الجميل يطلب اعتذارا من الموسوي

إعداد نسيم بو سمرا

لم يوفق سامي الجميل في جلسة الأسئلة والأجوبة في ساحة النجمة، حيث تخلَّلَ الجلسة سجالٌ حادّ بين النائبين الموسوي والجميل، طرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى ثنائية الاستفزاز والتخوين المتبادلين، بعيداً من النقاش الهادئ لإيجاد حلول منطقية،  ولكن يحق لنا في موازاة ذلك ان نسأل حزب الكتائب ونائبه: ما هو مشروع النائب الجميل أو ما هو مشروع حزب الكتائب، وهل هو مشروع واحد او لكلّ مشروعه؟ وهل ينسجم المشروعان أو يتعارضان، وفي هذه الحالة الأخيرة، أي مشروع سينتصر على الآخر؟ مشروع حزب الكتائب أو مشروع النائب الجميل؟ الذي ربما كان هدفه من خلال سلوكه هذا، إعادة إحياء حزب الكتائب الذي هرم وهو على وشك ان يفارق الحياة لولا جلسات الإنعاش التي يعطيه إياها الجميل من وقتٍ لآخر.
تاريخ سامي الجميل على رغم حداثته مقارنة مع تاريخ حزب الكتائب، إلا انه شبيه الى حدّ بعيد  مع تاريخ الحزب، من ناحية تقلبه وعدم ثباته، فالكتائب قامت مبادئه في بداية نشأته على الصيغة، صيغة العيش المشترك والتفاعل الحضاري بين مكونات المجتمع اللبناني، في وقت قامت حركته السياسية والفكرية ومنذ عهد الاستقلال على بناء مزرعته الخاصة القائمة على الإمتيازات الطائفية، ولإيضاح الصورة أكثر من الناحية التارخية، إنّ تقاسم السلطة في لبنان منذ العام 1943 تمّ على أساس طائفي، أي مبدأ ال6 وال6 مكرر إلا انه عملياً جاء لمصلحة الطائفة المارونية كمذهب وهمش حتى المذاهب المسيحية الأخرى بما عرف بنظام المارونية السياسية، والمستفيد الأكبر من هذه  الصفقة كان حزبي الكتائب والنجادة، وبعض الشخصيات السنية من الطبقة البورجوازية كرياض الصلح، أمّا باقي ما عرف برجالات الاستقلال، فأتوا  في إطار تلميع الصورة، كما هي حال حزب النجادة الذي لم يمتلك هو أيضاً إلا جزءً يسيراً من القرار في السلطة السياسية، واستمدّ هذا النظام الصفقة ديمومته من شبكة معقدة قائمة على مصالح تجارية مالية بين المجموعة الدائرة في فلك هذه الأطراف، والتي اعتمدت على نظام من العلاقات العامة تسوق شعارات مبنية على التكاذب والمسايرة والنفاق، قبل أن تأتي الحرب الأهلية في العام 1975 والخضات التي سبقتها في أعوام 1958 وال 1969 لتكشف زيف الخطاب التجميلي المعتمد منذ الإستقلال؛  هذا من ناحية، أمّا لجهة سلوك حزب الكتائب في بداية الحرب الأهلية ولغاية بداية الثمانينيات فهو فاضح لجهة التعاون والتنسيق مع القوات السورية التي دخلت الى لبنان في العام 1976 وهو استفاد من هذا الدخول ليعزز موقعه العسكري والسياسي آنذاك في وجه الحركة الوطنية وحلفائها الفلسطينيين.
أمّا اليوم وبعد ان أوصلنا هذا النظام الطائفي الهجين الى بناء المزرعة في لبنان وليس الدولة، والتي أطال أمدها إتفاق الطائف الذي تتمسك به مجموعة المصالح نفسها التي أنشأت لبنان ما بعد الإستقلال، مع فارق بسيط ان السنية السياسية حلت مكان المارونية السياسية، وتحالف الميلسشيات والمال حلّ مكان تحالف التجار مع السلطة السياسية.
 وفي هذا السياق نضع التحالف العريض لحزب الكتائب اليوم  مع قوى الرابع عشر من آذار، وبخاصة مع تيار المستقبل وريث حزب النجادة، ، مع فارق واضح في الإمكانيات المالية يميل لجهة الأول ويتسلح بفلسفة إقتصادية دمرت القطاعات الإنتاجية لصالح القطاعات الريعية في حلقة دائرية تعيدنا الى نقطة الإنطلاق، فيما مشروعه السياسي يتكامل مع سياسات الولايات المتحدة في دعمها وصول التيارات الإسلامية الى الحكم في المنطقة، وكل ما يقال عن تحالف الأقليات الذي يدغدغ شعور الكتائبيين، يأتي في غير موقعه،  فمفهوم تحالف الاقليات سقط في العام 1982 مع محاولة رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيغن، تطبيقه مع الرئيس بشير الجميل، من خلال إقامة اتفاقية سلام، وبعد سقوط إتفاقية 17 أيار توصل الإسرائيليون الى نتيجة تستتند الى المنطق القائل إن الاقليات تعطي إسرائيل الشرعية ربما، ولكن لا يمكنها التطبيع مع إسرائيل، والذي تحتاجه بشدة للإستمرار، فاستبدل هذا المفهوم بآخر نرى تجلياته اليوم في الانتفاضات الشعبية في الدول العربية، فبتقوية الاسلام السياسي إلى جانب الأنظمة الخليجية التي قامت بالتطبيع منذ زمن مع الكيان الإسرائيلي، تضمن إسرائيل حليفاً قوياً يعطيها المشروعية والتطبيع في الوقت نفسه.
  فكفا متاجرة بشعار السيادة والاستقلال والقرار الحر، فاللبنانيون لن ينتظروا نصف قرن هذه المرة ليكتشفوا التكاذب الكتائبي، الذي يبرز اليوم بأشكال وطرق إستعراضية لا تستّر على تاريخهم الهجين، فهم كشفوا اليوم مع مؤسس حركة "لبناننا"، مشروعهم الأساس القائم على التقسيم والمسمى اللامركزية الموسعة، للتجميل فقط، أمّا مراميه الاساسية فتصب في خانة الفدرالية، وهم سباقون بهذا الطرح على القوات اللبنانية، منذ تأسيس الجبهة اللبنانية. 
أمّا مشروعهم الرديف والذي لا يقل أهمية عن مشروعهم الأساس، لا بل يستحيل تطبيقه في حال فشلوا في تطبيق الرديف، يقوم على استهداف المقاومة، بهدف كشفها أمام العدو الإسرائيلي، للإطباق عليها نهائياً، فتخلو له الساحة، ليعيد إنتاج لبنان على صورته من جديد، بحسب ما يتوهم حزب الكتائب.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا