Skip to main content

لبنان سائر هو ايضا على درب الجلجلة



نسيم بو سمرا-

تطل الجمعة العظيمة لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي ولبنان يسير على درب الجلجلة منذ فتحت ابواب جهنم على منطقة المشرق منذ أكثر من ألفي عام، في اليوم الذي صلب فيه حمل الله الوديع وملك الملوك، على صليب خطايا البشرية فغسل بدمه الطاهر ذنوب العالم أجمع، منطقة المشرق مهد الحضارات والديانات والرسالات الروحية التي تحاورت وتعايشت وتفاعلت فيما بينها فانطلقت أفكارها الثورية بابهى صورها لتروحن العالم المادي، تخلع عنها اليوم رداءها الحضاري الذي لبسته على مدى آلاف السنين،  لتقترع عليه الجهات نفسها التي تمثلت في زمن السيد المسيح، بالفريسيين، وقد نعت هؤلاء بابشع النعوت واصفا إياهم بالافاعي المليئة بالمراوغة والإحتيال الذين لا يريدون دخول ملكوت السماوات ويمنعون على الغير دخولها، هؤلاء ممثلون اليوم بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والذين يعملون من خلال نشر فوضاهم الخلاقة في جميع أنحاء العالم، على صبغ مشرقنا بلون وحيد، هو لون السلفية التكفيرية التي لا تتقبل الإختلاف، وتسعى لإلغاء الآخر، هذه السلفية تلقى الدعم ممّا يسمّى بالأصولية المسيحية،  ولقد بات معروفاً أنّ الأصولية المسيحيّة هي إنحراف عن الدين مثل كل الأصوليات في مختلف الأديان، والأصولية المسيحيّة التي تنبع مبادؤها من العقيدة التلمودية، كما اليهودية العالمية أو المعروفة أيضا بالصهيونية، بالإضافة إلى السلفيّة التكفيرية التي تغرف من التفسيرات المحرفة للعقيدة الإسلامية، هي حركات ايديولوجية تسعى لتدمير المجتمعات المتواجدة فيها، بغية إعادة بنائها على المبادئ المتطرفة، وتستخدم الإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية، وهي تستظِلّ بالدين لتبرير أفعالها الغير دينية، في وقت يوجد ترابط عضوي بين هذه التيارات الفكرية إذ لا يمكن  للأصولية المسيحية ولليهودية العالمية أن تنمو وتستمر في غياب السلفية التكفيرية.
وللمناسبة لا يسعني إلا ان أعرض مقطع للنبي جبران حينما واجه رجال الدين المفسدين في الارض، متبعا طريق السيد المسيح الذي تمرّد على السلطة الدينية (Establishment) المتمثّلة بالحاخامين، وقد جاءت تعاليمه مناهضة للشريعة المتحجّرة التي قيّدت الإنسان بدل أن تحرّره، فالله مع يسوع المسيح أصبح عالميّا يخصّ كل الشعوب ولا يختصّ فقط بشعب واحد مختار، الله مع المسيح اصبح اقرب الى البسطاء والمحتاجين والمظلومين والمسحوقين والضعفاء، وأقام مع هؤلاء علاقة مباشرة لا تمر بواسطة، ونبذ في المقابل كل صاحب نفوذ ومال وظالم وعنجهي وقوي، وقد عرض جبران خليل جبران هذا الأمر بأبهى صوره، وما زال يصلح في عالمنا اليوم الذي يفوق الظلم فيه أضعاف ظلم الأمس، يبرزه جبران من خلال كتابه "عرائس المروج، في يوحنا المجنون" حينما قال:
أنظر يا يسوع الناصري الجالس في قلب الدائرة الأعلى، انظر من وراء القبة الزرقاء الى هذه الأرض التي لبست بالأمس من عناصرها رداء. أنظر ايها الحارس الأمين فقد خنقت أشواك الوعر أعناق الزهور التي انعشت بذورها بعرق جبينك، انظر ايها الراعي الصالح فقد نهشت مخالب الوحوش ضلوع الحمل الضعيف الذي حملته على منكبيك، أنظر فدماؤك الزكية قد غارت في بطن الأرض، ودموعك السخينة قد جفت في قلوب البشر، وأنفاسك الحارة قد تضعضعت امام رياح الصحراء، وأصبح هذا الحقل الذي قدسته قدماك ساحة قتال تسحق فيها حوافر الاقوياء ضلوع المنطرحين وتنتزع اكف الظالمين أرواح الضعفاء...إن صراخ البائسين المتصاعد من جوانب هذه الظلمة لا يسمعه الجالسون باسمك على العروش، ونواح المحزونين لا تعيه آذان المتكلمين بتعاليمك فوق المنابر، فالخراف التي بعثتها من أجل كلمة الحياة قد انقلبت كواسر تمزق بأنيابها أجنحة الخراف التي ضممتها بذراعيك، وكلمة الحياة التي انزلتها من صدر الله قد توارت في بطون الكتب وقام مقامها ضجيج مخيف ترتعد من هوله النفوس.
لقد اقاموا يا يسوع لمجد أسمائهم كنائس ومعابد كسوها بالحرير المنسوج والذهب المذوّب وتركوا أجساد مختاريك الفقراء عارية في الأزقة الباردة وملأوا الفضاء بدخان البخور ولهيب الشموع، وتركوا بطون المؤمنين بألوهيتك خالية من الخبز، وأفعموا الهواء بالتراتيل والتسابيح، فلم يسمعوا نداء اليتامى وتنهيدات الأرامل.
تعال ثانية يا يسوع الحي واطرد باعة الدين من هياكلك، فقد جعلوها مغاور تتلوّى فيها افاعي روغهم واحتيالهم. تعال وحاسب هؤلاء القياصرة، فقد اغتصبوا من الضعفاء ما لهم وما لله. تعال وانظر الكرمة التي غرستها يمينك، فقد اكلت جذوعها الديدان وسحقت عناقيدها أقدام ابن السبيل. تعال وانظر الذين ائتمنتهم على السلام، فقد انقسموا على ذواتهم وتخاصموا وتحاربوا، ولم تكن أشلاء حروبهم غير نفوسنا المحزونة وقلوبنا المضنكة...في أعيادهم واحتفالاتهم يرفعون اصواتهم بجسارة قائلين: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة، فهل يتمجد أبوك السماوي بأن تلفظ اسمه الشفاه الأثيمة والألسنة الكاذبة؟ وهل على الأرض سلام وابناء الشقاء في الحقول يفنون قواهم امام وجه الشمس ليطعموا فم القوي ويملأوا جوف الظالم؟... ما هو السلام يا يسوع الحلو؟ هل هو في أعين الأطفال المتكئين على صدور الأمهات الجائعات في المنازل المظلمة الباردة؟ أم في اجساد المعوزين النائمين على أسرة حجرية يتمنون القوت الذي يرمي به قسس الدير الى خنازيرهم المسمنة ولا يحصلون عليه؟ ما هي المسرة يا يسوع الجميل؟ أبأن يشتري الأمير بفضلات الفضة قوى الرجال وشرف النساء، وبأن نسكت ونبقى عبيدا بالنفس والجسد لمن يدهشون أعيننا بلمعان ذهب أو سمتهم وبريق حجارتهم وأطالس ملابسهم؟ أم بأن نصرخ متظلمين مندّدين فيبعثوا الينا بأتباعهم حاملين علينا بسيوفهم وسنابك خيولهم فتنسحق أجساد نسائنا وصغارنا وتسكر الارض من مجاري دمائنا؟...
أمدد يدك يا يسوع القوي وارحمنا لأن يد الظلوم قوية علينا، او ارسل الموت ليقودنا الى القبور حيث ننام براحة مخفورين بظلّ صليبك الى ساعة مجيئك الثاني، لأن الحياة ليست حياة عندنا، بل هي ظلمة تتسابق فيها الأشباح الشريرة، وواد تدبّ في جوانبه الثعابين المخيفة. ولا الأيام ايام عندنا، بل هي أسياف سنينة يخفيها الليل بين لحف مضاجعنا ويشهرها الصباح فوق رؤوسنا عندما تقودنا محبة البقاء الى الحقول.
 ترأف يا يسوع بهذه الجموع المنضمة باسمك في يوم قيامتك من بين الأموات وارحم ذلهم وضعفهم.

Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

  *نسيم توما الهاشم يدعي سيد البلاستيك "إيلي نخله" انه تحت سقف القانون وانه سيحصل حقه بالقانون، فيما هو يخالف في عمله كل القوانين البيئية والصحية، وقد استغل منبر شبيبة لامارتين حمانا ليوصل رسالة تهديد الى قائد شبيبة لامارتين مباشرة على الهواء، فيما نحن ظننا للحظة انه نادم على تلويث البيئة ومستعد لاصلاح ما تضرر، ولذلك نقلنا وجهة نظره وأوصلنا صوته للرأي العام لأن مهنيتنا الصحافية تفرض علينا عرض الرأي الآخر، كي لا نتهم بالتحيز وليحكم الرأي العام في ما خص الجرائم البيئية التي ترتكب في حق وطننا لبنان وبلدتنا حمانا،  وبدل ان يشكرنا سيد البلاستيك الذي أطلق علي لقب "سيد البيئة" وانا افتخر بالمناسبة بهذا اللقب وهو شرف لكل من يملك حسا بيئيا ويقاتل للحفاظ على البيئة ضد الكارتيلات التي تستبيح البيئة وتلوث الطبيعة طمعا بالمال،  لا بل اكثر من ذلك راح يكيل التهم لشبيبة لامارتين حمانا،  ويهاجم بلدية حمانا التي اتخذت الاجراء بحقه وأجبرته على ازالة المخالفة، لأنه متعدي على الأملاك العامة، وهو يوضب بضاعته بشكل ملاصق  للنهر مباشرة، في موقع حساس جدآ بيئيآ؛ بدل ان يبتعد عشرة امطار عن...

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

  بعض السياسيين بلبنان مفكر حالو سعد الحريري  ومصدق شعار "لبنان اولا" اللي طرحتو جبهة ١٤ آذار المزورة...والمضحك اكثر انو مصدقين خبرية "الانحياز الى الدولة" والتي يخلطون بينها وبين السلطة، (في لبنان لا يوجد دولة بل سلطة مرتهنة للخارج بأغلب الاحيان) فيتبنوها شعارا الى جانب شعار ال ١٠٤٥٢ كم٢ السخيف هو ايضا؛ أولا هو منطق بعيد من الواقع لانه لا دولة في لبنان حتى يومنا هذا، فحتى عهد الرئيس ميشال عون فشل في بناء دولة، وما زالت دولتنا منهارة، وثانيا: كل عمرا المقاومات مشروعة دوليا وقوميا ووطنيا وتحل مكان الدولة حين تنهار الدولة، ولبنان ليس استثناء بل يشكل لبنان سابقة في تكامل المقاومة مع فكرة الدولة، ولا تتعارض او تتنافس معها؛ والدليل هو استطاعة الشهيد السيد حسن نصرالله فرض معادلة الردع التي استمرت ثمانية عشر عاما منذ العام 2006 وحتى ال 2024 والمثال الآخر هو ترسيم الحدود البحرية مع العدو الذي اعطى للبنان كامل حقوقه في نفطه وبلوكات غازه حيث لم يكن عهد الرئيس ميشال عون ليحقق هذا الانجاز، لولا مسيرات المقاومة التي حلقت لمرتين فوق حقل كاريش...ليرفع أحدهم شعاره الشهير حينها: ...

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

 *نسيم بو سمرا حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر. اليوم وبعد انهيار أسس ال...