جامعة الدول العربية ودورها المشبوه في الأحداث السورية

إعداد الاستاذ نسيم بو سمرا
بعد فشل الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص والدول الغربية بشكل عام في تفتيت سوريا في محاولة إعادة للنموذج الليبي، وتورط تركيا في هذا المشروع من دون تحقيق النتيجة المرسومة، أوكلت الولايات المتحدة كأصيل، الأمر الى دول الخليج بصفة الوكيل، الذين فشلوا أيضاً في إحداث خرق في جدار النظام السوري، وهم حاولوا مؤخراً تسخير أدوات الجامعة العربية لهذه الغاية، فاجتمع وزراء خارجيتها في القاهرة بمبادرة خليجية، وأصدروا قراراً بتعيين لجنة عربية برئاسة قطر لإدارة حوار بين النظام السوري والمعارضة خارج الحدود السورية، مبادرة رفضتها المعارضة السورية الداخلية قبل النظام، لما تحتويه من خلفيات لتدويل الأزمة السورية لا تخفى على أحد.
في الظاهر تقوم الجامعة العربية بدورها الطبيعي في التصدي للمشكلات العربية، ولكن هذا الدور أصيب بنكسات عدة في مناسبات عديدة لم يكن آخرها إعطاء الضوء الأخضر لحلف شمال الاطلسي لاجتياح ليبيا، قتل بنتيجته ما لا يقل عن ستين ألف ليبي وشرد أكثر من نصف المليون، فضلا عن الغياب التام في الأحداث الكبرى التي تعصف بالمنطقة من ثورات وحروب أهلية، ومن دون أن نتطرق الى الدور المشكوك فيه للجامعة خلال الحرب الاسرائيلية على لبنان في ال  2006 وعلى غزة في ال 2008، ومساهمتها في إبقاء الحصار الاسرائيلي على قطاع غزة لغاية اليوم.
إنّ الهوان الذي أصاب الجامعة العربية بعد فشلها في تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها وأهمها توحيد الأهداف وتقوية الروابط بين الدول العربية، يجعلنا نتساءل عن جدوى وجود هذه الجامعة، وبخاصة أن الشعوب العربية سبقتها بأشواط من ناحية التطلعات ومواكبة الأحداث، فكبرت الهوة بين الطرفين، ففيما الشعوب اختارت مسار المقاومة التي أثبتت جدواها في لبنان وفلسطين كان آخرها إطلاق حماس للجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط الذي اختطفته في العام 2006، في مقابل إطلاق إسرائيل 477 أسيراً فلسطينياً في المرحلة الاولى يليهم 550 في المرحلة الثانية،  بما يشكله هذا الانجاز التاريخي من سابقة في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لم تتمكن الممفاوضات المستمرة بين الطرفين منذ 20 عاماً من تحقيقه، لا تزال الجامعة متمسكة بمادرة السلام العربية التي أقرت في بيروت في العام 2002، هذه الجامعة التي تتحكم فيها دول الخليج، المتنازلة منذ زمن عن الحقوق، تحاول اليوم إعادة عقارب الساعة الى ما قبل الثورات العربية التي أطاحت بأنظمة متحالفة مع إسرائيل والولايات المتحدة، كمصر وتونس، واستهداف سوريا جاء بعدما فشلت كل محاولات ضرب الدول المحيطة بها بدءاً من لبنان مروراً بقطاع غزة وصولاً الى ايران، لما تشكله سوريا من عقدة أساس في هذا العقد الممانع، إذا ما انكسرت، انفرط العقد بأكمله.
إنّ دول الخليج في حراكها باتجاه سوريا، لم تلجأ الى أدوات الضغط الدبلوماسية بواسطة الجامعة العربية، إلاّ بعدما فشلت أدوات الضغط الاخرى، من دعم المجموعات الارهابية المسلحة في الداخل السوري بالمال والسلاح، الى التحريض الإعلامي ومقاطعة النظام وفرض الحصار عليه؛ هذا التورط الخليجي في سوريا، سارت في ركابه بعض الأطراف اللبنانية من خلال تسهيل إيصال المال والسلاح الى سوريا، واحتضان شخصيات معارضة للنظام السوري ودعمها لوجيستياً وإعلامياً، وهذه الأطراف عمادها حزب المستقبل، وغياب رئيسه عن لبنان يثبت هذا التورط ولا ينفيه، والبيان الأخير الصادر عن الأمانة العامة  ل 14 آذار وبيان كتلة المستقبل، الذين يستنكران فيه الخروقات السورية المتكررة للسيادة اللبنانية في بلدة دير العشاير وعرسال ومناطق حدودية أخرى، خير دليل على هذا التورط، في وقت يتغاضون فيه عن البيانات الرسمية للجيش اللبناني، وعلماً أن معالم الحدود لا تزال غامضة، بفعل رفض الفريق عينه ترسيمها من الشمال إلى الجنوب، وإصراره على استخدام الترسيم أداة سياسية لاعتبار مزارع شبعا غير لبنانية، وهم يحاولون من خلال إثارة الغبار وتضخيم الأمور، تعمية الرأي العام عن حقيقة لا تخفى على أحد، إذ يهربون السلاح والمال عبر هذه الحدود ويستقبلون الجماعات الارهابية السورية المسلحة، ومن ثمّ يهاجمون الجيش اللبناني والسوري إذا ما قاموا بواجباتهم في ضبط الحدود المشتركة بين البلدين، في الوقت الذي يخرق العدو الاسرائيلي كل يوم الحدود البرية والبحرية والجوية، بنيّة الإعتداء على لبنان وتيار المستقبل وحلفاؤه لا ينطقون ببنت شفة، وإذا ما ذكروا هذه الخروقات، فتأتي بشكل عرضي وتساوي بين الجار السوري والعدو الاسرائيلي.
 والسؤال البديهي الذي يطرح في هذه الحالة: هل تتصرف مع جارك إذا ما تخطى سور حديقة منزلك عن طريق الخطأ أو لرفع ضررعن منزله، بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع لصٍّ معتدٍ يتخطى السور لسرقة منزلك او للاعتداء عليك؟  
20-10-2011

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا