شعار الوسطية: لا غالب ولا مغلوب
نسيم بو سمرا
تخطت الحكومة قطوع الكهرباء من خلال حلٍّ دمج بين استئجار بواخر توليد الطاقة وإنشاء معامل لتأمين إنتاج 1500 ميغاواط، على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، علماً أنّ التوازي بين المسارين تقوم عليه في الأساس خطة الكهرباء التي قدمها وزير الطاقة والمياه جبران باسيل؛ وفي وقتٍ يتخبط فيه المواطن بأزماته المعيشية ويرزح تحت ضغوط الملفات الحياتية من الأمن الى سلامة الغذاء والصحة مروراً بأزمة المحروقات في ظل استمرار إرتفاع أسعارها؛ يعمل البعض في المقابل على افتعال معارك جانبية لتحقيق انتصارات وهمية ولو جاءت على حساب أمن اللبنانيين الإجتماعي.
إنّ ما حصل في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة وما سبقها من حملة مبرمجة على التيار الوطني الحر والوزير باسيل من داخل الحكومة، تقاطعت مع حملة تيار المستقبل وحلفائه، ما يثبت أنّ النهج الحريري في الحكم ما زال مستمراً من خلال ما يسمى بالفريق الوسطي الذي يشمل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط، ما يعطينا الحق بالقول إنّ الفريق الأقوى في الحكم اليوم هو تيار المستقبل، فالنغمة نفسها تتكرر وتتمحور حول الهدف الذي يسعى إليه كل طرف من الأفرقاء الذين يشكلون الحكومة، والخلاف يقع بين مدرستين: الأولى تعرف بالمدرسة الحريرية والمسؤولة عن الوضع المتأزم الذي نشهده راهناً على مختلف الصعد، والثانية تتمثل بمدرسة التغيير والإصلاح التي تحاول معالجة الأمور العالقة والمستجدة بمقاربة مختلفة، وتتبع نهجاً قائماً على الشفافية ومحاربة الفساد، وقد شكلت هذه التجربة على رغم حداثتها نموذجاً في الممارسة السياسية في لبنان يسجل للتيار الوطني الحر.
لا يمكن ان ننكر ان الحكومة الراهنة حققت نجاحات في بعض الملفات، بدءاً بملف الكهرباء المزمن، مروراً بإقرار مشروع قانون بقطع الحساب منذ العام 2006 ولغاية 2010، في حين أن المسار المتبقي لإقرار الموازنة لا يخلو من المطبات، وصولا الى ملف تصحيح الأجور الذي لم يعط العمال بالطبع إلا جزءً يسيراً من حقوقهم، إلاّ انّ المقاربة الشاملة التي قدمها وزير العمل السابق شربل نحاس في هذا الإطار لا يمكن لأي حكومة تخطيها لاحقاً عند توفر الظروف الملائمة لإعادة طرح هذا الموضوع على بساط البحث، ونشير في هذا السياق الى أنّ العامل الرئيس من وراء إفشال الحل المتكامل الذي تقدم به نحاس سببه من جهة أولى ارتباط هذا الملف بشكل وثيق بالدورة الاقتصادية في البلاد والقائمة على الاقتصاد الريعي، وتآمر رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن مع الهيئات الاقتصادية على حقوق العمال من جهة اخرى، وهذا التواطئ بين طرفي الإنتاج شكل سابقة في تاريخ الحركات النقابية، لم نر مثيلا له حتى في النقابات العمالية الاكثر يمينية في أوروبا، أمّا الإنجاز الأبرز الذي حققته هذه الحكومة تمثل بفتح ملف الأمن الغذائي على مصراعيه من خلال مكافحة الغش المستشري في هذا القطاع، وهذه القضية لم تكن لتتخذ هذا البعد، لولا الاداء المتميز لوزير الزراعة حسين الحاج حسن الذي أصرّ منذ استلامه الوزارة على التصدّي لمافيا المواد الغذائية وملاحقة الذين يتاجرون بصحة الناس.
مع الأسف، تقع الذاكرة الجماعية للمجتمع اللبناني ضحية أنماط مبسطة وخادعة تقوم على التعميم، فيوضع الجميع في سلة واحدة ما يؤدي الى تعطيل الحس النقدي لدى المواطن وبالتالي الى ضياع المسؤولية، لذلك يجب دائماً التذكير بما حققه تكتل التغيير والاصلاح منذ دخوله الى السلطة ولغاية اليوم؛ ففي عرض سريع نرى أنّ وزراءنا نجحوا في وقف التدهور في وزاراتهم والمستمر منذ عقدين، وأعادوا الإنتاجية فيها، وتبقى المعركة الفاصلة في سياق تصحيح الأداء الحكومي، أمّا إنجازات التكتل في السلطة التشريعية فلا تقل أهمية، بدءاً من دوره الرقابي في اللجان النيابية، الى مشاريع القوانين التي تقدّم بها، والعدد الأكبر منها أقرّ بقوانين، إضافة الى إعادة الإعتبار للمؤسسات الدستورية والهيئات الرقابية.
ونذكر هنا بعض المعارك الرئيسة التي خاضها تكتل التغيير والإصلاح، أبرزها يتعلق بالملف المالي بعد ان تمكنت لجنة المال والموازنة من كشفت الهدر والسرقات في وزارة المال، وجاء تقرير صندوق النقد الدولي ليثبت صحّة ما توصلت إليه اللجنة، فيما يعمل التكتل لرفع الوصاية السياسية عن القضاء اللبناني، وهو كان واضحاً في رفضه مصادرة دوره من القضاء الدولي المتمثل بالمحكمة الخاصة بلبنان التي استباحت أمن المواطنين بالتعاون مع بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية، ووقف التكتل في وجه تسييس هذه الأجهزة والمحاولات الإنقلابية التي قامت بها، وكذلك أعاد تفعيل دور مجلس شورى الدولة من خلال الأخذ برأيه كما حصل في موضوع زيادة الأجور، ويخوض التكتل كباشاً مستمراً بالتصدّي للمشاريع المشبوهة التي تتيح بيع الأراضي للأجانب، وهو تقدم لهذه الغاية بمشروع قانون للحد من تملك الأجانب في لبنان، يناقش راهناً أمام لجنة الإدارة والعدل. أمّا في ما خصّ ملف التعيينات الإدارية الذي يتمّ ترحيله من جلسة الى أخرى بسبب منطق المحاصصة والتوظيف الزبائني الذي يخضع له، يصر تكتل التغيير والإصلاح على المضي قدماً في رفض أي تسوية في هذا الملف الحيوي الذي لا يمكن لعجلة الإدارة أن تسير من دون تنظيمه، على وقع التخبط الإداري الذي تعاني منه المؤسسات كافة، ما أدّى الى تشريع الباب على مصراعيه أمام تحكم السياسة بمفاصل الإدارة، وتبقى ملفات ملحة أخرى يجب الاسراع في معالجتها، كملف الضمان الإجتماعي والمستشفيات الذي دخل مرحلة خطرة في ظلّ توقف المستشفيات عن إستقبال المرض على حساب الضمان.
إن ما حققه تكتل التغيير والإصلاح، لا يشكل سوى حجر الأساس في بناء الدولة نظراً لحجم التركة الثقيلة الذي ترزح تحتها، ولا يمكن رفع أساسات هذه الدولة إلا على ركام النظام القديم، الذي تمكّن التكتل بدعم من حلفائه من خلخلة دعائمه وهو على وشك السقوط، ولن تنفع محاولات ترميم هذه التركيبة المتصدّعة التي ستدفن تحت أنقاضها حينما تنهار، جميع الفاسدين الذين تجرأوا طيلة عقود على التطاول على حقوق الناس وكرامتهم في هذا الوطن.
Comments
Post a Comment