حركة تصحيحية في «القوات» أم انتفاضة جديدة؟
المحامي نسيم بو
سمرا
من يأخذ بالسيف
بالسيف يؤخذ: (متّى 26: 52)، هي مقولة عرفها العالم القديم ورافقت التاريخ البشري في
جميع مراحله ولغاية يومنا هذا، إذ ان فلسفة
القوة ما زالت تتحكم في النظام العالمي، ما أوصل عالمنا الى حالة من اللااستقرار
الدائم وأغرقه في الحروب والمآسي،
وأدّى الى تدهور خطير في القيم الإنسانيّة،
فيما الهدف الذي يجب أن نسعى اليه في النظام الجديد الذي يبنى راهنا على انقاد
النظام القديم، أن ينطلق من معايير تستند الى مبادئ الحرّية والديموقراطية والعدالة
الإجتماعية.
تمرّ البشرية
بتجارب دائمة تثقلها وتحصن مناعتها أمام المخاطر التي تهدد بقاءها فتدوّن تجاربها على
شكل أمثال وحكم تنتقل من جيل الى آخر، ونرى تجليات هذه الأمثال بوضوح في السياسة
اللبنانية ومعظمها قائم على مبدأ البطش والإلغاء، فالغايات الجرمية موجودة لدى
كثير من الذين يتعاطون الشأن العام اليوم، وبالاخص لدى الذين يتعاطون الشأن
السياسي، فللسياسة في لبنان مفهومها الخاص الذي يتغير ويتبدل بحسب الظرف والحاجة
بعيدا عن مصالح الناس، واليوم تتحكم في مفاصل الدولة وبرقاب اللبنانيين، المافيات التي
ورثت أساليبها وعدتها من ميليشيلت الحرب اللبنانية من دون ان تتمكن الدولة من
استعادة حقوقها ووضع حد لهذا الفلتان، الذي
يؤدي في النهاية اذا ما استمر على هذه الوتيرة الى تفتيت المجتمع بأكمله.
وفي هذا السياق
تنطبق حكمة الإنجيل: من يأخذ بالسيف بالسيف يؤخذ، على سبيل المثال لا الحصر، على رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي قاد انتفاضة في
القوات اللبنانية في 15 كانون 1986 بهدف السيطرة على القرار القواتي قتل على إثرها
ما لا يقل عن ثمانمئة شاب مسيحي، ولا بد من التذكير بهذه النقطة لأنّ من يتاجر بدم الشهداء بادعائه انتسابهم الى حزبه،
لا يصعب عليه تزوير التاريخ وادعاء بطولات هي من صنع غيره؛ فقائد القوات اللبنانية
تبوأ مراكز المسؤولية في القوات بفعل الإنقلابات والإنتفاضات، وبنى أمجاده على
دماء الشباب المسيحي، وهو راكم ثروته بواسطة فرض الخوات على المسيحيين في المناطق
الشرقية ومن تجارة القمح عبر جزيرة قبرص في وقت كان المواطنون يصطفون بالمئات على
أبواب الافران للحصول على رغيف يبعد شبح الجوع عن اولادهم، وراكم جعجع ثروته ايضا من
المبالغ الطائلة التي حصّلها بفعل المجزرة البيئية التي أحدثها في جرود كسروان
ومناطق متعدّدة في ما كان يعرف بالمناطق المسيحية بعد طمر مئات براميل النفايات
السامة الآتية من إيطاليا وما زالت هذه المناطق تعاني لغاية الآن من تلوث المياه
الجوفية، ما وضعها في المرتبة الاولى في نسبة الامراض السرطانية التي يعاني منها
اهلها، من دون أن ننسى صفقة العصر التي قام بها سمير جعجع ببيعه معظم سلاح القوات
اللبنانية الى البوسنة والهرسك في العام 1991، واللآئحة تطول في حال أردنا تعداد
المجازر والإغتيالات التي ارتكبها جعجع في حق زعماء ورؤساء ومسؤولين وسياسيين
ورجال دين وضباط جيش، والحروب التي خاضها كانت نتيجتها الآلاف من القتلى والجرحى
والمهجرين، أبرزها حرب الإلغاء التي شنها على الجيش اللبناني في 31 كانون الاول
1989 والتي تجاوزت فظاعتها تلك التي شنها تنظيم فتح الاسلام على الجيش في مخيم نهر
البارد في العام 2008 من دون أن ننسى مشاركة قوات جعجع الى جانب القوات السورية في
اجتياح المناطق الحرة في 13 تشرين الأول 1990، بعد اتفاق أبرم بين جعجع واللواء
الراحل غازي كنعان خلال أربع جلسات سرية أعطي فيها جعجع أمر عمليات اجتياح الجيش
السوري للمناطق الحرة، بحسب ما كشف حنا عتيق قائد قوات الصدم في القوات اللبنانية
آنذاك والملقب بالحنون.
من الضروري تسليط الضوء على هذه
المحطات الرئيسة التي طبعت تاريخ جعجع، لابراز التمايز بين شخصه والقوات اللبنانية
التي سلكت هذا المنحدر منذ استلامه قيادتها بعدما حولها الى ميليشيا خاصة به، وهو
أكمل سيطرته النهائية عليها بعد إقصاء منافسيه من قدامى القوات وتحويلها الى حزب
أسماه القوات اللبنانية، والحركة التصحيحية التي انطلقت راهنا في القوات اللبنانية
هي استرجاع لتاريخ القوات الأساس، ففي هذا الإطار اقيم في دار سيدة
الجبل في فتقا منذ عدة أيام، مؤتمر تشاوري تناول الاوضاع الراهنة في حزب «القوات
اللبنانية»، تمهيدا لاعلان حركة تصحيحية في الحزب، بدعوة من تجمع مؤسسي وكوادر
«القوات اللبنانية»، في حضور النائب السابق جورج كساب، الرائد المتقاعد فؤاد مالك،
غسان ابو جوده ممثلا الدكتور فؤاد ابو ناضر، حنا عتيق، جو إده، مسعود الاشقر، جوزف
الزايك، يوسف بعقليني، الياس باسيل باسيل، روبير ابي صعب، جان خوري، ريمون سعادة،
جورج مزرعاني، لويس كرم، روبير عواد، طوني ابي خليل، متري الحاج، طوني ملحمة، هيئات
مجتمع مدني وحشد كبير من المحازبين والمناصرين، ألقى فيه رئيس التجمع حنا عتيق
كلمة اكد فيها «ان حركتنا اليوم هي في صلب حركة المجتمع التاريخية واستمرار لحركة
التاريخ التي تميزت بالمقاومة، مشيراً الى ان قواتنا تحترم التعددية داخل «القوات
اللبنانية»، وشدّد عتيق على ان الحركة التصحيحية ستعيد «القوات اللبنانية»
الى ثوابتها التاريخية في خدمة المسيحيين ولبنان واللبنانيين.
لكل جماعة الحق
المطلق في تشكيل تجمع سياسي بهدف تحقيق تطلعاتها، تملك برنامجاً تسعى لتنفيذه
وتستند الى مبادئ وأفكار تبلورها في إطار تنظيمي سياسي يعرف بالحزب أو
التيار...الخ، ولكن ليس مسموحاً أن يشكل هذا الحزب أو التيار غطاءً لتحقيق مآرب
غير مشروعة على حساب سلامة المجتمع وأمنه، وهذا بالتحديد ما ينطبق على قوات سمير
جعجع، فكل التجاوزات السابقة لقوات جعجع حصلت تحت عنوان " أمن المجتمع
المسيحي فوق كل اعتبار"، في الوقت الذي كانت تمرّر فيه المخططات والمشاريع
التي أدت الى تدمير هذا المجتمع الذي ما زال حتى اليوم يلملم جراحه، والسيناريو
يتكرر راهناً بنفس الأشخاص ولكن على خشبة مسرح مختلف، ما استوجب إطلاق حركة
تصحيحية من داخل البيت لتصحيح المسار والحؤول دون حصول مجازر جديدة وتهجير جديد في
حق مسيحيي لبنان في المستقبل.
فهل تصبح
الأمثال والحكم قدرنا وهي تسيّرنا باتجاه واحد لا يمكن الرجوع منه، وبالأخص المثل
القائل ان الذاكرة الجماعية للشعوب قصيرة، وبأنّ التاريخ يعيد نفسه لدى الشعوب
الغبية؟ وغيرها من المقولات التي نرددها ولكن لا نفعل شيئاً للحؤول دون حصولها؛
أمّا الجواب فنتركه للإستحقاقات العديدة المقبلة التي سيظهر بنتيجتها مدى الوعي
الشعبي؛ فنحن مدعوّون الى وقفة تأمل، والى حسم قرارنا منذ الآن، لكي تكون هذه
الإستحقاقات فرصة نحقق من خلالها آمالنا وأحلامنا، لنستحق كلبنانيين فعلا لا قولا،
صفة الإبداع.
Comments
Post a Comment