حكومة المصلحة الوطنية تسابق التفجيرات الإرهابية
نسيم بو سمرا
يتأرجح اللبنانيون في ممارسة
السياسة بين الماضي والمستقبل، متناسين حاضرهم الذي يؤسس لغدهم، والمواقف التي
يتخذونها في الحاضر، إمّا أن تحقق أهدافهم، أو تكون وبالا عليهم، فالفرص الكثيرة
المعطاة للمواطن في النظام الديمقراطي لإبداء رأيه تأتي غالباً من خلال
الاستحقاقات الدورية، إلا أنّ الوقت الفاصل في ما بين هذه الإستحقاقات، هو الذي يبنى
عليه لاتخاذ القرار الصحيح ، وهنا بيت القصيد، فإذا كان النظام الديمقراطي من أفضل
الأنظمة التي تتيح للغالبية المسماة (Masse)، من أن تشارك في القرار مع النخبة(Elite)، إلا ان المسؤولية في النهاية
تقع على هذه النخبة في توجيه الرأي العام، إما نحو صالحه، أو ضد مصالحه.
إنّ تأليف الحكومة بعد عشرة أشهر
ونيف، دفع ببعض القوى القريبة من حزب الله والتيار الوطني الحر الى انتقاد ما أسموه
بالتنازلات التي قام بها هذا الفريق، وهم من حقهم في مطلق الأحوال إعطاء رأيهم في
ما حصل سلباً أم إيجاباً، بحسب ما أشار الأمين العام لحزب الله السيد نصرالله في
ذكرى القادة الشهداء، موضحاً أنّ كل إنسان يرى الموضوع بحسب موقعه، إلاّ أنه اشار
الى أنّ وجود الحكومة، يحقق أهدافا إستراتيجية في هذه المرحلة، واصفا إياها بحكومة
المصلحة الوطنية، في حين أشار رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون الى
أنّ تشكيل الحكومة في هذا الوقت بالذات يهدف الى تطبيع العلاقات بين اللبنانيين وسحب
فتائل التفجير، كاشفا أنّ العلاقة المستجدة مع تيار المستقبل تصبّ في هذا الإطار، وفي
مطلق الأحوال إنّ انفتاح التيار على الجميع والحركة السياسية النشطة للعماد ميشال
عون في الفترة الأخيرة، أدّت الى تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء، وبخاصة بين حزب
الله وتيار المستقبل، ما ساهم من جهة أولى في تشكيل الحكومة، من دون التفريط
بالانجازات التي تحققت وبخاصة في ملف الثروة النفطية التي تشكل الأمل التي من
الممكن بواسطتها انتشال لبنان إقتصاديا؛ وأدّى من جهة أخرى الى تحصين الساحة
الداخلية، من دون أن يعني ذلك توقف العمليات الإرهابية في شكل تام، وقد أكّد
العماد عون في تعليقه على تفجيري بئر حسن، أنّ الكثير من الأطراف الخارجية تضررت
من تكاتف الأفرقاء السياسية في الحكومة، فقاموا بهذه الردة الفعل الإجرامية.
فتفجيرا بئر حسن الانتحاريين،
اللذان أستهدفا المستشارية الإيرانية ودار الأيتام الإسلامية، يحملان إمضاء
الجماعات التكفيرية نفسها التي تعيث فسادا في سوريا، وفي هذا السياق دانت الداخلية السورية الاعمال الارهابية التي تضرب لبنان،
مؤكدةً استعدادها للتعاون مع الحكومة اللبنانية لمكافحة الارهاب والعمل على ملاحقة
الارهابيين وادواتهم ، ولكن السؤال يبقى: ما هي السبل للتصدي لهذه الأفكار
المتطرفة المدمرة للمجتمعات العربية، ولا بد من الإشارة الى أنّ مسلسل الحديد
والنار الذي يغرق المشرق والمغرب العربيين بحمامات من الدماء، يصبّ في النهاية في
خدمة المشروع الصهيوني- الوهابي الساعي الى تفتيت الدول العربية الى كيانات متصارعة
على الدوام وغير قابلة للحياة.
أمّا الجواب فيكمن في أنّ الفكر
المتطرف الذي يستخدم الإرهاب وسيلة لتحقيق أهدافه، يستوجب من أهل البيت في شكل خاص
التصدي له، وأهل السنة هم الأكثر تضررا من هذا الفكر التكفيري والذي يكفرهم قبل
غيرهم، وذلك يتمّ من خلال نشر الفكر
المعتدل المنبثق من صلب الدين الإسلامي الرحوم، بالتوازي مع معالجة الأسباب الإجتماعية التي تؤمن البيئة
الحاضنة الدينية والسياسية لهذه الحركات المتطرفة، أمّا من ناحية المعالجة الأمنية
فيكفي من السلطة السياسية تأمين الغطاء اللازم للأجهزة الأمنية وللجيش في شكل خاص
لملاحقة الإرهابيين وتحويلهم الى القضاء، من دون أن يخرج أحد ليتظاهر مطالبا
بإطلاقهم، كما يحصل غالباً، ومن المنتظر تصاعد الأعمال التفجيرية في لبنان في
المرحلة المقبلة، على وقع تضييق الخناق أكثر فأكثر، على المعارضة المسلحة في مدينة
يبرود الاستراتيجية، والتي ستؤدي في حال نجح الجيش السوري وحزب الله من اقتحامها،
كما حصل في القصير وريفها، الى سقوط منطقة القلمون بالكامل، وتأمين الحدود
اللبنانية السورية في شكل شبه تام، فيما لا تزال الصورة غامضة، في الحل الذي سيتبع
في بلدة عرسال، التي يفر إليها المزيد من المسلحين القادمين من القلمون، ما سيضع
الحكومة الجديدة أمام مسؤولياتها، لجهة السماح للجيش بمعالجة الأمر من دون الدخول
مجددا في سياسة غض الطرف وعدم الحسم، لئلا تضاف عرسال الى لائحة المناطق الأخرى
التي تشكل بؤرا للتوتر وعاملا إضافيا من عوامل التفجير، مثل طرابلس وبعض المخيمات
الفلسطينية في بيروت وجنوب لبنان.
Comments
Post a Comment