ماذا تحقق بعد عام على تولية الراعي بطريركاً لأنطاكيا وسائر المشرق ؟
نسيم بو سمرا
في الذكرى السنوية الأولى لتولية البطريرك السابع والسبعين للموارنة بشارة الراعي، على ضوء ما شكله هذا الاستحقاق من مفصل تاريخي في تزامنه مع التغييرات التي شهدتها مختلف الدول العربية، تتصاعد الحملة على البطريرك الراعي من قبل قوى الرابع عشر من آذار وبخاصة المسيحيين منهم، إنضمّ إليها أخيراً النائب وليد جنبلاط.
فعلى ماذا تقوم سياسة بكركي الجديدة، وما هي خلفيات تبدل مواقف هذه القوى من بكركي، وهل شكلت هذه السياسة كما يدّعون، إنقطاعاً للسياق التاريخي الذي تسير عليه بكركي ؟
سأحاول الإجابة، من خلال عرض بعض المحطات الرئيسة التي طبعت سياسة البطريرك الراعي منذ استلامه السدة البطريركية ولغاية اليوم، والتي حدد عناوينها عبر المواقف التي أطلقها في زياراته الداخلية وكذلك في أسفاره الخارجية، وقد شبهه البعض بالبابا الراحل الطوباوي يوحنا بولس الثاني لكثرة جولاته.
السياسة الجديدة لبكركي بدأت معالمها بالظهور بعد اللقاء الذي جمع البطريرك الراعي بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في الايليزيه، عبّر فيه الراعي من ناحية اولى عن مخاوفه إزاء التطورات في العالم العربي وبخاصة في سوريا ومدى انعكاس هذه الاحداث على الأقليات، محذراً باريس من السير في مشروع إطاحة نظام الرئيس الأسد بقوله: "إحذروا من استبدال نظام متشدد في سوريا بنظام أكثر تشدداً " وفاتح من ناحية ثانية ساركوزي بضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه لبنان بالضغط على إسرائيل للإنسحاب من أراضينا المحتلة، وترك موضوع سلاح حزب الله في أيدي اللبنانيين أنفسهم، ليتوصلوا الى الحل الملائم، بعد الانسحاب الاسرائيلي وليس قبله.
هذان الموقفان شكلا بالنسبة لبعض القوى السياسية في الداخل اللبناني، السبب الكافي لإطلاق حملتهم الشرسة على البطريرك الراعي، في موازاة تنديدٍ دولي بمواقفه، فيما ترافقت حملة الداخل مع إشاعة أجواء تتحدث عن خلافات بين بكركي والفاتيكان، دحضتها الوقائع في ما بعد بفعل التناغم في مواقف كل من الطرفين.
كرّس الراعي تباعاً هذه السياسة التي عبّر عنها بثبات في زياراته الرعوية لمختلف المناطق اللبنانية، كان الهدف منها توجيه رسالتين: الأولى الى المسلمين وهي رسالة تعايش، هذا التعايش وصفه الراعي بالنموذج الذي لا يملكه الغرب المسيحي، والثانية الى المسيحيين لحثهم على البقاء في أرضهم وعدم بيعها للإنتقال الى المناطق المكتظة مسيحياً، بل الاستمرار في التفاعل مع محيطهم المسلم بغض النظر عن العامل العددي؛ رسالة تنسجم مع وحي الارشاد الرسولي الذي شدّد في توصياته على دعوة مسيحيي لبنان والمنطقة إلى التعامل مع محيطهم على قاعدة أنّ مصيرهم مرتبط الى حد بعيد بمصير الجوار الذي يعيشون فيه.
تتابع الدوائر الفاتيكانية عن كثب ما يحصل في لبنان، وهي بَنَت هذه القناعة بالشراكة مع الافرقاء المسيحين الذين اتّبعوا في سياساتهم سلوك الإنفتاح على محيطهم والتضامن مع مجتمعهم، هذا التوجه ترجمه العماد ميشال عون عبر توقيع وثيقة التفاهم مع حزب الله في 6 شباط ال 2006 ، وتتقاطع سياسة بكركي راهناً مع هذا التوجه بمباركة البابا بنديكتوس السادس عشر، ما سيؤدي الى إعادة وصل ما انقطع في مسار المسيحيين التاريخي في لبنان والمشرق، ونذكّر في هذا السياق بالكلمة المعبرة التي ألقاها العماد عون في براد- سوريا بتاريخ 10 شباط 2010 بمناسبة إحتفال الطائفة المارونية بذكرى ألف وستماية عام على وفاة مار مارون حين قال:" وإن غبنا طويلا عن منابعنا وجذورنا فإنها لحظة قصيرة أمام الخلود الذي تجسده عظمة هذا المكان...فالمسيحيون المشرقيون هم رواد المسيحية في العالم، حملوا مسيحيتهم الزاخرة بالروحانية إلى الغرب وبشروا العالم برسالة السيد المسيح... وقد أبرزت هذه المناسبة معالم تراثنا المشرقي العظيم وقدمته إرثاً للإنسانية جمعاء".
على رغم كلّ ذلك، تصرّ بعض الأطراف المحلية المتضررة من سياسة بكركي على أخذ الأمور الى زواريبها الضيقة واضعة كلام الراعي في إطار زمني ومكاني محدّد؛ وتنقسم هذه القوى الى قسمين: مسيحيي الرابع عشر من آذار من جهة، والتكفيريين المدعومين من تيار المستقبل من جهة أخرى؛
الفريق الأول كان أكثر غيرة على التطرف في الاسلام من السلفيين أنفسهم، (وللتوضيح فقط، ان مصطلح السلفيين يطال عدة ملل لا مجال لتفصيلها هنا، ولكن يجمعها نهج السلف الصالح، وتتبع عقيدة السلف من الصحابة والتابعين، وأنا لا أقصدها هنا، أما الذي أشير اليه فهي الجماعات التكفيرية ذات الفكر الوهابي)، والأخوان المسلمون أثبتوا بفعل أدائهم في الإنتفاضات العربية، أنهم إنتهازيون يسعون الى السلطة، ويتماهى مشروعهم السياسي مع المشروع الصهيوني- الأميركي، وبدعم سعودي- قطري.
فهل يعقل ان تنزلق بعض القيادات المسيحية الى هذا الدرك من الجهل أو التورط في هكذا مشروع سيؤدي في أحسن الحوال الى إنهاء دور المسيحيين في هذا الشرق، وبالتالي سيدفعهم الى الهجرة؟ والشواهد المحيطة بنا في فلسطين والعراق ومصر وسوريا تثبت ذلك، ولا تنفع محاولات هذه القيادات وعلى رأسها قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، تبرير إنخراطها في هذا المشروع من خلال التذاكي على الرأي العام بتبني خطاب مبسط يستخدم المفردات في غير معناها ومدلولها ويلجأ الى تزييف المصطلاحات، فسمير جعجع عوّدنا عبر تاريخه الأسود على إطلاق الشعارات مثل: " أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار" واتخذها غطاءً لتحقيق مآربه غير المشروعة على حساب سلامة هذا المجتمع وأمنه، ويحق لنا اليوم بعد طرحه مقولة: "فليحكم الأخوان"، التساؤل عن ماهية المخططات والمشاريع التي يحاول تمريرها، على حساب مستقبل المسيحيين في لبنان والمشرق العربي برمته.
Comments
Post a Comment