الحريرية السياسية تعلن إفلاسها
نسيم بو سمرا
http://www.tayyar.org/News/Lebanon/36949/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A5%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%87%D8%A7--%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%85-%D8%A8%D9%88-%D8%B3%D9%85%D8%B1%D8%A7-
لم يكن ينقص سوى
تهويل المسؤولين بخسارة لبنان تصنيفه الإئتماني العالمي وكأن لا يكفي اللبنانيين
ما لديهم من مشكلات في النفايات والطرقات والمياه والكهرباء والتلوث البيئي
والبطالة والهجرة وما يفوق المليون ونصف المليون من اللاجئين على أرضهم، ليأتي
وزير المال علي حسن خليل ويهدّد اللبنانيين بلقمة عيشهم وبخاصة موظفي الدولة وعلى
رأسهم العسكريين، مع العلم أنًّ هذه الفئة الأخيرة يجب أن تكون خارج لعبة الحسابات
السياسية لما تقدمه للبنان من تضحيات، فالمؤسسة العسكرية وكافة المؤسسات الأمنية تبقى
الوحيدة على رغم الشواغر بالمستوى القيادي فيها، تعمل وتحمي اللبنانيين في أمنهم،
في حين أنَّ هكذا تصريح من وزير مال في أية دولة حتى في دول الموز يعتبر إعلان
إفلاس الدولة، فيما الخلفيات من هذا الخطاب تصب في خانة فرض جلسة تشريعية كيفما
كان ومن دون الأخذ بطلب تكتل التغيير والاصلاح بإدراج قانوني الانتخابات والجنسية
على رأس جدول الأعمال.
في المبدأ،
إنَّ ما وصل إليه لبنان على المستويات كافة يؤشر الى الانهيار التام، ويثبت أنَّ
الحريرية السياسية التي حكمت لبنان منذ اتفاق الطائف وما زالت، فشلت وأفلست لبنان،
ونحن اليوم نتخبط في الملفات الخدماتية الأساسية في النفايات والكهرباء والماء
وفضائح الصفقات والسرقات طافت على السطح "وطلعت ريحتها" نتيجة السياسة
الإقتصادية الريعية التي أرستها المدرسة الحريرية والتي قامت على أسس الاستدانة
للقيام بمشاريع غير واقعية لم تحقق للبنانيين سوى مزيد من التخلف الاقتصادي والبؤس
الشديد وأخطر تجليات هذه السياسة الاقتصادية كانت بإفراغ لبنان من شبابه، أمّا كيف
تستمر هذه المدرسة بحكم لبنان حتى يومنا هذا فبالأدوات نفسها وبالنهج نفسه أي
الترويكا المؤلفة من الحريري، بري وجنبلاط.
إنّ التوجه
الإقتصادي الذي تختاره الدول يجب أن ينسجم مع حجم دخلها القومي، أمّا إغراءات
البنك الدولي فتقوم على إقناع الدول الصغيرة بالاستدانة ومن دون مراعاة حجم
اقتصادها، فتغرقها بالديون التي من المستحيل إيفاءها، وجل ما تفعله هذه الدول هو
تسديد فوائد هذا الدين، وهنا نصل الى ضرورة مقاربة نظامنا الإقتصادي، بسبب كونه المحرك الأساس للدورة
الإقتصادية والمؤثر المباشر على قيمة العملة ومدى ارتباطها بالقوة الشرائية
للمواطنين، فيجب البحث عن كيفية إعادة هيكلة النظام الرأسمالي المتبع في لبنان
وخاصة منذ استلام الحريرية السياسية دفة الإقتصاد فيه، والتي اعتمدت سياسة إقتصادية تدمّر القطاعات الإنتاجيّة لصالح القطاعات
الريعية، فالإقتصاد الريعي
شجّع على جلب الاستثمارات الاجنبية الى لبنان، هذا صحيح، ولكن هذه الإستثمارات
بطبيعتها تعمل على الربح السريع وتستعمل رساميلها في
المضاربات العقارية والإقراض بفائدة عالية على حساب قطاعات الصناعة والزراعة
والتجارة، فبدل إستثمار رؤوس الأموال في القطاعات المنتجة التي تخلق فرص العمل
للشباب، جمدت هذه الرساميل في العقارات وفي سندات الخزينة والسندات المالية بفائدة
عالية؛ أما حجم الإقتصاد المضخم الذي نراه في لبنان، أي إحتياطي النقد بالعملات
الاجنبية في البنوك اللبنانية(والذي يسوّق له حاكم مصرف لبنان والخبراء
الإقتصاديين كحل سحري لاقتصادنا المتعثر) هو ليس بضمانة لسببين: اولاً لأنه يستعمل
في المضاربات العقارية وما ينتج عنها من ارتفاع غير مبرر من الجانب الاقتصادي في
أسعار العقارات كونه لا يترافق مع نسبة الارتفاع في النمو، وثانياً يمكن سحبه من
لبنان عند اي استحقاق امني او هزة اقتصادية لأنه يتشكل من السيولة ولا يحتاج الى
الوقت للتسييل كما هي الحال في رؤوس الاموال الجامدة كالشركات، وفي المحصلة، ربما
من المفيد للبنان أن يخرج من دوامة الاستدانة الدولية، ليبني إقتصاده على أسس
علمية، ولربما حينئذ وبعد البدء باستخراج ثرواته الطبيعية من نفط وغاز في بحره، يحقق
بذلك رفاهية شعبه.
بالعودة الى نظام الطائف المتعثر والذي تعترف معظم
الطغمة السياسية التي حكمت لبنان منذ الطائف بفشله، إلاّ أنها لا تجرؤ على إعلان
وفاته، وذلك لأسباب عدة، أولها استفادة هذه الطغمة من الفساد الذي ينتجه نظام
الطائف وهذه التركيبة بنت نهجا كاملا طوال العقدين الأخيرين يقوم على الفساد، وليس
من مصلحتها تغيير هذا النظام وإصلاحه، بعكس القوى السياسية التي لم تتورط بالفساد
وهي دخلت حديثا في السلطة، كالتيار الوطني الحر وحزب الله على سبيل المثال لا
الحصر، وهذه القوى إذا نجحت بتغيير هذا النظام الفاسد المحمي من الطوائف، فستقفل
حينها بيوت معظم السياسيين الذين تستمر زعامتهم بالمال لا بالتأييد الشعبي، أمّا
في الحلول التي تخرجنا من دوامة الانتحار الوطني، فتبدأ بإقرار قانون جديد
للإنتخابات على أساس النسبية، وهذا القانون على النواب مناقشته في جلسة نيابية في
حال دعا إليها رئيس المجلس النيابي نبيه بري كما يجب، أي بإدراج قانون الانتخابات
على جدول الأعمال، أمّا قول الرئيس بري بأنه طالما لم يتم الاتفاق بعد على قانون
انتخاب فهو سيمتنع عن إدراج هذا القانون على جدول الأعمال، فمرفوض لأن من واجب
النواب مناقشة القوانين في الجلسات التشريعية والتوصل الى إقرارها لا أن يتم تعليب
مشاريع القوانين مسبقاً ليأتي النواب ويعطون موافقتهم عليها، فهذا النهج الموروث
من عهود غازي كنعان، لم يعد مقبولا في هذه المرحلة من حياتنا الوطنية، في وقتٍ تبدَّل
المزاج الشعبي وبات من الصعب الاستمرار بتنويمه وتمرير سياسات تضر بمستقبله.
Comments
Post a Comment