Skip to main content

الحرب على غزة ونتائجها على مستقبل المشرق



نسيم بو سمرا

مشكورة مبادرة صاحب جريدة السفير طلال سلمان بتوحيد نشرات الأخبار تضامنا مع غزة وهي كانت مطلوبة من الناحية الانسانية على الأخص وبغض النظر عن الموقف السياسي لبعض الأفرقاء اللبنانيين من القضية الفلسطينية، لأنّ لا شيئ يبرر استهداف المدنيين الذين وصل عدد ضحاياهم جراء القصف الممنهج على منازلهم الى أكثر من 800 قتيل وحوالى 6000 جريح في سبعة عشر يوماً فقط، معظمهم من الاطفال والنساء، ونحن في لبنان عانينا من إرهاب العدو الاسرائيلي على شعبنا منذ احتلال فلسطين في العام 1948 لناحية اعتداءاته المتكررة على أرضنا ولغاية عدوانه الأخير على لبنان في تموز ال 2006 ومن دون ان ننسى استمرار هذا العدوان على شعبنا حتى اليوم في البر والجو والبحر، فضلا عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين التي نتجت عن اقتلاع شعب من أرضه، ولجوئهم إلى لبنان، الذي لا يمكنه تحمل أعباء هذا اللجوء المستمر حتى يومنا هذا؛ غير أن وعلى أهمية توحد اللبنانيين حيال الحرب على غزة، إلاّ أنّ انقساماتهم تبقى حادة في مواضيع شتى داخلية وخارجية أيضاً، في وقت اتخذ لبنان الرسمي في جلسة مجلس الوزراء أمس قرارا بتكليف وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل توجيه رسالتين الى المحكمة الجنائية في لاهاي في ما خصّ غزة والموصل، في الأولى يطلب فيها لبنان محاكمة إسرائيل لارتكابها جرائم حرب في حق الفلسطينيين، ويطلب في الثانية تجريم تنظيم داعش على ممارسته عمليات تطهير ديني وتهجير جماعي في حق مسيحيي الموصل، وتأتي مناشدة بعض المرجعيات الروحية والقيادات السياسية بتوحيد الموقف ممّا يحصل لمسيحيي العراق، في مكانها الصحيح ، إسوة بالموقف الموحد تجاه غزة، ونظرا لأن مسيحيي الموصل هم أحفاد البابليين والاشوريين، ولأول مرة في تاريخ العراق تخلو الموصل من المسيحيين، ونسأل في هذا الاطار ، لماذا لم تقم مبادرات مماثلة حينما استهدف الجيش اللبناني وفي مناسبات عدة من الارهاب، لا بل وجد من بعض السياسيين ومشايخ الدين السنة من وقف الى جانب الارهابيين ضد الجيش وما التظاهرات التي تنظم راهنا في طرابلس لإطلاق مطلوبين وقعوا في قبضة الجيش إلا تأكيدا على وضع شاذ يجب أن ينبذه المجتمع اللبناني.
إنّ موقف رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون الذي أعلنه بعد اجتماع التكتل في الرابية، لناحية الأخطار التي تتهدّد مستقبل المشرق، وضع الاصبع على الجرح النازف والذي بات يهدد وجود المشرق الحضاري كما نعرفه، مؤكدا ان ما يحصل راهنا وبالتوازي، هو السعي إلى إلغاء مكونين أساسيين لمشرقنا العربي، هما الهوية الفلسطينية والوجود المسيحي، ويوضح العماد عون أن في حال انكسار المقاومة الفلسطينية أمام إسرائيل، فذلك سيؤدي الى إخضاع الفلسطينيين وإنهاء قضيتهم وبالتالي توطين فلسطينيي الشتات في أماكن تواجدهم في مختلف البلدان العربية، أمّا لجهة إنهاء الوجود المسيحي فبات واضحا أنّ ذلك يصب أيضا لصالح الصهيوينة العالمية، فمن جهة أولى يزكي هذا الوضع الصراع السني- الشيعي ما يؤدي الى تقسيم الدول العربية الى كيانات مذهبية متناحرة، ويريح إسرائيل في النهاية بسبب تشتت القوى المحيطة بها وضعفها، ومن جهة أخرى يزول التهديد الداخلي عن إسرائيل بسبب انتهاء المقاومة وقضيتها في فلسطين، والشريك الرئيسي الدائم في هذا المشروع الصهيوني، هي الولايات المتحدة الأميركية التي ما زالت على رغم النكسات التي منيت بها سياساتها في سوريا، تدعم هكذا مشروع يؤجج الصراعات ويمدّ الفكر التكفيري الإلغائي بأسباب بقائه.
بات من الملحّ إجراء مراجعة عميقة للانقسام العامودي بين اللبنانيين على مواضيع مفصلية، تدخل في صلب علاقاتهم الاجتماعية وتؤثر عليها سلبا، وبخاصة أنّ الأداء السياسي لبعض أفرقاء الداخل تجاه المكون المسيحي، من خلال الاستمرار في إقصائه وتهميش دوره في النظام؛ وما التعاطي في ما خصّ الاستحقاق الرئاسي إلاّ دليل على نيات هذا الفريق تجاه المسيحيين؛ هذا الاداء يعبر عن عدم إدراكهم لمخاطر هذه السياسة على التوازن الداخلي، والذي يزداد هشاشة مع موجة التكفير التي تضرب المشرق العربي برمته.
ويبقى الحراك الدولي تجاه محاولات إلغاء الوجود المسيحيي في العراق دون المستوى المطلوب والذي لم يرق الى مستوى الاستنكار حتى، ما خلا بعض مواقف رؤساء الطوائف الكلدانية والأشورية التي دعت الى حماية مسيحيي العراق، فيما المجتمع الدولي تخلى عن أي معايير إنسانية في تعاطيه مع الشعوب، في حين نعلم ان ما يسمى المجتمع الدولي خاضع لسياسات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وهو شريك في هذه السياسة المدمرة لحضارات الشعوب ولثقافتها، وبناء عليه تمارس الأمم المتحدة سياسة الابتزاز الاقتصادي والاجتماعي في استغلالها لمآسي الشعوب في مختلف اصقاع العالم، وتفسح المجال للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لرهن إرادة هذه الشعوب من خلال فرض سياسات مالية تضر بنموها الاقتصادي، ولكن تراكم في المقابل الثروات في جيوب القلة الفاسدة من الطبقة الحاكمة لهذه البلدان وشركائها في المجتمع الدولي، أمّا اللافت فما صدر عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان نافي بيلاي منذ يومين في ما خصّ ما يحدث في غزة من إرهاب على الشعب الفلسطيني، باكتفاء بيلاي بالتعبير عن الأسى لسقوط الضحايا بالمئات، مطالبة بتحقيق دولي تجاه جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي في غزة، وكأن الصور المروعة المتداولة على شاشات التلفزة المحلية والعالمية لا تكفي لتوجيه الاتهام الى اسرائيل في هذا السياق، ما يؤشر الى نية واضحة لإنقاذ الكيان الاسرائيلي من الادانة، إلاّ أن في مقابل هذا التمييع الدولي، تتخذ دول الممانعة موقفا مشرفاً وحازما كما العادة، من إيران الى العراق وسوريا وصولا الى حزب الله في لبنان، وعلى رغم الطعنات المتتالية من بعض فصائل المقاومة الفلسطينية في حقه في سوريا، إلاّ أنّ الوعي الذي يتمتع به  محور المقاومة ونظرته الاستراتيجية وعدائه لإسرائيل، يحتم وقوفه الى جانب هذه الفصائل بشتى توجهاتها، وهذا ما أكّد عليه الامين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي أطلّ شخصيا عصر اليوم، في الاحتفال الذي أقامه الحزب بمناسبة "يوم القدس" وتضامنا مع غزة شعبا ومقاومة، السيد الذي استهل كلمته بالتحية الى أرواح شهداء غزة والى جرحاها وشعبها الصامد، أكّد بقاء الحزب الى جانب الشعب الفلسطيني وكل فصائل المقاومة بلا استثناء، ودعا الى وضع كل الخلافات حول القضايا الأخرى جانباً لمقاربة مسألة غزة كمسألة شعب ومقاومة وقضية عادلة.

25 تموز 2006

Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

  *نسيم توما الهاشم يدعي سيد البلاستيك "إيلي نخله" انه تحت سقف القانون وانه سيحصل حقه بالقانون، فيما هو يخالف في عمله كل القوانين البيئية والصحية، وقد استغل منبر شبيبة لامارتين حمانا ليوصل رسالة تهديد الى قائد شبيبة لامارتين مباشرة على الهواء، فيما نحن ظننا للحظة انه نادم على تلويث البيئة ومستعد لاصلاح ما تضرر، ولذلك نقلنا وجهة نظره وأوصلنا صوته للرأي العام لأن مهنيتنا الصحافية تفرض علينا عرض الرأي الآخر، كي لا نتهم بالتحيز وليحكم الرأي العام في ما خص الجرائم البيئية التي ترتكب في حق وطننا لبنان وبلدتنا حمانا،  وبدل ان يشكرنا سيد البلاستيك الذي أطلق علي لقب "سيد البيئة" وانا افتخر بالمناسبة بهذا اللقب وهو شرف لكل من يملك حسا بيئيا ويقاتل للحفاظ على البيئة ضد الكارتيلات التي تستبيح البيئة وتلوث الطبيعة طمعا بالمال،  لا بل اكثر من ذلك راح يكيل التهم لشبيبة لامارتين حمانا،  ويهاجم بلدية حمانا التي اتخذت الاجراء بحقه وأجبرته على ازالة المخالفة، لأنه متعدي على الأملاك العامة، وهو يوضب بضاعته بشكل ملاصق  للنهر مباشرة، في موقع حساس جدآ بيئيآ؛ بدل ان يبتعد عشرة امطار عن...

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

  بعض السياسيين بلبنان مفكر حالو سعد الحريري  ومصدق شعار "لبنان اولا" اللي طرحتو جبهة ١٤ آذار المزورة...والمضحك اكثر انو مصدقين خبرية "الانحياز الى الدولة" والتي يخلطون بينها وبين السلطة، (في لبنان لا يوجد دولة بل سلطة مرتهنة للخارج بأغلب الاحيان) فيتبنوها شعارا الى جانب شعار ال ١٠٤٥٢ كم٢ السخيف هو ايضا؛ أولا هو منطق بعيد من الواقع لانه لا دولة في لبنان حتى يومنا هذا، فحتى عهد الرئيس ميشال عون فشل في بناء دولة، وما زالت دولتنا منهارة، وثانيا: كل عمرا المقاومات مشروعة دوليا وقوميا ووطنيا وتحل مكان الدولة حين تنهار الدولة، ولبنان ليس استثناء بل يشكل لبنان سابقة في تكامل المقاومة مع فكرة الدولة، ولا تتعارض او تتنافس معها؛ والدليل هو استطاعة الشهيد السيد حسن نصرالله فرض معادلة الردع التي استمرت ثمانية عشر عاما منذ العام 2006 وحتى ال 2024 والمثال الآخر هو ترسيم الحدود البحرية مع العدو الذي اعطى للبنان كامل حقوقه في نفطه وبلوكات غازه حيث لم يكن عهد الرئيس ميشال عون ليحقق هذا الانجاز، لولا مسيرات المقاومة التي حلقت لمرتين فوق حقل كاريش...ليرفع أحدهم شعاره الشهير حينها: ...

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

 *نسيم بو سمرا حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر. اليوم وبعد انهيار أسس ال...