الفساد ومدى تاثيره على المقاومة وجمهورها


نسيم بو سمرا

"لا يمكن للعوسج ان يعطي تينا او عنبا"
بهذا المثل عنون العماد ميشال عون مقالته التي أرسلها الى مناصريه من باريس في التاسع من نيسان 1999، يوم كان منفيا يحارب الحكم الفاسد وحيداًُ في ذلك الزمن الرديئ، زمن أفل نجمه يوم عودة القائد في السابع من ايار 2005، حينها بدأت مرحلة جديدة تمثلت بالتصدي للفاسدين والمفسدين، وترجمت بخوض الانتخابات النيابية للمرة الاولى بعد مقاطعة امتدت لثلاثة عشر عاما خرقتها مشاركة وحيدة  في فرعية قضاء بعبدا للعام 2003، فيما واجه التيار الوطني الحر بمحازبيه وانصاره الاستحقاق النيابي للعام 2005، رافضا مهادنة أولئك السياسيين الذين جمعتهم العمالة وفرقتهم العمولة، متسلحا بشكل اساس بايمانه في استعادة حقوق شعبه المسلوبة ومراهنا على تلقف هذا الشعب لفرصة محاسبة السياسيين الذين حولوا ادارات الدولة الى امتداد لشركاتهم الخاصة وبالتالي حرموا مواطنيهم من حقوقهم المشروعة.
إنّ ما حصل أول من امس في ساحة النجمة من عدم حضور الكتل المسيحية لجلسة المجلس النيابي إعتراضا على ادارة ملف المياومين في شركة كهرباء لبنان ما أوجب على رئيس المجلس النيابي نبيه بري رفع الجلسة، ومن ثمّ مقاطعة وزراء تكتل التغيير والاصلاح لجلسة مجلس الوزراء إنسجاما مع موقف التكتل في المجلس النيابي واستمرارهم بمقاطعتها، أعاد طرح التساؤلات حيال الأكثرية التي أنتجت هذه الحكومة من جهة، وموضوع عقدة "وحدة المسيحيين" من جهة أخرى وبخاصة بعدما تناولت وسائل الاعلام وبعض السياسيين الموضوع من هذه الزاوية، فيما الهاجس لدى التيار الوطني الحر يتخطى ذلك ليشمل وحدة اللبنانيين الذين لا بد ان يتوحدوا ضدّ الفساد لينقذوا وطنهم من الهلاك.  
 لا يختلف إثنان بأن الفساد في لبنان مستشري في المجالات كافة، من مالية واقتصادية وقانونية وقضائية وإدارية وصحية، ويقف وراء الفساد مفسدين يملكون هوية وعنوان، فمع الأسف تقع الذاكرة الجماعية للمجتمع اللبناني ضحية أنماط مبسطة وخادعة تقوم على التعميم، فيوضع الجميع في سلة واحدة ويُجهّل الفاعل ما يؤدي الى تعطيل الحس النقدي لدى المواطن وبالتالي الى ضياع المسؤولية، ولطالما كانت المفاهيم في لبنان متغيرة وفقاً للأهواء ما أدّى الى التسيب الأخلاقي في مجتمعنا، وكلما ابتعد المجتمع عن قيمه، كلما جنح باتجاه ثقافة الفساد.
هذا الفساد لم يكن لينتشر بهذا الخط التصاعدي لو لم يتوفر له عامل يغذيه ويسمى بنادي الأثرياء الجدد(nouveaux riches)، أو طبقة الأثرياء الجدد والتي نمت بشكل لافت في لبنان في السنوات العشرين الاخيرة، وتزداد حولها الشبهات بنحو متزايد، نظراً للفترة القياسية التي تمكن من ينتمون إليها من جمع ثرواتهم الطائلة وبطرق غير مشروعة بالطبع، فيما الطبقة الوسطى تندثر وطبقة الفقراء تتوسع، وهذه الفئة المترفة الى جانب كونها جزءاً من السلطة السياسية، تسيطر في الوقت نفسه على البنوك والتجارة والصناعة والسياحة وباتت تسخر القوانين لمصالحها الشخصية على حساب المواطن وأمنه الاجتماعي، أمّا القطبة المخفية التي من الضروري كشفها لتتوضح الصورة، تكمن في العلاقة الدائمة بين النظام السياسي القائم وطبقة الاثرياء الجدد، المحمية من الملاحقة القانونية بواسطة شبكة أمان وفرتها لها الحريرية السياسية التي تحكمت بمفاصل الإدارة اللبنانية على مدى عشرين عاما، ونسجت معها خلالها شبكة علاقات متشابكة قائمة على مصالح تجارية  ومالية.
هذه الطبقة التي استظلت في ما مضى بالمحتل، اجتمعت مجددا اليوم بهدف وقف عجلة الاصلاح التي أطلقها التيار الوطني الحر منذ السابع من أيار، وهنا يكمن عتب التيار على حليفه حزب الله، الذي وإن كانت تجمعه به وثيقة تفاهم على الأمور الاستراتيجية إلاّ انّ التناغم في الملفات الداخلية مفقود، مع العلم ان هذه الملفات لا تقل أهمية عمّا عداها، ولا يمكن لحزب الله بعد اليوم، ونحن ندرك انه اضطر مكرها الى الانغماس في مستنقع السياسة بعد ان كان متفرغا قبل العام 2000 للمقاومة، أن ينأى بنفسه عن تداعيات إنهيار الركائز التي يقوم عليها المجتمع اللبناني بفعل الفساد، مفضلا مراعاة حلفائه حينا وخاضعا في أدائه السياسي لهاجس الفتنة الشيعية السنية حينا آخر، وحرصا منّا على انجازات المقاومة وتاريخها الشبيه الى حد بعيد بنضالات شباب وشابات التيار الوطني الحر، نؤكد ألا يمكن للمقاومة ان تستمر في القيام بواجباتها بالتصدي للعدو الاسرائيلي في حال وصل الفساد الى صفوف جمهورها، فالمجاهدون الابطال الرابضون على الحدود بحاجة الى بيئة نظيفة من حولهم، يغرفوا منها للإستمرار في عطائهم، ولا يمكنهم مواجهة العدو الخارجي فيما عدو الداخل المتمثل بالفساد يقترب منهم شيئا فشيئا، وعلى قيادتهم التنبه لهذا الخطر الزاحف نحوهم بوتيرة متسارعة، آملين ان يكون جرس الانذار الذي ما انفك العماد عون يطلقه منذ ما  قبل عودته الى لبنان وكان آخره بالأمس، مسموعا لدى هذه المقاومة التي لم يتمكن العالم أجمع بجيوشه ومخابراته واعلامه وامواله من هزيمتها، إلا انها بالتاكيد ستهزم في هذه المعركة إن لم تبادر الى التصرف والانخراط الجدي والفاعل في مسيرة الاصلاح والتغيير.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا