إستهداف حزب الله أمنيا، الى ماذا يؤشر، وما هي ارتداداته؟



نسيم بو سمرا

توالت الأحداث الأمنية في اليومين الفائتين، بدءا بالاعتداءين على الجيش في مجدليون والأولي، مرورا بحادثة الناقورة مع الاحتلال الاسرائيلي، وصولا الى انفجار اللبوة في شمال مدينة بعلبك، وهذه الحوادث التي قد تبدوا في الظاهر مترابطة إلا ان النظر فيها عن كثب يشير الى ان الانفلات الأمني في لبنان، يسمح لمختلف الجهات المحلية والاقليمية والدولية بالعبث بأمن اللبنانيين وتمرير الرسائل من ضمن تصفية الحسابات في ما بينها، على الساحة اللبنانية.

لكن البارز في هذه الأحداث، تصاعد وتيرتها وتطور أساليبها واحترافية تنفيذها، ما بات يشكل خطرا داهماً، لن يوفر أيّا من الأفرقاء المتناحرين، ويكمن الخطر أيضا والذي خبره اللبنانيون في الحرب اللبنانية، في ان تقاطع المصالح بين الدول الإقليمية في شكل خاص، يأتي دائما على حساب لبنان، وإن اختلفت الظروف منذ ذلك الوقت، نظرا لاكتساب لبنان مناعة لناحية حصانته في وجه الاعتداءات الاسرائيلية، بفضل المقاومة، إلاّ انّ الضعف البنيوي في المجتمع اللبناني ما زال نفسه، والتبدّل في الأوضاع الدولية والاقليمية لجهة التحالفات، كما هو حاصل راهنا، يزيد من تشرذم الشعب اللبناني ويدفعه الى الانزلاق أكثر فأكثر نحو الانحلال، وبخاصة في ظل شلل الحكم، في حكومة لا تقوم حتى بصلاحياتها في تصريف اللأعمال، ويرفض رئيسها الدعوة الى جلسة لمعالجة الملفات العالقة وعلى رغم الحالة الطارئة التي يمر بها لبنان على مختلف الصعد، يجاريه في هذا الرفض رئيس الجمهورية وبالتماهي مع تيار المستقبل وحلفائه، فالرؤساء لدينا ورؤساء الحكومات باتوا لا ينصتون الى صرخات شعبهم، بل يفضلون الاستماع الى هماسات الخارج، فالرئيس يعتبر ألا ضرورة توجب عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء، فالأمن بخير بالنسبة إليه ويضاهي باستقراره استقرار سويسرا، والوضع النقدي بألف خير واللبنانيون يعيشون في حالة بحبوحة ورواتبهم جد مرتفعة تكفيهم كل الشهر لا بل يوفرون منها لقضاء عطلهم السنوية في السياحة في الخارج، أمّا في ما خص النزوح السوري الى لبنان فبالنسبة للرئيس ما زال معقولا، لا بل يمكن للبنان تحمل المزيد منهم، والرئيس لا يتحسس الخطر في وجود جماعات تكفيرية في لبنان ترسل شبابها كإنتحاريين يفجرون نفسهم ومن حولهم، والسيارات المفخخة أثبت انها تأتي من سوريا ومن القلمون تحديدا، عبر جبال لبنان الشرقية فعرسال، ومن ثمّ تختفي داخل لبنان لتظهر عند التفجير، والرئيس لا يقرأ بالطبع الواقع الدولي المستجد فيشنّ حملة على حزب الله وسلاحه، مبررا السياسة السعودية تجاه لبنان، ولا يرى في هذا الإطار مشكلة ربما، في التقارب راهنا بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وهذه الأخيرة باتت ترى بعد الاتفاق الغربي- الإيراني على الملف النووي لطهران، في إيران العدو الأول، ما يبرر هذا التعاون الكبير مع إسرائيل وذهابها بعيدا في دعم الجماعات التكفيرية لإبقاء المنطقة متشتعلة، هذا الإشتعال ترجم في لبنان في زيادة وتيرة التفجيرات واستهداف المؤسسة العسكرية في شكل فاضح هذه المرة، من خلال الاعتداءين على الجيش في مجدليون والأولي، ما يشير الى استسهال هكذا عمليات متكررة، ويسلط الضوء مجددا على المحرضين على الجيش من مسؤولين في الدولة وسياسيين من تيار المستقبل وحلفائه، ويدعو الى التبصر في ما ستؤول اليه الأمور في حال لم يحزم الجيش أمره بالتعامل بشدة مع الارهاب والمسلحين الخارجين عن القانون في الشمال على وجه التحديد.

أمّا في الجنوب، في ما خص الحادث على الحدود في رأس الناقورة، فالتحقيقات أظهرت أن اطلاق النار حصل من الجانب اللبناني على سيارة إسرائيلية توقفت عند الجانب المحتل في رأس الناقورة، قبالة الموقع العسكري الذي يحرسه الجندي اللبناني الذي أطلق سبع رصاصات من رشاشه، أصاب بعضها رقيباً من جيش العدو إصابة مباشرة وقتله، ووضع الجيش الحادث بالفردي، واقتنع بذلك جيش العدو، على رغم ان اسرائيل اعلنت احتفاظها بحق الرد في المكان والزمان المناسبين، الا ان الاجتماع الذي رعته الأمم المتحدة في الناقورة، والبيان الذي أصدره الجيش اللبناني لوضع الحادث في الإطار «الفردي»، كانا كفيلين بإعادة الهدوء إلى المنطقة الحدودية التي عاشت بالامس يوماً هادئاً بعد ليل ساده التوتر، وبالانتقال بقاعاً، المستهدف هذه المرة كان حزب الله، بعد ثلاثة اسابيع على آخر تفجير استهدف السفارة الإيرانية، من دون ان نغيب اغتيال القيادي في حزب الله حسان اللقيس من قبل إسرائيل، ولكن الهدف هذه المرة مركزا تابعا له في بلدة اللبوة شرق لبنان بانفجار ضخم، ولولا ان الحزب رصدها واعترض طريقها، ما دفع الى تفجيرها قبل وصولها الى هدفها الأخير، لكانت نتيجتها مجزرة أخرى تضاف الى التفجيرات في الفترة الأخيرة، وفي التحقيق بعدما عاين الخبير العسكري المكان، أعلن الجيش ان الانفجار ناجم عن سيارة مفخخة من نوع شيروكي ادى الى تضرر سيارات اخرى، وكشف مصدر أمني ان أفرادا من حزب الله والقوى الأمنية طوقت المكان.
يمكن للبنان في ظل الاتجاه الذي سلكته السياسة الدولية الجديدة، والتي تتميز بتعدد الأقطاب، بعدما سبقها في المرحلة السابقة، الثنائية القطبية، لتفسح المجال لاحقا بعد تراجع المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي، الى إقامة أحادية قطبية بزعامة الولايات المتحدة، تحكمت بالعالم لعقدين من الزمن، أمّا اليوم فيأتي هذا النظام القطبي المتعدد ليعطي الدول مهما كان حجمها الجغرافي والديمغرافي، مكانها على الخارطة الدولية، وللبنان أن يستفيد من هذا الوضع المؤاتي لدوره الحضاري، ليفرض نفسه كدولة تملك كامل الحق في الوجود بين الدول.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا