إمّا قانون الستين أو التمديد
نسيم بو سمرا
تتوالى الأيام السوداء على لبنان، ليس
بسبب الطقس الماطر وتلبد الغيوم في سمائه، بل بسبب بعض مسؤوليه الذين آثروا العيش
في الليالي الحالكة، لعلّّ الظلمة تستر معاصيهم، والى جانب مآثرهم في مخالفة
الدستور يوم انتخابهم والسكوت عن تجاوز القوانين والتغاضي عن الفاسدين من المقربين
والحلفاء، يعملون اليوم على ضرب وحدة الصف المسيحي الذي اجتمع تحت عباءة بكركي
وسيدها للمرة الأولى منذ عقود بهدف استعادة الحقوق المسلوبة وتحقيق التوازن بين
شرائح المجتمع كافة، واللائحة تطول من الامن بالتراضي في طرابلس وعكار وعرسال
وصيدا من خلال التساهل في ملاحقة المخلين بالأمن والسكوت على الخطاب التحريضي
الفتنوي وإطلاق الموقوفين الاسلاميين أو تهريب اخطرهم من السجون واحتضانهم من
المسؤولين مراعاة لشارع سلفي قد يؤمن لهم اصواتا اضافية في المواسم الانتخابية،
وبعد كل ذلك يعملون على إعادة إحياء قانون إنتخابي مات ودفن، لعلّ ذلك في حساباتهم
يؤدي الى إلغاء الانتخابات أو تأجيلها في أحسن الظروف، وبالتالي يسري منطق التمديد
على الجميع، من الرئاسة الى قيادة الجيش فالمدير العام لقوى الأمن الداخلي مرورا
بالمجلس النيابي ووصولا الى أصغر موقع وظيفي في الدولة اللبنانية.
هذا الواقع حذّر منه نواب الاكثرية
غداة توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة على أساس قانون الستين، وهم وصفوا ما حصل
باليوم الاسود في تاريخ التشريع، ناعين قانون الـ60، ومؤكدين انه لن يمر في الهيئة
العامة، واثر الاجتماع الذي جمعهم ظهراً، قال نائب تكتل "التغيير
والاصلاح" ابراهيم كنعان، إن الالتفاف على قرار اللجان النيابية المشتركة حول
"اللقاء الاورثوذكسي"، هو سابقة خطيرة، مؤكدا ان عدم امرار الاورثوذكسي
تجاوز لمبدأ فصل السلطات.
هذا الإداء الفاضح لما يسمّى بالفريق
الوسطي الذي يحاول إرساء معادلة إمّا الذهاب الى الانتخابات في موعدها في التاسع
من حزيران المقبل أو التمديد، هو موقف ظهر بعد الدفع الأميركي الذي جاء من عين
التينة على لسان السفيرة الأميركية مورا كونيللي، محوره في الظاهر ضرورة حصول
الانتخابات في موعدها المحدّد حتى لو لم يقر قانون جديد للإنتخابات، رغم تأكيد
الخبراء القانونيين ان هذه المهل هي قانونية لا دستورية، أمّا باطنه فجاء تجسيدا
لنيات كانت مبيتة حتى الآن، ما يستوجب إعادة إحياء الذاكرة الجماعية لدى الشعب اللبناني،
كي لا تمرّ هذه المشاريع على حساب لقمة عيشه واستقراره الاجتماعي والامني، وإذا
كانت الحكومات الحريرية المتعاقبة قد استباحت كل المحظورات لتحقيق مشروعها السلطوي
وإرضاء أسيادها في الخارج، فماذا يبرر اليوم استمرار هذه الحالة في ظل حكومة من
المفترض ان يغلب عليها الخط السياسي الذي تمثله الأكثرية راهنا؟ حتى لو افترضنا ان
الآخرين فيها يمثلون الخط الوسطي، أي هم خارج إطار الأكثرية والأقلية على حدّ
سواء.
فما يحصل راهنا من شدّ حبال بين
مكونات الحكومة لا يبرّره منطق دستوري ولا يجوز في نظام ديمقراطي برلماني، من دون
ان نغوص هنا في دور السلطة القضائية المغيبة كل الأوقات والحاضرة حينا كسيف مسلط
في يد المفسدين، ومثال المجلس الدستوري الذي يستعمل اليوم كفزاعة في وجه الأكثرية،
خير دليل على ارتهان القضاء وانخراطه في لعبة تصفية الحسابات بين اركان السلطة أو
بينها وبين معارضيها.
لذلك وفي سياق تحليلي لسير الأمور،
تلتقي مصلحة الخط الوسطي مع الأقلية النيابية لجهة محاولة خوض الانتخابات على أساس
قانون الستين الميت، لأنّ القانون النسبي يفضح أحجام كل فريق، والمتضرّر الأكبر
منه على الأخص هو هذا الفريق الوسطي، بسبب غياب قاعدة شعبية يعول عليها في نظام
نسبي على أساس الاقتراح الأرثوذكسي، في وقت يدعو البعض الى حصول توافق على القانون
الانتخابي قبل إحالته الى الهيئة العامة للمجلس النيابي وإلا مقاطعة الجلسات
النيابية، فيما نرى ان هناك قوانين ما تزال مجمدة لأنها تفتقر الى التوافق، مثل
قوانين الايجارات والأحوال الشخصية والزواج المدني وحقوق الفلسطينيين، فكيف اذا
كان سبب الخلاف قانون انتخابي جديد سينعكس على المسار السياسي للبنان للسنوات
المقبلة؟
إلاّ أنّ الصرخة التي أطلقها رئيس
المجلس النيابي نبيه بري بالأمس حين حذّر من الوضع الأمني الذي وصفه بالخطير مفضلا
الأمن على إجراء انتخابات نيابية، مرّت مرور الكرام، ومن المعروف ان الأمن مرتبط
في شكل وثيق بالسياسة، آملين ألاّ ينجر المسؤولون عن أمننا في شكل خاص الى حسابات
سلطوية ضيقة، قد تؤدي الى تقاعس وارتخاء أمني يوصل بالتالي الى انفلات أمني، يوقع
المزيد من شهداء الجيش فضلا عن انه سيؤدي الى إهدار دم من سبقوهم الى الشهادة.
Comments
Post a Comment