الحرب اللبنانية مستمرة طالما ذكرى 13 نيسان لم تصبح عبرة

http://www.tayyar.org/News/Lebanon/70511/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-13-%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D8%A9--%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%85-%D8%A8%D9%88-%D8%B3%D9%85%D8%B1%D8%A7-


نسيم بو سمرا

في ذكرى 13 نيسان، من كل عام، تنتشر الصور على الصفحات الأولى للجرائد وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وتمتلئ الاذاعات والتلفزيونات بالبرامج التحليلية وتعبق الأجواء بالكلام المعسول والشعر والنثر بسيئات الحرب اللبنانية والبعض يرفض حتى تسميتها بالحرب الأهلية مع العلم ان جميع عناصر حصولها تصب في هذا التوصيف، وبأسف اللبنانيون على الضحايا والمخطوفين والمفقودين في هذه الحرب، وينظمون النشاطات والمعارض وتتصدر صورة بوسطة عين الرمانة الواجهات كرمز لهذه الحرب، ولكن مهلا، ما هذا الكذب والتكاذب، واللبنانيون قبل زعمائهم أمراء الحرب، يعيدون الكرة كل يوم بخطاباتهم وأفعالهم وانغلاقهم ورفضهم الآخر، في جميع نواحي الحياة الاجتماعية، من رفض الزواج المختلط الى رفض قانون جديد للأحوال الشخصية، وحتى أدبيات حديثهم اليومي تمتلئ بتعابير التمييز والطائفية والنظرة الفوقية او حس الدونية في بعض الأحيان، اما الذكرى التي تخطت عامها الأربعين، والتي كنّا نأمل أن تتحول الى عبرة، نظراً للأثمان الباهظة التي دفعها اللبنانيون من حياتهم وأمنهم واقتصادهم وحريتهم وتقدمهم ولا زالوا يعانون حتى اليوم من عدم الاستقرار على المستويات كافة، غير ان ما حدث منذ العام 1990 ، لم يوقف القتال سوى في الشوارع وبقائه في النفوس، وهو الأخطر، لأن بذوره موجودة ويمكن ان تفرِّخ متاريس جديدة في أي وقت تتوفر فيه الأرضية والظروف الدولية لذلك، لأن المصارحة بين مختلف الشرائح اللبنانية لم تتم بعد، فالذكرى لكي تصبح عبرة يجب ان يوفر لها عامل ما يسمى " تنقية الذاكرة"، وهذا الدرب الطويل يبدأ بالمصارحة لكي يصار بعدها الى المسامحة، وهي تجربة سبقتنا إليها دول عدة مثل جنوب أفريقيا التي عانت هي أيضا من حرب أهلية، حيث صدر قانون العفو عن جرائم الحرب بعد تحديد المسؤوليات وليس قبلها، فلا يمكن إصدار عفو عن مجهول ومن دون تحديد الفعل الجرمي كما حصل في لبنان، ما أدّى الى مخالفة أبسط المعايير المنطقية وبالتالي الى تغييب العدالة،  إلا أننا نعرف ايضاً ان العامل الداخلي لا يكفي وحده للوصول الى المصالحة، فللاحاطة بمختلف جوانب الموضوع، علينا ان نتطرق الى تأثير العامل الخارجي على المعادلة الداخلية، نظراً لقدرته على توجيه مجريات الاحداث، هذا العامل شكل دائماً دور الزناد الذي يطلق الرصاصة الاولى وبعدها تكر الرشقات، وقد أريد للأزمة السورية منذ بداية انطلاقتها ان تشكل الرصاصة الأولى، وبات معظم اللبنانيين مقتنعون اليوم بأن لبنان يشكل بالفعل الخاصرة الرخوة لسوريا.

لا شكّ ان الحرب اللبنانية لم تنتهِ، وهي مستمرة من خلال مناوشات محدودة في معظم الاوقات تتصاعد وتيرتها لتتحول الى معارك حقيقية في حال تقاطعت المصالح بين الخارج وبعض الداخل لاستخدام الساحة اللبنانية كبريد ترسل من خلالها الرسائل المختلفة، فيما الرسالة الوحيدة التي يجب على الشعب اللبناني ان يقرءها بتمعن، هي رسالة الشراكة والميثاق والمساواة والعدالة.
 كما بات معلوما ومكررا في أكثر من دراسة وبحث ومقال، هناك تفسيرا منطقيا لتركيز العالم الغربي على منطقة المشرق، وبخاصة سوريا ولبنان، كونها تقع على مفترق طرق توزيع الطاقة من الشرق الى الغرب وهي تشكل فاصلا بين مختلف قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا، ويراد لهذه المنطقة منذ ما قبل التاريخ أن تشكل ممرا لمصالح الدول، وليس مسموحا ان تنشأ فيها دول ذات سيادة تستفيد من موادها الاولية وتفرض شروطها على العالم الغربي وتتحكم بسير اقتصاده، فهذا العالم يحتاج لهذه المواد التي تضخ الحياة في شرايين اقتصاده، للإستمرار، بسبب اعتماده شبه الكلي على مصادر الطاقة التي لم يجد لها بعد بديلا حقيقيا على رغم اكتشاف مصادر أخرى مستدامة، فبقيت دولنا في الشرق لردهة طويلة من الزمن في حالة جمود على المستويات العلمية، وبقي نموها الاقتصادي في أدنى مستوياته، قبل ان تخرج دول المشرق من كبوتها، وبالاخص إيران التي دخلت في نادي الدول النووية اليوم، فبات على الدول الصناعية ان تغير مقاربتها وبالتالي أدائها في منطقتنا، وبخاصة بعد فرض روسيا نفسها لاعبا دوليا منافسا للولايات المتحدة من البوابة السورية بالتحديد، في وقت تتصاعد قوة دول البريكس والتي تقطّر اليوم مع الصين إقتصادها بواسطة البنك الآسيوي الذي بدأ يسحب البساط من البنك الدولي على الساحات الدولية.

في الخلاصة، إنّ مسار الاحداث راهنا على الساحة الشرق أوسطية، يعتبر مفصلي من الناحية الجيو- سياسية، ومن يملك القدرة على التحمل والصمود واجتراح الحلول للخروج بأقل كلفة ممكنة من المواجهة، سيفرض شروطه على الآخر، ولا بد لسقوط الاحادية الاميركية في العالم من أن تأخذ مفاعيلها سريعا بعد انتهاء الأزمة السورية وخروج مصر من مخاضها، فهاتين الدولتين تشكلان القلب النابض لمنطقة المشرق العربي، وخروجهما سالمين من الاحداث الاليمة التي يمران بها، سيعيد التوازن الى العلاقات الدولية وسيرسم ليس فقط خارطة المنطقة، لا بل سيعيد تشكيل النظام العالمي الذي تبنى مداميكه على الحق والعدل والمساواة، والمستفيد الأول من ها النظام الجديد ستكون الدول الصغيرة مثل لبنان، والذي سيبعد عنه شبح الحرب الداخلية الى غير رجعة، وذلك يتحقق بدرجة اولى بوعي الشعب اللبناني الذي يعيد إنتاج طبقة سياسية نظيفة وبعيدة عن القيادات التقليدية والاقطاعية والمافيوية التي تجدد لنفسها منذ مئات السنين، وثانيا بوقف الدول الكبرى تدخلها في تقرير مصير لبنان وإدارة شؤونه، نتيجة التوازن الدولي الجديد الذي تحقق.


Comments