حاجاتهم نتيجة إغلاق جميع الابواب في وجههم وخاصة البنوك اللبنانية التي تتشدّد في شروطها لإعطاء القروض الشخصية وبفائدة مرتفعة.
ولكن إذا كانت هذه الأسباب مجتمعة تؤدي الى ارتفاع أسعار العقارات في لبنان، ما هو تأثير هذا الارتفاع على الدورة الاقتصادية وما مدى ارتباطه بالنظام الاقتصادي المتبع في لبنان؟
نصل الى ضرورة مقاربة نظامنا الإقتصادي، بسبب كونه المحرك الأساس لمختلف القطاعات الإقتصادية والمؤثر المباشر على قيمة العملة ومدى ارتباطها بالقوة الشرائية للمواطنين، فقبل التحليل الجزئي عن سبب ارتفاع اسعار العقارات، يجب البحث عن كيفية إعادة هيكلة النظام الرأسمالي المتبع في لبنان وخاصة منذ استلام الحريرية السياسية دفة الإقتصاد فيه، والتي اعتمدت سياسة إقتصادية تدمّر القطاعات الإنتاجيّة لصالح القطاعات الريعية، فالإقتصاد الريعي شجّع على جلب الاستثمارات الاجنبية الى لبنان، هذا صحيح، ولكن هذه الإستثمارات بطبيعتها تعمل على الربح السريع وتستعمل رساميلها في المضاربات العقارية والإقراض بفائدة عالية على حساب قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة، فبدل إستثمار رؤوس الأموال في القطاعات المنتجة التي تخلق فرص العمل للشباب، جمدت هذه الرساميل في العقارات وفي سندات الخزينة والسندات المالية بفائدة عالية؛ أما حجم الإقتصاد المضخم الذي نراه في لبنان، أي إحتياطي النقد بالعملات الاجنبية في البنوك اللبنانية(والذي يسوّق له حاكم مصرف لبنان والخبراء الإقتصاديين كحل سحري لاقتصادنا المتعثر) هو ليس بضمانة لسببين: اولاً لأنه يستعمل في المضاربات العقارية وما ينتج عنها من ارتفاع غير مبرر من الجانب الاقتصادي في أسعار العقارات كونه لا يترافق مع نسبة الارتفاع في النمو، وثانياً يمكن سحبه من لبنان عند اي استحقاق امني او هزة اقتصادية لأنه يتشكل من السيولة ولا يحتاج الى الوقت للتسييل كما هي الحال في رؤوس الاموال الجامدة كالشركات.
إذاً من خلال ما سبق، نصل الى نتيجة مفادها أنّ انتعاش القطاع العقاري في لبنان وإذا عدنا الى القانون رقم 296 تاريخ 3/4/2001 المختص بتملك الأجانب في لبنان، سببه الهجمة الممنهجة التي يتعرض لها هذا القطاع والهادفة الى طرد اللبنانيين من أرضهم وتغيير هويتها كي يصار بعدها الى توطين الفلسطينيين فيها.
فالنقيب بصيبص أشار في خلال حديثه الى صوت المدى الى حتمية ارتفاع أسعار العقارات مجدداً واصفاً المرحلة الحالية بفترة ركود، ولكن هذا الارتفاع سيعود ليصبّ في مصلحة مافيا العقارات من لبنانيين وأجانب كما كان حاصلا قبل فترة الركود ولن يكون لمصلحة الشباب اللبناني وقد تابعنا الدراسة التي قام بها "المركز الكاثوليكي للدراسات" ودراسات أخرى تشير بوضوح الى تخطي نسبة تملك الأجانب في لبنان عتبة العشرين في المئة من الأراضي الصالحة وغير الصالحة للإستثمار، في الوقت الذي لا يجب ان تتجاوز فيه هذه النسبة ال 3% كحد أقصى من الأراضي الصالحة للاستثمار فقط، أمّا المغتربين اللبنانيين فلا يشكلون نسبة عالية من المستثمرين في القطاع.
وكما هو معروف، إنّ قطاع العقارات ليس مستقلا بحد ذاته بل مرتبط بالوضع الاقتصادي العام، وبالتالي إنّ اي ارتفاع يصيب هذا القطاع تستفيد منه خزينة الدولة وليس صاحب العقار لوحده كما يحصل حالياً، إذ انّ ارتفاع سعر العقار يأتي نتيجة تحسن الوضع الاقتصادي العام وليس نتيجة تحسينات او إضافات قام بها المالك على عقاره(العقارات غير المبنية)، ما يعطي الدولة الحق في فرض ضرائب على الربح الذي حققه صاحب العقار.
ختاماً نطالب نقيب مهندسي بيروت ايلي بصيبص، أن يضع حلولاً لا أن يحلل الأسباب فقط، فعلى نقابة المهندسين وسائر نقابات المهن الحرة دعوة الحكومة الى وضع خطة إقتصادية طارئة تساعد الشباب على تحسين أوضاعهم الاقتصادية والإجتماعية، وعلى جميع قطاعات المجتمع ان تطالب بالإسراع بإقرار مشروع القانون الجديد لتملك الأجانب الذي وضعه تكتل التغيير والإصلاح والذي في حال أقر، سيحد من إرتفاع أسعار العقارات من خلال منعه المضاربات الأجنبية في القطاع العقاري، ووضع ضوابط لتملك الأجنبي في لبنان.
Comments
Post a Comment