هل تنعكس الأحداث العراقية تفجيرا على الساحة اللبنانية؟

نسيم بو سمرا

 

يخشى اللبنانيون من ارتدادات ما يحصل في العراق لجهة اعادة تحريك الخلايا التكفيرية النائمة في الشمال، والتي استبق فوج المجوقل في الجيش اي تحرك محتمل لها، بإطلاق عملية أمنية منذ يومين، أسماها عملية "تحليق النسور" والتي ما زالت مستمرة، وتمكن الجيش بعد تنفيذ عمليات دهم واسعة في جرود عرسال، ضاربا طوقا على مخيمات النازحين السوريين في المنطقة، من توقيف عدد من السوريين المنتمين الى كتائب عبدالله عزام الارهابية وضبط بحوزتهم أسلحة وكاميرات تصوير واجهزة كومبيوتر وأقراصا مدمجة، فيما كان الطيران السوري يلاحق المسلحين من الجهة المقابلة.

أمّا في العراق فأطلق رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي التعبئة العامة التي نجحت في تطويع مئات الآلاف من الشباب العراقي، معلنا بدء حملة تطهير العراق من الجماعات التكفيرية، والتي سيطرت في غزواتها منذ الثلثاء الفائت على مناطق واسعة بدءاً من الفلوجة الواقعة على بعد مئة كيلوميتر فقط من بغداد صعودا نحو الشمال الى محافظتي صلاح الدين ونينوى مرورا بالرقة السورية حتى حلب، ليربط تنظيم داعش المناطق العراقية بتلك السورية الذي يسيطر عليها معززا بذلك طرق إمداده العسكرية، والأهم أن بسيطرته على هذه المنطقة، يكون التنظيم تمكّن من قطع طريق إمداد حزب الله بالسلاح الذي يأتي من ايران عبر الموصل مرورا بسوريا وصولا الى لبنان، إلاّ أنّ الجيش العراقي سارع الى النزول الى المعركة محققا تقدماً ملحوظاً في قتاله داعش في اليومين الماضيين.

ولكن ما الذي حصل وفي هذا التوقيت بالذات، وكيف تمكن بضعة آلاف من الداعشيين من الزحف بهذه السرعة والسيطرة على مناطق شاسعة وبالاخص على مدينة الموصل ثاني أكبر مدن شمال العراق، مع العلم أنه يدرك جيدا عدم تمكنه من الاحتفاظ بهذه المساحات الواسعة بإمكاناته المحدودة، ولكنه بات من أكثر التنظيمات الارهابية تمويلا بعدما استولى على 425 مليون دولار من بنوك الموصل من ذهب ودولارات أميركية، فضلا عن سيطرته على منابع النفط في كركوك، وهذا التنظيم تلقى تدريبات في تركيا في ثلاثة مراكز وتحت أعين وكالة الاستخبارات الاميركية، ونذكر ان مجموعة المهاجمين من داعش على محافظة صلاح الدين، بلغت ثلاثة آلاف عنصر في مقابل أربعين ألف شرطي متواجدين في المدينة، والذين فروا قبيل بدء الهجوم من دون قتال، وقد توضحت الصورة في ما بعد وانكشف التعاون والتواطؤ بين داعش وعناصر بعثية تغلغلت في صفوف الجيش العراقي وهي انتظرت ساعة الصفر للهجوم، فأخلت مراكزها العسكرية مسلمة محافظة نينوى وصلاح الدين وتكريت الى المهاجمين، أما القوات الكردية التي تشكل معظم القوة المتواجدة في محافظة صلاح الدين والتي انسحبت الى كركوك بحجة الدفاع عن مناطقها الكردية، فتبين أنها استغلت هذه الحالة الفوضوية التي نشأت في صفوف القوى الأمنية العراقية، ليحقق الأكراد في شمال البلاد هدفهم في إقامة دولتهم الخاصة، وهو المشروع الأساسي التي عملت جاهدة الولايات المتحدة بالتعاون مع المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا وإسرائيل على تحقيقه في العراق، هذا المشروع القائم على تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات طائفية كردية في الشمال وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب، وكان يراد من وراء هذا المشروع، أن ينسحب على تقسيم سوريا ايضاً وتنخرط فيه إسرائيل بقوة بواسطة الاتفاق المبرم مع الجماعات المسلحة، يتبادل بموجبه الطرفان المعلومات الامنية مقابل السلاح والعلاج الذي تقدمه اسرائيل لهم، بالتوازي مع دعم السعودية لهذه الجماعات على حدودها مع العراق مؤمنة لهم حرية الحركة والتمويل الجيد.
هذا المخطط أخذ حيز التنفيذ بهذه الطريقة، بعدما لم يتمكنوا من تحقيقه بالوسائل السياسية من خلال اسقاط المالكي في الانتخابات، وتجدر الإشارة هنا الى ان الحكومة العراقية وقبل الانتخابات الأخيرة، كانت تحظى أيضاً كما راهناً، بدعم إيراني وهي رفضت ابرام معاهدة مع الولايات المتحدة قبيل انسحابها من العراق، تبقي بموجبها بعض الجيوش الاميركية مرابضة بصورة دائمة في بلاد الرافدين.
إلاّ أنّ من المفيد عرض الاسباب الموجبة والتي أسهمت في وصول الوضع في العراق إلى ما هو عليه راهنا، وبخاصة أنّ العملية السياسية ذهبت في مسار ديمقراطي في انتخابات نيابية حصل على الأكثرية فيها رئيس الوزراء المالكي، غير أنّ الخلافات بين مكونات المجتمع العراقي طافت على سطح الأحداث في مرحلة ما بعد الانتخابات، ما أفسح المجال أمام المتربصين بالعراق وشعبه بتحديد ساعة الصفر لبدء تنفيذ مخطط الانقلاب على ارادة الشعب، وتحت عنوان "نصرة أهل السنة المظلومين في العراق"، اجتمع جميع المتضررين من إعادة نهضة العراق في خندق واحد ضمّ الى جانب تنظيم داعش، فلول من حزب البعث العربي الاشتراكي المنحل في العراق يترأسه المطلوب للعدالة عزة الدوري المتواري عن الأنظار، والذي أصدر بيانا أكد فيه مشاركة حزب البعث في الهجمات التي تشنها جماعة “الدولة الاسلامية في العراق والشام، منذ عدة أيام على محافظات عراقية، امّا في المواقف الداعمة للحكومة العراقية والتي هبّت لنجدة العراق، وأحدثت تحولا في المعارك الدائرة، كان أولها المرجعية الدينية الشيعية علي السيستاني الذي أعلن التكليف العام دفاعاً عن العراق ضد الجماعات التكفيرية، في وقت أعلنت جماعة علماء العراق في البصرة، أن أهل السنة في البصرة يساندون القوات الامنية العراقية مساندة كاملة في قتالها ضد داعش، سائلة "كيف تكون هناك ثورة سنة واهل السنة انفسهم يذبحون ويقتلون ويهجرون في الموصل".
وتبقى العبرة في الرد من قبل محور الممانعة على تجاوز واشنطن وحلفائها الإقليميين حدود المسموح به، من خلال الاجتماع الذي عقد في دمشق بعيد التطورات العراقية، وضمّ إيران والعراق وسوريا، تحت عنوان تفعيل الأمن الإقليمي، من أجل صد الهجوم الجديد القديم الذي يشنه المحور الغربي على هذه البلدان مجتمعة، وبعد فشل إحداث خرق إنطلاقا من البوابة السورية، سيفشل هذا الخرق المزمع تحقيقه اليوم من خلال البوابة العراقية، وقد بدأت نتائج هذا التعاون بين دول محور الممانعة التي لا يغيب عنها حزب الله بالطبع كقوة إقليمية بات يحسب له الف حساب، تظهر في الميدان العراقي.

15/6/2014


Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا