رئيس تسوية مفروض من الخارج أم رئيس وفاقي يختاره اللبنانيون؟



نسيم بو سمرا

بعدما انقضت المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية، وإمرار الساعات الأخيرة لولاية الرئيس ميشال سليمان بحفلٍ وداعي في قصر بعبدا، يدخل لبنان رسميا في مرحلة الشغور الرئاسي، على شرط عدم إطالة أمدها كي لا يتحول الشغور الى فراغ يطال المؤسسات كافة، سيما أنّ مجلس الوزراء وإن كانت صلاحيات الرئيس محالة إليه بالوكالة وليس بالأصالة بالطبع، إلا انه لا يمكنه ممارستها إلا بالحد الأدنى، في حين ان الانقسام الحاصل حيال موضوع التشريع في ظل غياب الرئيس، سيؤدي حكماً الى عدم انعقاد مجلس النواب للقيام بدوره، ونحن أمام ما يمكن أن يتطور الى ثورة إجتماعية في حال لم تقر سلسلة الرتب والرواتب، وبالتالي بات من الملح انتخاب رئيس جديد للجمهورية لإعادة انتظام الحياة السياسية، ولكن هل سيشكل الضغط الناجم عن الفراغ،  وصول رئيس تسووي للجمهورية؟

هو المسار الذي درجت على سلوكه الانتخابات الرئاسية منذ اتفاق الطائف، وكان الرئيس يأتي استنادا الى رغبة الدول الخارجية، من الولايات المتحدة الى فرنسا والسعودية وصولا الى سوريا، مع التذكير بأنّ الرئيس ميشال سليمان وصل بدعم فرنسي- قطري ورضى دولي، بموجب اتفاق الدوحة، أمّا الاستحقاق الراهن فكان يمكن أن يكون صناعة لبنانية، لو تمّ انتخاب الرئيس ضمن المهلة الدستورية، وكان سيشكل فرصة حقيقية للإتيان برئيس يختاره اللبنانيون ويرضى به العالم، ولا يفرض على اللبنانيين كما تثبت تجارب العهود السابقة.
في المبدأ وفي حال فشلت الكتل السياسية في الاتفاق على رئيس، وهذا ما يسعى إليه بعض المتضررين من وصول رئيس قوي ووفاقي الى قصر بعبدا، يعيد العمل بالميثاق الوطني القائم على التوازن؛ يسوق البعض للإتيان برئيس توافقي أو تسووي يكون من خارج الاصطفافات السياسية، ما يعني الاتيان برئيس ضعيف لا حيثية شعبية له، ولا يملك كتلة نيابية وازنة تمكنه من تنفيذ سياسته العامة للدولة، وبالتالي يصبح هكذا رئيس معزولا وخاضعا للكتل النيابية أو لرؤساء هذه الكتل التي تتحكم بالحكومة من خلال تسمية رئيس الحكومة بالاستشارات الملزمة، وتجربة الرئيس السابق ميشال سليمان في هذا السياق خير دليل، وهذا ما دفعه في نهاية عهده الى محاولة الاستعاضة عن عجزه في الداخل إمّا بالانحياز الى سياسة أحد الفريقين، أو بالسير في ركب سياسات الدول المؤثرة على الساحة اللبنانية.
إنّ تمسك قوى 14 آذار بالمرشح سمير جعجع يندرج في خانة تعطيل الاستحقاق الرئاسي، كون جعجع مرفوض من أكثرية اللبنانيين وبخاصة المسيحيين منهم، إلاّ أنّه من غير المفهوم موقف بكركي غير الحازم في هذا السياق والساعي الى الاتيان برئيس يهبط على اللبنانيين بالمظلة، في وقتٍ على الكنيسة أن تأخذ موقفا مع الحق في وجه الباطل، وبذلك تأتي ممارستها للسياسة من باب التوجيه والنصح، كما هو مفترض بسبب موقعها المعنوي المحترم من جميع اللبنانيين على مختلف طوائفهم، غير أنّ تدخل بكركي في الزواريب السياسية، يضرب دورها الوطني.
بات نظامنا السياسي بحاجة لإعادة النظر، وذلك بايجاد آليات ديمقراطية تحل المشكلات المعترضة وتحول دون اصطدام مكونات المجتمع بعضهم ببعض، أمّا من جهة ثانية فبات لزاماً على الجميع تقديم تطمينات وتعهدات للمسيحيين الذين همش دورهم في المرحلة السابقة، وتمتد اليد على حقوقهم في كل إستحقاق صغير أو كبير، فكيف إذا كان الاستحقاق يتعلق برئيس الدولة، المؤتمن على الدستور والضابط الفعلي للإنتظام السياسي، على رغم قلة صلاحياته؟ في حين أنّ المسيحيين يحافظون على وجودهم في هذا المشرق من خلال دورهم الفاعل في تطوير مجتمعاتهم وفي الانخراط في النظم السياسية في بلدانهم، أمّا لبنان وفي هذه المرحلة المصيرية بالذات فبات بحاجة لرئيس منقذ، يحقق الحلم بدولة نزيهة تسودها العدالة والمساواة بين المواطنين وتحمي بقوة جيشها ومقاومتها حدودها وأمنها القومي، رئيس يملك تجربة ناجحة وماضيه مشرف؛ لبنان بحاجة لرئيس يعيد وصل ما انقطع بين مكونات المجتمع اللبناني ويشكل الضمانة للأطراف كافة، ما يدفعهم للتعاون معاً لاعادة تكوين السلطة في لبنان، وهذه المواصفات لا يمكن أن تنطبق إلاّ على رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، الذي بنهجه الحواري منذ توقيعه وثيقة التفاهم مع حزب الله تمكن من خرق الاصطفافات العامودية الناشئة بين اللبنانيين نتيجة الحرب اللبنانية، وقد تمكّن أخيرا من خلال فتحه خطوط التواصل مع رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، الى تسهيل تشكيل حكومة بعد انقضاء أحد عشر شهرا على مرسوم التشكيل، وانعكست ظلال تشكيل الحكومة على إمرار التعيينات الإدارية والقضائية والأهم كان إنجاز الحل الأمني وبخاصة في طرابلس، وذلك بفضل فتح الباب أمام تنسيق أمني على أعلى المستويات بين تيار المستقبل وحزب الله، وقد قطع هذا التعاون اشواطا لجهة ملف مكافحة الإرهاب التكفيري، بين الحج وفيق صفا عن حزب الله ووزيري الداخلية والعدل، وهذا التلاقي بين خصوم الأمس سيتوج حتماً بوصول الرئيس العماد ميشال عون الى سدة الرئاسة.
25 أيار 2014

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا