المجاهدون السُنّة في لبنان وعلاقتهم بالجيش السوري الحر
المحامي نسيم بو سمرا
على وقع الهاجس الامني المتنقل من الشمال، مرورا بالبقاع
ووصولا الى بيروت، وبعد البازار الاقليمي والدولي الذي شهدته قضية المخطوفين
اللبنانيين في سوريا؛ طرح المراقبون تساؤلات
عدّة حيال الرابط الامني بين الازمة السورية والاحداث الامنية التي تشهدها الساحة
اللبنانية في الآونة الاخيرة.
لا يختلف إثنان في شأن تأثير الاحداث في سوريا على الوضع
الامني الهش أساسا في لبنان، ولا مجال للشك أنّ تيار المستقبل وحلفاءه في لبنان أعادوا
تموضعهم ليتلاءم مع مجرى هذه الاحداث، وذلك بهدف فرض معادلة جديدة في لعبة الصراع
على السلطة واستخدموا جميع أوراقهم لتحقيق ذلك، كان أخطرها ورقة السلفيين
التكفيريين التي أشعلت النيران في الشمال وكادت شراراتها ان تحرق الجميع لولا
مسارعة الجيش اللبناني لإخمادها في مهدها، إلاّ ان ّ اندلاعها من جديد بين باب
التبانة وجبل محسن قبل يومين أعادنا بالذاكرة الى بداية الحرب الاهلية اللبنانية
في العام 1975 التي انطلقت من خلال مناوشات هنا وهناك، ما لبثت ان تطورت لتطال
معظم الاراضي اللبنانية، هذه الهواجس تزكيها المعلومات الامنية الواردة محليا
والتي تقاطعت مع تقارير أمنية وصحافية غربية بوجود مئات المجاهدين السنة الذين
يتدربون في البقاع وبالتحديد في النصف الشرقي منه وسط القرى السنية التي تدعم ما يسمى«الجيش
الحرّ»، والتي تساعد في تهريب السلاح إلى سوريا و تقدّم المساعدة الى اللاجئين السوريين الفارين من الاشتباكات
المسلحة، ومن المعروف جغرافيا في المقابل ان النصف
الغربي من البقاع الشمالي هو معقل لـ«حزب الله»، وموطن لعشائر لبنانية معروفة بولائها وتعاطفها مع المقاومة، وحزب الله يدرّب
رجاله وسط جبال هذه المنطقة بالذات، ويروي الكاتب نيكولاس بلانفورد، في تقرير حصري
نشرته صحيفة
«كريستيان ساينس مونيتور»، أنّ المنطقة التي يتدرب فيها المجاهدون السنة آمنة على
حدّ تعبيره ، ويتطرق الى آلية
تدريبهم وأعدادهم ومعتقداتهم، ويكشف ان هؤلاء يعبرون الحدود السورية للالتحاق بـ«إخوانهم»
في المقلب الثاني من الحدود ووفقاً لمعلومات الكاتب، هناك حوالي 300 مقاتل سني من شمال سهل البقاع حملوا السلاح ضدّ الجيش النظامي السوري في العام الماضي، موضحا أن غالبيتهم انضموا إلى كتائب «الجيش السوري
الحرّ في حمص،
ونذكر بالتوازي ما تتداوله فعاليات طرابلسية في هذه الآونة انّ المقاتلين في عكار
وباب التبانة يخضعون لأوامر ضباط من الجيش السوري الحر الذين يتخذون من الشمال
قاعدة لهم، ينطلقون منها الى الداخل السوري لتنفيذ عملياتهم الارهابية، وفي هذا السياق،
يشير بلانفورد إلى أن المقاتلين اللبنانيين ليسوا الوحيدين الذين انضموا إلى الجيش الحر من غير
السوريين، فهناك تونسيون وجزائريون وسعوديون، التحقوا ايضا بهذه الكتائب
ويعزو بلانفورد أسباب انخراط هذه الأعداد من المقاتلين في االاحداث السورية نقلا
عن مقاتلين لبنانيين التقاهم في لبنان، الى انّ سوريا بحاجة إلى الجهاد في سبيل الحق وان مساعدة
إخوتنا في سوريا واجب ديني على حدّ تعبيرهم، ويضيف الكاتب ان «الحماسة
الكبيرة للقتال لا تنبع فقط من الاسباب الدينية بل هي ناجمة من شعور عميق بالغضب
والإحباط مما يعتبرونه سنوات طويلة من الذل والحرمان من الحقوق الأساسية في
النظام السياسي وهم
يلقون باللوم على «حزب الله» الذي يعتبرونه المسؤول عما آل إليه الوضع، لأنه القوة المهيمنة على الحكومة اللبنانية المدعومة
من دمشق، على
حدّ تعبيرهم.
ويسرد الكاتب بلانفورد سلسلة من الأحداث التي يتخذها المقاتلون السنة ذريعة لغضبهم، بدءا من احداث 7 أيار 2008 وصولا الى«إسقاط «حزب الله» حكومة سعد الحريري في ما يصفونه بالانقلاب، ما يذكرنا بخطاب تيار المستقبل منذ خروجه من السلطة ولغاية الأحداث الأخيرة في طرابلس وعكار والطريق الجديدة، وأخطر ما يكشفه بلانفورد في تقريره ان هذه الحركات المتطرفة شكلت في الماضي خلايا سرية نائمة، استعداداً لمواجهة محتملة مع «حزب الله»، ولكن الاحداث في سوريا غيرت وجهة اهتماماتها.
لا بد من الاشارة في الختام الى انّ الحسابات الآنية
لبعض الافرقاء المشاركين في الحكومة اللبنانية، أدّت منذ بداية الاحداث السورية الى
اتباع سياسة النأي بالنفس على المستوى الرسمي، ما أدّى عمليا الى غياب المظلة السياسية
للعمليات الأمنية التي يقوم بها الجيش اللبناني على الحدود الشمالية، والهادفة الى
وقف تهريب السلاح من لبنان ووقف دخول المسلحين الى سوريا، والتأثير السلبي واضح
على الاستقرار الداخلي جراء هذه السياسة،
والتي يمكن ان تفتح الأبواب على مصراعيها لأي تدخل سوري مباشر مستقبلاً على
الأراضي اللبنانية.
Comments
Post a Comment