جدار الفصل العنصري
سقط جدار برلين في العام 1989، ومعظم المراقبين ربطوا هذا السقوط بسقوط الاتحاد السوفياتي في العام الذي تلاه، متناسين أنّ الذي بنى هذا الجدار الى جانب الاتحاد السوفياتي هي الولايات المتحدة الاميركية والتي تخلخلت دعائمها أيضاً بتوحّد الألمانيتين، وإن تأخر سقوطها حوالي عقدين من الزمن، والسبب الأساس لهذا السقوط إقتصادي، أمّا الأسباب الإيديولوجية المرتبطة بحقوق الانسان والحريات العامة، والتي عزا المراقبون أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي الى غيابها، أثبتت الوقائع بعد سقوط الولايات المتحدة بزيفها، وهي لم تأتِ إلا امتداداً لمنطق الحرب الباردة بين القطبين، إستنادا الى منطق أنّ الغالب يعيد صياغة التاريخ بحسب مصلحته.
إلاّ أنه على رغم سقوط جدار برلين المدوّي، والذي وصفه المراقبون بوصمة العار في تاريخ البشرية، قام الغرب بإعادة إنتاجه على المستوى النفسي، من خلال تقسيم الشعوب والأمم الى قسمين متناحرين، القسم الأول يسمى العالم الحر أو المجتمع الدولي، والقسم الآخر يعرف بمحور الشر على حدّ تعبير الكاتب الصهيوني" صموئيل هانتنغتون" صاحب نظرية صراع الحضارات والاب الروحي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، والذي يعتبره الكثير من المفكرين والآكاديميين، تلميذاً للدكتور تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية، إلا أن هذه الحركة ذهبت أبعد من حلفائها الأميركيين، من خلال بنائها لجدار الفصل العنصري في أراضي فلسطين المحتلة، في محاولة منها لتطبيق مبادئ جدار الفصل النفسي على أرض الواقع.
ولكن ما يهمنا ممّا تقدّم، هو مدى انعكاسه على أدبياتنا وسلوكنا في لبنان، والذي ينذر بوضع أخطر مما حصل في المانيا، ففي حين رفض الشعب الالماني تقسيم بلده الى شطرين وبقي على رفضه حتى إسقاط الجدار، وقد بني في كل الاحوال بأيادي المحتلين، يسعى اللبنانيون لبناء هذا الجدار بأيديهم، وفي حين كان الجدار بين الالمانيتين السبب لتقسيم ألمانيا، يأتي في لبنان كنتيجة... وهنا يكمن الخطر.
يتماهى المنطق التقسيمي السائر بخطى ثابتة في لبنان، مع منطق الجدار العازل في فلسطين، حيث جاء نتيجة النفسية المريضة لدى الإسرائيلي، وهو ما ينطبق على بعض اللبنانيين الذين وبرغم ازالة المتاريس ممّا كان يعرف بأدبيات الحرب الأهلية بخطوط التماس، بقيت هذه الخطوط في نفوسهم وهم يسعون اليوم الى تطبيقها على الارض، كما فعل بالتحديد حلفاؤهم الاسرائيليين، وهم لتحقيق ذلك يتبعون من جهة أسلوب التخويف من الآخر، ويشجعون من جهة ثانية على التصادم معه.
إنّ المسار السياسي في لبنان منذ العام 2005 وما نراه من جدل على كافة المستويات، الدستورية والقانونية مروراً بالثقافية الإجتماعية وصولا الى الكيانية الوجودية، لا يوحي أننا سائرون لبناء دولة، فالدولة يحميها مجتمع متماسك، يفسره علم السوسيولوجيا كالآتي: "الهوية الثقافية لجماعة ما أو مجتمع، هي تماهٍ واع مع انتماء وثقافة ومصير مشترك وتمايزها عن غيرها من الجماعات"، بينما تخطى الواقع المجتمعي في لبنان هذا التعريف، وبالتالي لا ينطبق عليه، وبالأخص عندما نطلع على المشاريع السياسية لبعض الافرقاء التي تنادي بالفدرالية الجغرافية، والبعض الآخر ينادي باللامركزية السياسية، وتتجسد هذه المشاريع في بعض الأحيان بواسطة القوانين الانتخابية التي ينادون بها، تتمحور معظمها حول القانون الأكثري وتبدأ من الدائرة الفردية الصغرى، ولا تنتهي بالتلاعب بالدوائر الانتخابية بحسب المناطق، في حين برز أخيراً القانون المقدّم من ايلي الفرزلي والقائم على التقسيم المذهبي، ما يقطع نهائياً برأي المراقبين، التواصل بين أبناء المجتمع الواحد، في بلد قائم على التفاعل الحضاري بين مكونات مجتمعه، وهذا القانون هو تجسيد لمبدأ تحالف الأقليات الذي أثبت التاريخ فشله، من خلال تجربة مناحيم بيغن مع بشير الجميل؛ وكما بات معروفاً أنّ تطوير وإصلاح أي نظام سياسي، يبدأ من قانونٍ للإنتخابات يواكب العصر.
فكفى تقسيم وتفتيت للمجتمع اللبناني، وكلّ يرى الأمور من شرنقته التي تكاد تخنقه وهو لا يشعر، ولنسقط جدران الفصل من نفوسنا قبل ان تتجسد في أرض الواقع جدراناً سميكة يصعب هدمها، فحتى الأرزة الخضراء المرفوعة على علمنا، شعار هويتنا، يسعى كل طرف منا لاحتكارها وتسخيرها لخدمة مبادئ ضيقة وظرفية من دون الالتفات الى المصلحة العامة؛ فبعض الأحزاب يدّعي حراستها، ولكن ممّن؟ والآخر يضعها شعاراً لحزبه، ويتلاعب بها من خلال تغيير لونها أو شكلها تارة، أو بوضع خطوط حمر تزنرها تارة أخرى، مع ما يعنيه هذا الزنار من انعزال وانغلاق على الذات لا يليق بما ترمز اليه أرزة لبنان من انفتاح وتلاقى وتسامح، وما تمثله من خلود، لا يحده لا تاريخ ولا جغرافيا، وهي ملك لله عزّ وجل، وبالتالي تملكها البشرية جمعاء.
تاريخ 10 كانون الأول 2011
Comments
Post a Comment