الحبر الأعظم والرسالة التي جاء بها الى لبنان والمشرق العربي


المحامي نسيم بو سمرا

اننا مدعوون هنا والان للاحتفال بانتصار الحب على الكراهية، والتسامح على الانتقام، والخدمة على السيطرة، والتواضع على الكبرياء، والوحدة على الانقسام؛ بهذه الجملة المعبرة افتتح الحبر الأعظم البابا بنديكتوس السادس عشر اليوم الأول لزيارته لبنان خلال حفل توقيع الارشاد الرسولي المخصص للبنان والمشرق، في بازليك القديس بولس في حريصا، مشيرا الى انه اختار لبنان بوابة للاطلالة على المنطقة، ومؤكدا ان الارشاد الرسولي يكتسب اهمية كبرى لانه يتوجه الى الشرق الاوسط في ظل ما يمر به من مخاطر، وخلاله دعا المسيحيين والمسلمين واليهود الى استئصال الاصولية الدينية التي تشكل تهديدا قاتلا؛ هذا الحدث التاريخي جاء بعد خمسة عشر عاما فقط من زيارة الطوباوي مار يوحنا بولس الثاني الذي وطأت قدماه أرض لبنان المقدسة أيضاً، مقدما الارشاد الرسولي الاول الذي خصص للبنان تحت عنوان رجاءً جديداً للبنان، هذه الأرض التي انطلقت منها بشارة السيد المسيح لتعمّ العالم أجمع، يدرك الفاتيكان أهميتها، فالاهتمام الفاتيكاني المميز بلبنان أتى من منطلق انّ لبنان ركيزة للمسيحيين في البلدان العربية، إذا ما سقطوا في التجربة وتخلوا عن إيمانهم وأرضهم، يسقط المسيحيون في المنطقة كلها.
إن الرسالة التي جاء بها البابا بنديكتوس السادس عشر للبنان والمنطقة لم تأت معزولة عن زيارة سلفه يوحنا بولس الثاني، وكان سبقها زيارة اولى للبنان قام بها البابا بولس السادس في العام 1964، إلاّ ان اللافت في الزيارة الراهنة والتي جاءت لتكمّل لا لتنقض رسالة سلفه بأن لبنان هو اكثر من بلد، إنه رسالة تعايش، أضاف إليها البابا بنديكتوس السادس عشر، ان التعايش المشترك والحوار القائم على الاحترام بين المسيحيين واخوانهم من اديان اخرى، يجب ان يظهر ويكون نموذجا لباقي العالم بأكمله، مشددا على ان شرط استمرار هذا التوازن يعتمد على الارادة الحسنة والتزام اللبنانيين جميعا، أمّا الجزء الثاني من رسالته، فوجهه الى المحيط من  بابه العريض، أي من سوريا التي تناولها البابا في الطائرة التي اقلته من الفاتيكان الى بيروت، وفيها دعا الى وقف نهائي لارسال الاسلحة الى سوريا والتي تؤجج نار العنف واصفا الامر بالخطيئة الكبرى ومؤكدا رفضه للتطرف، ودعا الى الحوار بين الجميع والحفاظ على حقوق الجماعات في البلدان العربية كافة.
إلاّ ان البابا وجّه أيضا رسائل بمنتهى الأهمية الى بعض الأطراف في الداخل اللبناني، حين حذّر من السياسات والاستراتيجيات التي توصل المشرق الى اللون الواحد، والمعني الاول بهذا التحذير هم قوى الرابع عشر من آذار وبخاصة المسيحيين منهم، بعدما عمل هؤلاء على شنّ حملة شعواء ضدّ البطريرك الراعي بسبب مواقفه من سوريا وحزب الله، مدّعين ان سياسة بكركي الجديدة تشكل إنقطاعاً للسياق التاريخي الذي سارت عليه بكركي منذ استقلال لبنان وتتناقض في الوقت نفسه مع رؤية الفاتيكان، الى ان جاءت مواقف البابا في هذه الزيارة لتدحض هذه الادعاءات ولتثبت ان التناغم في المواقف بين الطرفين قائم، هذا التناغم يتقاطع مع توجّه العماد ميشال عون الذي أدلى بتصريح عشية زيارة قداسة الحبر الأعظم للبنان، جاء فيه:
" زيارة قداسة البابا الى لبنان هي بمكان كبير من الأهمية، خصوصاً أنها تأتي في مرحلة مضطربة في الشرق الأوسط؛ فهناك تهديد فعلي للوجود المسيحي فيه، بعد أن أُفرِغت فلسطين من مسيحيّيها، وكذلك العراق، والقلق على المصير الذي يعاني منه مسيحيو مصر وسوريا؛ نأمل أن تنتهي هذه الحروب التي يغذّيها الغرب، بوعي أوروبا والولايات المتحدة لمخاطر السياسة التي ينتهجونها، خصوصاً بعد أن بدأت نتائجها السيئة تطالهم، كما حصل مؤخراً في دول الربيع العربي، وقداسة البابا، بصفته من أهم السلطات المعنوية في العالم، سيعطي عبر زيارته، قضيةَ الوجود المسيحي في الشرق الأهمية التي تستحقها، لا سيّما في ظل السياسات الغربية المتجاهلة للأخطار المحدقة بهذا الوجود وسيحثّ الأوساط التي بإمكانها درء تلك الأخطار، على القيام بما عليها، للمحافظة على هذا المكوّن الأساسي من مكوّنات النسيج المشرقي".
يرى المحللون انّ مواقف الفاتيكان لم تأت وليدة الساعة بل هي ثابتة في هذا الاطار ورسمت دوائره هذه السياسة بعدما تابعت عن كثب ما يحصل في المنطقة وبخاصة في منطقة المشرق العربي، الذي تشترك بلدانه بروابط ثقافية وتاريخية ولغوية، وتتميز عن بقية الأقطار العربية  بتنوعها الحضاري والديني، وفلسفتها القائمة على تقبّل الإختلاف، هذا التنوع حصل نتيجة تراكم عمره آلاف السنين من تفاعل حضارات مختلفة، مرّت على المشرق؛ فالمشرق العربي مصطلح حضاري يُطلق على منطقة الشرق الأوسط، و يمتد من البحر الأبيض المتوسط  غربا حتى الهضبة الإيرانية  شرقا، وهو يشير بالتحديد إلى الجزء الشرقي من الوطن العربي الذي  يضم دول العراق، سوريا، فلسطين، الأردن، لبنان، ومصر في مقابل المغرب العربي من جهة والخليج العربي من جهة أخرى، ويؤكد الباحثون أنّ خطوة زيارة البابا للبنان وتصميمه على القيام بها على رغم المحاذير الامنية، تكشف انّ دوائر الفاتيكان اضطلعت على مخططات الادارة الاميركية الموضوعة لهذه المنطقة بدءاً بالمغرب العربي مرورا بالمشرق العربي ووصولا الى الخليج العربي، ويقوم هذا المخطط على تغيير خارطة المنطقة من الناحيتين الجغرافية والديموغرافية ما سيؤدي الى إنشاء كيانات طائفية متصارعة على الدوام، وبالتالي يخشى الفاتيكان ان في حال نجاح هذا المخطط، ستفقد هذه المنطقة إحدى مكوناتها الأساسية وهي المسيحية.
هذا المخطط خرج الى العلن بعدما تناولته مراكز أبحاث متعددة في اوروبا والولايات المتحدة وصدرت دراسات وتقارير في هذا الاطار تتمحور حول دفع المسيحيين العرب الى الهجرة باتجاه أوروبا بغية إعادة التوازن إليها، في مقابل إعادة مسلمي أوروبا الى بلادهم ما سيحقق تطلعاتهم في العيش الإجتماعي المنسجم مع معتقداتهم الدينية، بحسب هذه الدراسات، وتتبنى الإدارة الأميركية هذا التوجه الذي يعتبر أن أوروبا تشكل خط الدفاع الأول عن الولايات المتحدة في وجه الزحف الإسلامي، وتشير الإحصاءات الى أن العنصر الإسلامي في دول أوروبا من الناحية الديموغرافية يشكل الأكثرية في الوقت الحالي، وعلى رغم ان هذا العنصر بأكثريته مقيم في الدول الأوروبية ولا يحمل جنسيتها، إلاّ انه يخشى من تأثيره على السياسات الأوروبية في العام 2050 كحد أقصى؛ فيما يعتقد تيار فكري آخر الى أنّ وصول الإسلاميين المتشددين الى الحكم في الدول العربية كما يحصل اليوم يشكل خطراً على الولايات المتحدة، كون معظم هذه التيارات تكفيرية  تتبع النهج الفكري الوهابي، والاحداث التي حصلت أخيرا في معظم الدول العربية والاسلامية  والتي صبت جام غضبها على المصالح الغربية وبالاخص الاميركية منها،  استنكاراً للفيلم المسيئ للإسلام الذي أثارت مشاهد منه عرضت على اليوتيوب حالة غضب عارمة باعتبار أنّ الفيلم يشهّر بالنبي محمد "صلّ الله عليه وآله وسلّم" ويسيء إلى سمعته، وأتت هذه الأحداث لثبتت صحة رأي هذا التيار الأخير الذي أشار الى حتمية ارتداد التيارات الاسلامية على راعيها الأميركي في تكرار لتجربة الثمانينات حين انقلب تنظيم القاعدة على الاميركي الذي دعمه بالمال والسلاح،  ولكن على عكس الرأي الأول الذي يحظى برعاية رسمية، لا يحظى هذا التيار بدعم من دوائر القرار في الخارجية الاميركية، إلاّ انه مؤثر جداً في الدوائر الأكاديمية في الجامعات الأوروبية والأميركية.
يبقى ان نشير في الختام، الى انّ مسيحيي لبنان واعون لدورهم الريادي في المنطقة، وهم الى جانب أخذهم العبرة من الحرب اللبنانية على رغم قساوتها، إلاّ انهم استفادوا من التجارب المريرة لمسيحيي فلسطين المحتلة والعراق ومصر وسوريا، وهم اليوم بأكثريتهم يرفضون السير في المشروع الغربي الأميركي الهادف الى إلغاء وجودهم، وينفتحون على محيطهم الإسلامي لوصل ما انقطع من تاريخهم المشترك، وبذلك يطبقون شعار قداسته لهذه الزيارة : " سلامي أعطيكم".

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا