ماذا تغيّر بين 14 آذار 1989 و14 آذار 2013 ؟


نسيم بو سمرا

يطل 14 آذار 2013 على وقع ضباب كثيف يحيط بالمستقبل السياسي للبنان في ظلّ استمرار تلبد الأجواء في الدول العربية كافة والتي تتخبط بخريفها الاسلامي الذي جعل الحالات الشاذة تطفو على سطح الأحداث، ولكنها حالات في طور التصفية راهناً في الغربال السوري، ما يعني حكماً انّ لبنان سيكون في قلب العاصفة بعد استتباب الأمن في سوريا، نظراً الى تقهقر الفصائل الاسلامية المقاتلة من الجهاديين و«جبهة النصرة» في سوريا، ما سيعني انّ هذا التقهقر سيتمّ على حساب لبنان، الساحة المشرعة الوحيدة التي يسمح للمسلحين بالتراجع إليها، إذ ان أبواب الاردن مقفلة عبر تعاون دقيق بين الاستخبارات السورية والاردنية وبقرار مركزي من العاهل الاردني عبدالله الثاني، فيما العراق قد خبر هذه التنظيمات منذ سنوات طويلة ويعرف كيفية الحد من خطورتها، أمّا تركيا فلن تسمح بزعزعة استقرارها، في وقتٍ تحتضن  مخيمات لبنان الفلسطينية والبلدات الحدودية من وادي خالد الى عرسال منذ الآن آلاف المسلحين وعائلاتهم.
فما أشبه الذكرى اليوم بتاريخ 14 آذار 1989 حينما كانت الحدود اللبنانية في الجنوب والشمال والشرق وحتى من البحر مشرعة يدخل منها الجميع من دون أي ضابط، وهو ما يحصل اليوم على الحدود الشمالية الشرقية مع دخول النازحين السوريين ليصل عددهم راهنا الى حوالي المليون، ما يشكل بداية تحول ديمغرافي في مجتمعنا يعيدنا الى النزوح الفلسطيني المشؤوم في العام 1948 والنزوح الأكبر الذي حصل في العام 1967 بعد واقعة السبت الأسود في الأردن، والدولة غائبة كما كانت على الدوام منذ ما قبل العام 1975 والميليشيات المسلحة في مختلف المناطق اللبنانية تتحكم بالبلاد والعباد، عصابات تخطف لتبادل مخطوفين عند الجهة المقابلة وتطالب أحيانا بفدية كما هو حاصل اليوم، جماعات تفرض الخوات على المواطنين المغلوب على أمرهم بحجة حماية مؤسساتهم التجارية وأيضا كما يحصل اليوم في مناطق عدة من لبنان وبخاصة في طرابلس، مجتمعات تطبق قانونها الخاص إما بواسطة الادارات المدنية او بواسطة شيوخ يفتون بالقتل والعقاب استنادا الى فتاوى دينية لا تمت بصلة الى أي دين معروف، ولا تطبق إلا في مناطق محددة في افغانستان حيث تسود شريعة طالبان التي انتقلت الى سوريا مع جماعة جبهة النصرة، وقد قلدتها بعض الجماعات الارهابية في لبنان كالهجرة والتكفير وفتح الاسلام وطبقت أخيرا أمام عدسات الكاميرات في جمهورية عرسال مع فتوى تصفية الشهيد في الجيش اللبناني المعاون ابراهيم زهرمان وعلى وقع آيات التكبير، والأمثلة الحاصلة اليوم والشبيهة بالوضع الذي كان سائدا عشية 14 آذار 1989 لا تنتهي من تواطؤ المسؤولين مع الاقطاعيين وذوي النفوذ والخارجين عن القانون، الى تدخل السفراء السافر في الاستحقاقات الانتخابية من رئاسية ونيابية، وجعل بيروت مدينة مفتوحة لجميع أجهزة الاستخبارات العالمية، تخطط لمؤامراتها على مستوى لبنان والمنطقة وتنفذها بحرية تامة، إلاّ ان الفارق الوحيد بين تلك المرحلة والراهنة، ان خرج آنذاك قائد من رحم الشرعية والمؤسسة العسكرية ليتصدى للزعران بالقوة، ويظهر للعالم ان ما زال في لبنان شرفاء يضعون مصلحة وطنهم قبل مصالحهم الشخصية والمناطقية والطائفية والمذهبية، لا يدغدغهم منصب ولا يضعف نفوسهم مال، ولا يردعهم عن القيام بواجبهم ابتزاز السفراء والموفدين الدوليين لان سيرتهم الذاتية لا تشوبها شائبة، فجيوبهم فارغة من أي عمولة وضميرهم مرتاح من أي جريمة وسجلهم خال من أي عمالة، وجاءت واقعة 14 آذار 1989 لتثبت حالة وطنية قطّرت مع قائد الجيش ورئيس الحكومة آنذاك العماد ميشال عون، فانطلقت مسيرة استعادة الوطن ولم تحقق أهدافها إلا في 7 أيار 2005 بعودة الوطن الى الوطن.
استعادة التاريخ تأتي هنا للعبرة لكي لا يطبق علينا المثل القائل بأن التاريخ لا يعيد نفسه إلا لدى الشعوب الغبية، فالسؤال المطروح والذي سنحاول من خلال الاجابة عنه، معرفة ما اذا كان التاريخ يعيد نفسه اليوم في لبنان، يختصر بالآتي: أين هي الدولة اليوم والتي يطالب البعض في لبنان والخارج بتسليمها سلاح المقاومة؟ هذا السلاح الذي وجد أساسا بسبب غياب هذه الدولة، والنماذج التي ذكرناها تثبت ذلك، ولم يبق في لبنان زاوية لم ينخرها الفساد ولا تفوح منها رائحة الصفقات، فهل المطلوب من خلال تهديم المؤسسات العامة، بناء الإدارات الرديفة على أنقاضها؟ ونحن لا نقلل من أهمية الجيش اللبناني في هذا الاطار، القادر من دون شك على صدّ مخططات التآمر على لبنان، في حال رفع الحصار الدولي عنه، وفي حال أقدمت السلطتين السياسية والعسكرية بخطوة تاريخية تحرّره من التبعية للمحور الغربي، هذا المحور بقيادة الولايات المتحدة لا يلتفت إلاّ الى مصالح إسرائيل وبالتالي كل سلاح من شأنه تحقيق نوع من الردع ضدّ العدو الصهيوني لن يسمح للجيش اللبناني بامتلاكه، وإذ نعوّل الكثير على هذه المؤسسة ونعتبر الجيش خط الدفاع الاول عن لبنان وشعبه، إلا أنّ ما يحصل راهنا من تساهل في ضرب الحالات الشاذة في صيدا والشمال من عرسال الى عكار الى طرابلس، يقلقنا ويضع القوى الأمنية في وضع يشبه الى حد بعيد ما كانت عليه عشية الحرب اللبنانية في العام 1975، إلاّ  اننا مطمئنون في المقابل ان الجيش ليس خط الدفاع الاخير في حال استمرت السلطة السياسية في شلّ حركته، فالمقاومة اللبنانية جاهزة عندئذ لملئ الفراغ والدفاع عن وجود لبنان وكرامة شعبه، وتبرز في هذا السياق معادلة الجيش والشعب والمقاومة، والجدير بذكره في هذا الاطار ان الحرب الخارجية التي شنتها إسرائيل على لبنان في تموز 2006، وهي أطلقت عليها تسمية الحرب الأولى، تستكمل اليوم بواسطة الفكر التكفيري في الداخل، وتكمن خطورة الجماعات الاسلامية التكفيرية بحصولها على دعم خارجي وداخلي من ناحية المال والسلاح، وهي ورطت لبنان بالأزمة السورية، وإذا تمكن لبنان بفضل مقاومته من إفشال الأهداف الاسرائيلية في حربها الأولى، إلاّ ان الحرب الدائرة راهناً في سوريا والتشابك الحاصل مع الساحة اللبنانية وبالاخص محاولة ربط الشمال اللبناني بالساحة السورية من خلال التنسيق مع الجيش الحر وجبهة النصرة في سوريا، ليس من السهل فكّه، هذا المخطّط القديم بتقسيم المنطقة الى كيانات مذهبية متصارعة على الدوام، بدأ في العام 1990 بعيد غزوة العراق للكويت، وقد وقف في وجهه آنذاك العماد ميشال عون في لبنان، إلاّ ان المعادلات الدولية اطاحت بهذه المقاومة في 13 تشرين 1990 باجتياح المناطق الحرة من الجيش السوري بضوء أخضر أميركي وتسهيل إسرائيلي، أمّا في حرب تموز ال2006 فالمعادلة تغيرت، أولا بسبب تغير الوضع الدولي لجهة سقوط الاحادية الاميركية وصعود تعددية الأقطاب، فالدول الصاعدة إقتصاديا كالصين واستعادة روسيا لقوتها العسكرية وتقدم إيران العلمي اضافة الى تحرر دول أميركا اللاتينية من قبضة الولايات المتحدة بعد وصول الاشتراكيين الى الحكم في معظم هذه الدول، انشأ تكتلات مثل تجمع دول البريكس ودول الألبا، ما فرض تقاسم النفوذ في العالم، وهو ما ينعكس على الازمة السورية، امّا العامل الداخلي الابرز الذي أدى الى انتصار لبنان في حرب تموز 2006 يعود في شكل اساس الى الثقة التي خلقتها ورقة التفاهم التي ابرمت بين التيار الوطني الحر وحزب الله، في المجتمع اللبناني، ولكن هل تمكنت وثيقة التفاهم من تحقيق الانسجام في الملفات الداخلية بين أطرافها، كما نجحت على المستوى الاستراتيجي؟
لم تحل المطبات الكثيرة على المستوى الداخلي، دون تحقيق التناغم بين الطرفين، ولحاق حزب الله بمسيرة التغيير والاصلاح التي أطلقها العماد عون لدى عودته الى لبنان في السابع من أيار 2005، إلاّ انّ الأداء لم يرق الى ما يطمح إلى تحقيقه جمهوري الطرفين، وهم قد سبقوا قياداتهم في التفاعل الإيجابي على أرض الواقع، لذا بات لزاما على حزب الله والتيار الوطني الحر اللذان لم يتورطا في حلقة تدمير لبنان خلال الحرب اللبنانية، أن يبادرا الى التنسيق الجدي والفاعل لتحصين صفوفهما من أي اختراق يهدف الى إلهائهما عن تحقيق هدفهم في بناء الدولة القوية القادرة والعادلة، والشبه بين التيار الوطني الحر وحزب الله يصبح جلياً عند مراجعة تاريخ الطرفين اللذان لم ينزلقا الى ممارسة الفساد وسياسة الإفساد، وهما يملكان القدرة والعزيمة على الحفاظ على الإنجازات المشتركة التي تحققت لغاية اليوم، فالتاريخ النضالي المقاوم لهاتين الظاهرتين في تاريخ لبنان المعاصر، ونحن نحتفل اليوم بانطلاقة التيار الوطني الحر في ذكرى الرابع عشر من آذار، يشكل نموذجا يحتذى به لبناء لبنان الغد.
14 آذار 2013

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا