مؤتمر جنيف 2 للسلام في سوريا في ظل سعي لتفجير الساحة اللبنانية



نسيم بو سمرا

تسير التحضيرات للسير في الحل السياسي للأزمة السورية، من خلال مؤتمر جنيف2 بعدما نجحت الضغوط الاميركية بسحب موافقة الائتلاف الوطني السوري المعارض على المشاركة، بالتوازي مع التوصل الى شبه اتفاق في الملف النووي الايراني بين الدول الخمسة زائد واحد وإيران في جنيف، وتوضع اللمسات الأخيرة على هذا الحل في جولة المفاوضات المقبلة، في العشرين من الجاري.
 هذه التطورات الاقليمية على المستوى الديبلوماسي، تواكبها تطورات ميدانية في سوريا وبالاخص في ريفي حلب ودمشق، حيث فرض الجيش السوري بتقدمه السريع واقعا جديدا خلط الأوراق وفرض أولويات جديدة على الدول الغربية، وأعطى للمبادرة الروسية زخما إضافياً، أنهى مناورة واشنطن لتضييع الوقت، فيما المملكة العربية السعودية ما تزال مصرة على تحقيق إنجاز ما يبعد عنها كأس تذوق طعم الهزيمة في سوريا؛  أمّا على الساحة اللبنانية فيرتفع منسوب الاحتقان، ترجم في طرابلس التي تئنّ تحت عبئ أمني نتيجة استخدامها كساحة لخدمة أهداف بعض الدول الخليجية في سوريا، وهي باتت تعجّ بالمسلحين المجهزين بأحدث الأسلحة، يقودهم ما يسمّى بقادة المحاور والذين خرجوا في شكل شبه نهائي عن إمرة السياسيين المحليين، وتوشك الهدنة الهشة في عاصمة الشمال على النهاية بعدما تأجل تنفيذ الخطة الأمنية لمرات عدة، وعشية استجواب رئيس الحزب العربي الديمقراطي علي عيد من قبل القضاء العسكري، والاشارات جاءت في هذا الاطار على لسان المسؤول السياسي في الحزب العربي الديمقراطي رفعت عيد الذي بعث برسائله الى فرع المعلومات تحديدا، هذه الرسائل ردّ عليها الشيخ سالم الرافعي، خلال مهرجان "احقاق الحق" في طرابلس، معتبرا ان إذا كان رمزهم علي عيد فرمز الطائفة السنية هو أحمد الأسير، وواصفا المقاومة بعدوة السنة.
هذا الخطر الدائم الذي باتت تشكله طرابلس والذي يمتد في كل مرة ينفجر فيه الوضع هناك، الى سائر المناطق اللبنانية، يرفع من منسوبه عامل الجماعات المسلحة التكفيرية المتنقلة بين لبنان وسوريا، وخلاياها النائمة في مناطق لبنانية عدة والتي تتحرك على وقع الميدان السوري، فهذا الانفلات الأمني بفعل تواجد أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري، يزيد الوضع تعقيدا، في ظل تقصير فاضح من وزارة الداخلية وسائر الأجهزة المعنية والبلديات في القيام بدورها بإحصاء النازحين الى لبنان، منذ بدء تدفقهم إليه لتحديد هوياتهم وأماكن سكنهم، وهذه الاجراءات كانت كفيلة لضبط تحركات النازحين السوريين على مختلف أنواعهم.
 وفيما يتلهى اللبنانيون بالملفات السياسية الداخلية من تشكيل الحكومة الى استحقاقات الانتخابات النيابية والقانون الجديد الذي يجب اقراره للذهاب الى إجراء الانتخابات، وصولا الى الاستحقاق الرئاسي، متناسين عن قصد الملف الاقتصادي المعيشي الذي يرزح تحته المواطن اللبناني، يخشى من ضياع الثروة النفطية الموعودة للبنان، بعدما تجاوز التوصيف في هذا الملف الاهمال، ليتحول الى تواطئ داخلي من تيار المستقبل وحلفائه مع المملكة العربية السعودية التي تتقاطع مصالحها مع العدو الاسرائيلي، في محاولة منع لبنان من استخراج نفطه.
على رغم هذه التطورات المصيرية، يكثر الجدال  حيال دور المسيحيين وموقعهم في الصراع الدائر في منطقة المشرق العربي، هذا الجدال حاول المؤتمر المسيحي الذي انعقد أخيرا في بيروت برعاية وحضور القائد المشرقي العماد ميشال عون، وضمّ وفودا من مختلف البلدان العربية، وضع أطر فكرية وعملية له، ودائما ما يأخذ هذا الجدل منحى أكثر جدية عند وقوع الازمات في منطقة المشرق والذي ينعكس دائما على لبنان كما هو حاصل راهنا، ويشبه الى حدّ بعيد الوضع الذي كان سائدا غداة الحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز 2006، والنظريات في هذا السياق أصبحت معروفة، من داعين الى الحياد او بسياسة النأي بالنفس، وهما مفهومان متشابهان في الاسلوب والنتيجة، الى الذين ينادون بالسير مع الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل، إلا ان هؤلاء لا يقولون ذلك صراحة، بل يلجأون الى تبسيط الخطاب السياسي وتزييف المصطلاحات باستخدامهم المفردات في غير معناها ومدلولها، كالقول الا يجوز معاداة المجتمع الدولي، اوالادعاء بان ما يسمى المجتمع الدولي يحتكر الدفاع عن حقوق الانسان وشرعة الامم المتحدة، وبات معلوما وواضحا زيف هذه الادعاءات بعد كل المآسي التي احدثتها هذه الدول الغربية بالبشرية طوال التاريخ، بواسطة حروبها المستمرة حول العالم.
من هنا تكمن أهمية مسيحيي لبنان والمنطقة في التنبّه لما يخطط لهم، بعدما تكشّفت تفاصيل المخطط الغربي بافراغ المشرق من مسيحييه، وعلى المسيحيين المشرقيين تحديد موقعهم الإستراتيجي في الصراع الدائر في المنطقة وبالتحديد في سوريا، بعد فشل أهداف الهجمة الدولية والاقليمية على سوريا، والتي هدفت الى ضرب محور المقاومة، ممّا يستوجب من المسيحيين الذين شكلوا على مدى تاريخهم، صمام الأمان لمشرق تعددي منفتح ومتقبل للآخر، التمركز في المحور الصحيح، ليشكلوا جزءا من الحل السائر على قدمٍ وساق في المنطقة، لا أن يكونوا هم المشكلة التي يجب التخلص منها، فالنظام العالمي الجديد يعاد إنتاجه اليوم إنطلاقا من منطقتنا، وطبيعة هذا النظام والمتحكمين فيه، سيرسم الخارطة الجيو- سياسية العالمية لمئات السنين المقبلة. 
12/11/2013

Comments