طغمة سياسية فاسدة تتحكم بمستقبل لبنان على طريقة المافيا الإيطالية


نسيم بو سمرا

http://www.tayyar.org/News/Lebanon/42738/%D8%B7%D8%BA%D9%85%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A8%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9

هي الطغمة السياسية نفسها التي تتحكم حتى اليوم بمفاصل الدولة اللبنانية وبالتالي بالحركة السياسية والتوجه الإقتصادي والمسار الإجتماعي، وهذه الطغمة متحالفة مع رجال المال والأعمال وعلى رأسهم البنوك والشركات الكبرى العابرة للقارات وهي ترسخ مواقعها ونفوذها بالتحالف مع رجال الدين من خلال المؤسسات الدينية وبذلك تتحكم بحياة المواطن بتفاصيلها منذ الولادة مرورا بدخوله المدرسة والجامعة وصولا الى معترك العمل والزواج، انتهاء بالموت، أمّا إبداع الطغمة السياسية الجديد، فيكمن بالتحكم بمصير الأجيال المقبلة، فالدين العام الذي راكموه بسمسراتهم وسرقاتهم منذ العام 1990 ويحكى عن وصوله الى 70 مليارا بحد أدنى، يحمِّل كل طفل لم يولد بعد عبئ هذا الدين ليبلغ 20 ألف دولارا أميركيا مستحق على كل مولود جديد لأجيال وأجيال قادمة.
الطغمة السياسية هذه يمكن تشبيهها بحسب تركيبتها بالمافيا، وتطبق القواعد المافيوية في السياسة اللبنانية على أكمل وجه، فلا يسمح للإصلاحي والتغييري والنظيف الانضمام الى النادي السياسي المحصور فقط بأصحاب المصالح وزعماء الطوائف، وكل من يحاول خرق هذا الواقع يتم كسره وعزله وهذا ما يحصل مع التيار الوطني الحر وحزب الله وبعض الشخصيات المستقلة الذين لم ينخرطوا في منظومة الفساد، ويتم ذلك وعلى طريقة المافيا، إما بالإغتيال أو بتشويه سمعتهم من خلال الإعلام المأجور او بتركيب ملفات قضائية وهمية بحقهم، كما حصل بالفعل مع الرئيس العماد ميشال عون بعد إبعاده عن لبنان وكما يحصل راهنا مع رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، وكما تمَّ تلفيق اتهام إغتيال الحريري في ال 2005 للضباط الأربعة ومن ورائهم الرئيس إميل لحود، وكذلك حصل مع حزب الله الذي خصصت لأجل تشويه سمعته المشرفة في العالم العربي بعد انتصاره على إسرائيل في تموز 2006 وقبلها بتحريره لبنان في ايار ال 2000، خصصت مبالغ طائلة من البترودولار لضرب هذه الإنجازات وبالتالي ضرب الحصانة التي حققتها هذه الانتصارات للبنان.
هذه الصورة ولو مالت الى التشاؤم إلا انها واقعا معاشا وبات يلمسه اللبنانيون جميعا، فالثروة الوطنية منهوبة من عدد محدود من الأشخاص، يحتكرون السوق ويوجهون الاقتصاد ويشرعون قوانين تحقق مصالحهم الخاصة على حساب الأكثرية من المواطنين، وهم يحظون بدعم صندوق النقد الدولي الذي يجري معهم صفقات تحت مسميات هبات وديون، تملأ جيوب السماسرة اللبنانيين وتؤمن فائدة عالية على المبلغ المقدم من الصندوق، وتذهب هذه المبالغ المدفوعة من الدول النامية التي لا قدرة لها على التحكم بمسار الدفع، الى خزائن الحكومة الأميركية التي تدير صندوق النقد الدولي ومن ورائه البنك الدولي.
إنّ الأوطان التي تحكم بالمافيا وعصابات الأموال وتبييضها وبالجريمة المنظمة لا بد لها في النهاية أن تندثر عن الخارطة الجغرافية في حال انتشر الفساد وعمم على معظم المواطنين، وتقوم المافيا في الواقع على تحالف حر بين عصابات إجرامية تجمعها بنية تنظيمية مشتركة وقواعد سلوكية موحدة، وتنطلق من مصالح مشتركة تقوم في الأساس على العائلة، أما في لبنان فقد توسع الإطار لتطال الطائفة والمذهب وطبقة رجال المال والأعمال الخ... والمثال الذي يمكننا التعلم منه يأتي من إيطاليا، ولإيطاليا قصة مع المافيا التي نشأت في جزيرة صقلية وتمددت في جميع مناطق إيطاليا لتنتشر اليوم في مختلف أنحاء أوروبا، وهي تمكنت من السيطرة على مؤسسات الدولة الايطالية بمعظمها قبل أن يتمكن القضاء الإيطالي الذي لم تقدر المافيا من خرقه بسبب استقلاليته ونزاهة قضائه، من إضعاف تركيبة هذه المنظمات الى حد بعيد وقد دفع قضاة كثيرون حياتهم ثمن تصديهم للمافيا الايطالية وعلى رأسهم القاضيان فالكون وبورسيلينو اللذان تم اغتيالهما عام 1992  في حادث تفجير مروع، وذلك بسبب توصلهما إلى تفاصيل كان من شأنها أن تؤدي إلى نتائج حاسمة في حرب الدولة الإيطالية ضد المافيا، وقد بلغت خطورة هذه المنظمات على حياة المواطنين والدول على حدّ سواء، بأن بدأ البحث في كل من الحكومة الإيطالية والبرلمان الأوروبي عن مخرج مقبول لملف المافيا الإيطالية لأنَّ النشاط الاجرامي لهذه المنظمات بات يؤثر بشكل كبير ومباشر على أوروبا، فإقتصاديات ألمانيا، إنجلترا وإسبانيا في المدة الأخيرة تشهد تسللا لعناصر المافيا فيها، وحكومات هذه الدول باتت عاجزة عن وقف تسللها في مختلف ارجاء القارة الأوروبية، ما سيشكل خطرا على الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف.

بالعودة الى واقعنا اللبناني، المافيا بدأت مع الحريرية السياسية بالسيطرة على الدورة الإقتصادية بتواطؤ دولي، ورهن قرار لبنان ومصير شعبه للمصالح الدولية، وهم لتحقيق ذلك زوروا تمثيل الشعب بالاتيان بمجلس نيابي حظي بموافقة 13% فقط من مجموع الشعب اللبناني في ما عارضه 87% منه، فشرّعوا قوانين تلائم توجههم بقانون تجنيس بهدف تغيير الديموغرافيا لصالحهم، وصف بالعار وقوانين اقتصادية ومالية عدة استباحت المال العام وحولته الى ملك خاص من أملاك بحرية ونهرية وغيرها كما صادرت أملاك المواطنين في وسط بيروت وحولتها الى شركة خاصة تعرف بسوليدير، يتملك معظمها خليجيون ورجال اعمال يهود باستثناء اللبناني الذي يشكل نسبة ضئيلة من المالكين في تلك المنطقة من بيروت، عاصمة لبنان، أمّا اليوم وبعد تسلطهم على حقوق غيرهم في الطائف وعلى رأسهم المسيحيين، يحاولون منع وصول رئيس قوي يمثل الشعب، وكيف يرضون بذلك وهم لم يتحملوا التغيير الكبير الذي أحدثه تكتل التغيير والاصلاح في الوزارات التي تسلمها منذ العام 2008، هذا على المستوى الوزاري، أمّا في الشق النيابي فشكل التكتل نموذجا يحتذى من خلال المشاريع الاصلاحية التي طرحت وأبصر بعضها النور، فالمافيا السياسية لن تهضم إصلاحيين يعملون لمصلحة المواطن، فهل سيقبلون برئيس يقلب الطاولة على لاعبيها؟ وهم اليوم يناورون بطرح ما يسمونه حلا بالاتيان برئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية، وهم الذين يحملونه مسؤولية اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري كونه كان وزير الداخلية آنذاك، وهم الذين ينعتونه ايضاً برجل بشار الأول في لبنان، ولكن لا نستغرب أن تقبل هذه الطغمة السياسية بالنائب فرنجية رئيسا للجمهورية لا بل قد يصل بهم الأمر الى القبول بالرئيس بشار الأسد نفسه رئيساً للبنان، فقط لقطع الطريق على الرئيس العماد ميشال عون، أمّا قانون الانتخاب فبالتأكيد لن يرى النور بحسب ما يتمناه ويطمح إليه الشعب اللبناني، كقانون عصري يخرج النظام السياسي المسخ الذي يتحكم برقابنا، من الفئوية والطائفية المتخلفة والمذهبية المقيتة، الى رحاب المواطنية، فقانون الانتخاب يبقى الأساس في إعادة إنتاج السلطة على أسس سليمة في حال قام هذا القانون على أساس النسبية، ولكن فلننتظر فترة الشهرين التي أعطيت للجنة المشكلة راهناً لإنتاج قانون جديد للإنتخابات.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا