السياسة الجديدة لبكركي وتضرر الأقلية منها(اعداد نسيم بو سمرا)
في لقاء البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عبّر البطريرك عن مخاوفه إزاء ما يحدث في العالم العربي وبخاصة في سوريا ومدى انعكاسه على الأقليات، محذراً فرنسا من السير في مشروع إطاحة نظام الرئيس الأسد بقوله: "إحذروا من استبدال نظام متشدد في سوريا بنظام أكثر تشدداً "، هذه الهواجس المشروعة تأتي ضمن سياسة جديدة يتبعها الفاتيكان تجاه المسيحيين المشرقيين، هي بمثابة إنذار أخير لما يتهدد المسيحيين العرب في وجودهم في هذا الشرق.
هذه السياسة الجديدة التزمتها بكركي والتي يعبر عنها البطريرك الراعي في خلال جولاته على المناطق اللبنانية، جولات الهدف منها توجيه رسالتين: الأولى الى المسلمين وهي رسالة تعايش وصفه الراعي بالنموذج الذي لا يملكه الغرب المسيحي، والثانية الى المسيحيين للقول ان البطريرك هو الذي يزور رعيته ويتفقد أحوالهم مشجعاً إياهم البقاء في ارضهم وعدم بيعها للإنتقال الى المناطق المكتظة مسيحياً، بل الاستمرار في التفاعل مع محيطهم المسلم بغض النظر عن عددهم في هذه المناطق، هي الرسالة نفسها التي يوجهها الفاتيكان على مستوى المشرق العربي لإبقاء المسيحيين في أوطانهم وعدم مغادرتها باتجاه الغرب المسيحي لإدراك الفاتيكان اهمية الكنيسة الشرقية في حماية المسيحية نفسها من الضلال.
أمّا في السياسة وعلى رغم عدم جواز إلباس هذا الموضوع رداء لا يناسبه، فبعض الأطراف المحلية المتضررة من السياسة الجديدة لبكركي أخذت الموضوع الى زواريبها الضيقة واضعة كلام الراعي في إطار زمني ومكاني ضيق؛ هي قوى الأقلية التي تنقسم بدورها الى قسمين: مسيحيي 14 آذار بمصطلحاتهم الخاصة من جهة، والسلفيين المدعومين من حزب المستقبل من جهة أخرى.
الفريق الأول كان أكثر غيرة على التطرف في الاسلام من السلفيين أنفسهم، (وللتوضيح فقط، ان مصطلح السلفيين وهم عدة ملل، منهم السلف الصالح، وأنا لا أقصده هنا، أما الذي أشير اليه هو السلفي التكفيري؛ ونقدي يندرج فقط في اطار الكشف عن النزعات العنصرية والسياسية التي تحملها معتقداته، ولا أنوي مناقشة أي فلسفة فكرية أو عقيدة دينية، والأخوان المسلمون يدرجون حالياً في خانة الاسلام المعتدل، لكن هم في واقع الأمر أبعد ما يكون عن الاعتدال بعكس ما يسوّق رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، هذه الدعاية تدعمها الادارة الأميركية والإعلام الأميركي في إطار خطة ممنهجة لوصول الأخوان المسلمين الى الحكم في الدول العربية، لتتمكن تركيا من استعادة سيطرتها على هذه الدول في حلمها لإعادة إحياء الامبراطورية العثمانية السيئة الذكر، وبالتالي لتمكين الولايات المتحدة من إعادة السيطرة على منطقتنا بعد فقدانها لها بفضل تحطم مشروعها على صخرة التيار الممانع والمقاوم.
ولكن ما هي مصلحة حزب المستقبل بدعم هذا التوجه السلفي في لبنان بالتحديد؟ وهم تحولوا في الوقت الراهن الى جبهة متقدمة في الدفاع عن هذا التيار في وقت كان حزب المستقبل يتباهى منذ سيطرة الحريرية السياسية على الحكم في لبنان بأنه يشكل الوجه المعتدل للإسلام، أما اليوم فيسير في ركاب حزب العدالة والتنمية في تركيا وحزب التحرير في مصر والأخوان في سوريا من دون ان ننسى إرتباطه الوثيق بالوهابية، الأكثر تطرفا من الأخوان، في السعودية.
والجواب واضح، بعد أن خسر هذا الفريق رهاناته في البقاء في السلطة، فشل نتيجتها في إكمال مشروعه بالقضاء على ما تبقى من مقومات وجود الدولة والإجهاز على الوطن، وحاول طوال هذه السنوات فتفتت الشعب اللبناني وتحويله الى ملل متناحرة متصارعة، فالحريرية السياسية أخذت العبر من تاريخ لبنان حيث كان شعبه بعيد أزماته المصيرية يعيد بناء الدولة من جديد لمحافظته على حدّ أدنى من تضامنه وتماسكه وبالتالي وحدته.
أختم بجملة معبرة للرئيس العماد ميشال عون عندما سئل في مقابلة صحافية عن مصير المسيحيين في لبنان وسوريا إذا ما سقط نظام الأسد لا سمح الله واستلم الأخوان المسلمون الحكم، أجاب: إطرح السؤال على السنة في لبنان وبخاصة سنة بيروت الذين يضعون ربطة العنق ونساؤهم تتزين في صالونات التجميل، مضيفاً: في حال استلم الأخوان السلطة في سوريا، هل سيسمحون لسنة لبنان قبل مسيحييه بالمحافظة على أسلوب حياتهم كما هو اليوم؟
Comments
Post a Comment