هل نشهد راهناً على ولادة المشرق العربي الجديد؟
نسيم بو سمرا
على وقع تضييق الخناق على المعارضة المسلحة في مختلف المحافظات السورية، ما يوحي بقرب انتهاء الأزمة السورية بعد إطباق الجيش السوري على المسلحين في حمص وضرب عمودهم الفقري من خلال إعادة السيطرة على حي بابا عمرو، في وقتٍ تتواصل فيه العمليات العسكرية في إدلب، وفي ظل المعارك الديبلوماسية التي تخوضها دمشق في المحافل الدولية؛ تتحضر سوريا لمرحلة جديدة في تاريخها بفضل الخطوات المتقدمة التي حققتها السلطة السياسية على طريق الاصلاح، توجتها اخيرا بالإستفتاء الشعبي على الدستور السوري الجديد، ما أعطى الغطاء الشعبي للرئيس بشار الاسد للإستمرار في عملية الاصلاح بالتوازي مع إرساء الاستقرار الأمني في البلاد.
هذه المرحلة المفصلية التي يمرّ بها الشعب السوري، تأخذ دفعاً استثنائياً اليوم بعد وصول قيصر روسيا فلاديمير بوتين الى الكرملين، نظراً لما تشكله روسيا من سند أساس لثبات النظام السوري في وجه المشروع الغربي- العربي الهادف الى تغيير موقع دمشق في الصراع الدائر على مستوى المنطقة؛ إنّ روسيا والصين الى جانب دول ما يعرف بالـ " بريكس" إضافة الى دول " ألبا "، يشكلون المعسكر الذي يواجه حاليا المعسكر الغربي، والذي لن يخلي أي ساحة من الساحات في العالم مهما كانت درجة أهميتها، فكيف إذا كانت الساحة العربية، وبالتحديد الجزء المشرقي منها، التي تشكل نقطة الإنطلاق لصياغة النظام العالمي الجديد؟ هذا النظام بدأت دعائمه بالإرتفاع على ركام النظام القديم القائم على الأحادية وقبلها الثنائية، ليصبح تعددياً ضمن إطار التعاون المتبادل بين أقطابه في جميع النواحي الاقتصادية والثقافية والعلمية، مع حفظ كل دولة لسيادتها.
والسؤال المطروح هنا، أين سيكون موقع لبنان في هذا العالم الجديد؟ بعد أن حدّدنا موقع جارتنا سوريا فيه، وكيف ستساهم دول المشرق العربي في إرساء هذا النظام الجديد؟
المشرق العربي هو مصطلح جغرافي يُطلق على جزء من منطقة الشرق الأوسط، و يمتد من البحر الأبيض المتوسط غربا حتى الهضبة الإيرانية شرقا، وهو يشير بالتحديد إلى الجزء الشرقي من الوطن العربي في مقابل المغرب العربي من جهة والخليج العربي من جهة أخرى، ويضم دول الهلال الخصيب بشكل أساس وهي: العراق، سوريا، فلسطين، الأردن، ولبنان، ويضيف بعض الباحثين مصر الى مجموعة هذه الدول.
تشترك معظم البلاد الواقعة ضمن هذه الرقعة بروابط ثقافية وتاريخية ولغوية، وتتميز عن بقية الأقطار العربية بتنوعها الحضاري والديني، وفلسفتها القائمة على تقبّل الإختلاف، وقد ساهمت الرابطة القلمية في أوائل القرن الماضي في إضافة البعد الحضاري على البعد الجغرافي ؛ والرابطة القلمية هي جمعية أدبية تأسست في العام 1922على يد جماعة من الأدباء اللبنانيين المهاجرين في الولايات المتحدة الاميركية ، ومن أبرزهم جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة ،عبد المسيح حداد، رشيد أيوب، ندرة حداد و نسيب عريضة ، الذين تميز إنتاجهم الأدبي بالتأمل في الحياة وأسرار الوجود والتعمق في فهم النفس الإنسانية واتساع النظرة إلى المجتمع البشري، والتعلق بالوطن العربي.
في المقابل يعتبر المشرق العربي من أكثر مناطق العالم توترا من الناحية الامنية حيث شهد أكثر من عشرة حروب منذ نكبة فلسطين عام 1948، ومنها الحروب العربية الإسرائيلية والحرب العراقية الإيرانية وغزو العراق للكويت والاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، وحروب لبنان مع إسرائيل وكان آخرها في تموز ال 2006 .
تعرضت هذه المنطقة الجغرافية منذ آلاف السنين لغزوات كثيرة من المناطق المجاورة ، ووقعت على أرضها الكثير من المعارك التي أعادت رسم التاريخ البشري، وتتعرض راهناً لأخطر مرحلة في تاريخها من خلال الأحداث التي أطلق عليها بشكل خاطئ تسمية الربيع العربي، والذي حطّ رحاله في سوريا، فيما السياسة المتبعة من قبل الدول الغربية بالتعاون مع دول الخليج العربي وبعض دول المغرب العربي تعتبر دليلاً على محاولة تغيير جوهر المشرق العربي وإلغاء دوره الحضاري، ليصبح مشابهاً لتركيبتهم الأحادية، هذه الدول حولت من خلال سياساتها منطقتنا الى مكب للعقد النفسية التي تعاني هي منها، بغية تأجيل الإنفجار الإجتماعي الذي بدأت عوامله بالتكون في بلادهم، هذا القلق البنيوي لديهم دفعهم إلى تصديره باتجاه المشرق العربي، ويتحقق هذا المشروع عملياً من خلال صبغه باللون الواحد، هو اللون السلفي المتحالف مع أميركا وإسرائيل، أمّا الحراك العربي فكانت نتيجته الإطاحة برؤساء ولم يغير الأنظمة في الدول التي شهدت إنتفاضات شعبية، ما ساهم في شكل كبير في إيصال القوى الاسلامية الى الحكم، ومن هنا تكمن أهمية لبنان نظراً للنموذج الذي أرساه في المشرق العربي والقائم على التفاعل الحضاري بين مختلف طوائفه؛ هذا المشروع في حلقته الأخيرة يقوم على تفتيت هذا المشرق بالقضاء على الوجود المسيحي فيه ممّا يؤدي بالتالي إلى فتنة طائفية تسيطر بنتيجتها لغة التصادم على الحوار، وبالتالي يتغلّب النهج السلفي التكفيري على الإنفتاح نحو الآخر والقبول به، ما يصبّ في النهاية في مصلحة إسرائيل التي ما زالت تحاول إضفاء الشرعية على وجودها في منطقتنا كدولة يهودية عنصرية تفرض نفسها بين الأمم، وللبنان الى جانب سوريا الدور المركزي في إفشال هذا المشروع ما يحتّم عليه التمركز في المحور الصحيح بناءً على الشواهد من حوله، و تحديد موقعه الإستراتيجي في الصراع الدائر في المنطقة والعالم.
هذا المشرق العربي الذي يتكون راهناً، بدأ مخاضه في لبنان في تموز 2006 ونشهد على ولادته اليوم في سوريا، التي ستحدّد بعد إنتهاء أزمتها، الوجهة التي سيسلكها المشرق العربي الجديد لمئات، لا بل لآلاف السنين المقبلة.
Comments
Post a Comment