هل تؤسس جريمة عرسال لنهر باردٍ جديد؟


نسيم بو سمرا

جاء الكمين الذي نصب لدورية للجيش في عرسال، ضمن سلسلة كمائن نصبت للمؤسسة العسكرية، ارتفعت وتيرتها منذ اندلاع الأزمة السورية وبدء تدفق اللاجئين السوريين الى لبنان، وزادت سياسة الأمن بالتراضي من حدّة خطر هذه العناصر التي تتحرك بحرية على الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا، وفي ظلّ التخبط الرسمي في إعطاء الغطاء للجيش لضرب المخلين بالأمن بيدٍ من حديد، وللإقتصاص من قتلة العسكريين.
كمين ما كان ليحصل لولا البيئة الحاضنة التي تؤمنها بعض الجهات الحزبية المتعاطفة والداعمة للمسلحين في سوريا، ويحاول كل من نائب كتلة المستقبل خالد الضاهر وزميله في الكتلة معين المرعبي وشريكهم في التضليل رئيس بلدية عرسال علي الحجيري اليوم تبرير هذه الجريمة من خلال الإدعاء ان عناصر مدنية كانت تلاحق المطلوب الى العدالة خالد حميّد، في إطار توجيه الاتهام الى حزب الله بمشاركته في المداهمة التي قام بها الجيش، فيما أثبتت الصور والافلام المعروضة على شاشات التلفزة ان هذه المعلومات غير صحيحة لان السيارات التي لاحقت حميّد كانت من نوع "هامفي" تحمل لوحات عسكرية للجيش اللبناني وان الشهيدين الرائد بيار بشعلاني والرقيب ابراهيم زهرمان والجرحى كانوا يرتدون بزاتهم العسكرية، وما زالت الدعوات للجهاد من مكبرات الصوت في مسجد عرسال والتي مهدت للإعتداء على دورية الجيش، يتردد صداها في ثنايا المدينة، ما يؤكد أن الجريمة ارتكبت عن سابق تصور وتصميم.
الصور والأفلام التي عرضت يتألم عند مشاهدتها كلّ حرّ شريف يملك حسّا وطنيا وانسانيا وأقل ما يقال في هذه المشاهد، انها تعود بنا الى زمن غابر كانت فيه القبائل المنتصرة تمارس طقوسا ترقص فيها على جثث ضحاياها بعد سلخ فروة رؤوسهم، وتذكرنا بأحداث سابقة تعرّض فيها الجيش لأعمال تنكيل مشابهة في الضنية مع جماعة الهجرة والتكفير وفي مخيم نهر البارد مع فتح الاسلام، إلاّ انه الى جانب المسؤولية المباشرة لمنفذي هذه الجرائم في حق الوطن، يعتبر بحسب القانون كل محرض على استهداف الجيش من زعماء ونواب ومشايخ، شريك في الجرم وعلى القضاء التحرك لمحاكمة هؤلاء، والطلب من المجلس النيابي رفع الحصانة عن النواب خالد الضاهر ومعين المرعبي، أسوة بطلب المدعي العام التمييزي حاتم ماضي رفع الحصانة عن النائب بطرس حرب لتحقيره القضاء والمس برئيس الجمهورية، كون المس بهيبة الدولة من خلال التحريض على الجيش لا يقل خطورة عن التعرض لرئيس البلاد، وفي وقتٍ ما تزال صور المذابح التي يرتكبها المسلحون في سوريا ماثلة في الاذهان، يمكن ان نربط في هذا السياق ما بين الأحداث، نتيجة المعلومات المتقاطعة مع تقارير أمنية وصحافية غربية بوجود مئات المجاهدين السنة من مختلف الجنسيات يتدربون في البقاع في لبنان وبالتحديد في النصف الشرقي منه وسط القرى السنية التي تدعم ما يسمى«الجيش الحرّ»، والتي تساعد في تهريب السلاح إلى سوريا و تقدّم المساعدة الى اللاجئين السوريين الفارين من الاشتباكات المسلحة ، بحسب ما يروي الكاتب نيكولاس بلانفورد، في تقرير حصري نشرته صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور فيما تشير إحصاءات الامم المتحدة الى وصول عدد النازحين السوريين الى لبنان الى ثلاثمئة الف نازح حتى الان من بينهم حوالي الخمسة آلاف مسلح، يتخذون من الشمال قاعدة لهم، ينطلقون منها الى الداخل السوري لتنفيذ عملياتهم الارهابية ، ويشير بلانفورد الى انّ الأحداث الأخيرة في طرابلس بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة كشفت وجود مقاتلين يخضعون لأوامر ضباط من الجيش السوري الحر.
إنّ الحملة على الجيش اللبناني تأتي ضمن خطة ممنهجة لتغيير عقيدته القتالية وإدارة بندقيته الموجهة الى العدو الاسرائيلي والارهاب، نحو حزب الله، ، وقد تصاعدت هذه الحملة عقب زيارة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان للبنان في كانون الأول من العام الفائت، رافقه فيها رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشيوخ الأميركي السناتور جوزيف ليبرمان، وقد التقى الزائران قيادات في الرابع عشر من آذار، وللتذكير فقط ان ليبرمان يوصف في أوساط الدبلوماسيين الأمريكيين بأنه أصولي متطرف ومعروف بدعمه اللامحدود لإسرائيل، وهم تفقدوا قبيل مغادرتهم لبنان الحدود الشمالية مع سوريا والتقوا ممثلين عن اللاجئين السوريين في لبنان، وتجدر الاشارة الى ان غياب المظلة السياسية للعمليات الأمنية التي يقوم بها الجيش اللبناني على الحدود الشمالية، نتيجة سياسة النأي بالنفس التي وصفها العماد عون بسياسة " اللعي بالنفس"، والتأثير السلبي جراء التراخي الحكومي من الناحية الامنية على الاستقرار الداخلي، يمكن ان يفتح الأبواب مجدداً على مصراعيها لأي تدخل سوري مباشر مستقبلاً على الأراضي اللبنانية، في إطار الدفاع عن النفس من الهجمات التي تشنّ في الداخل السوري إنطلاقا من الاراضي اللبنانية.
هذه الاحداث الامنية المتنقلة من منطقة الى أخرى تثبت مرة أخرى ان الحالات الاسلامية التي نمت وتربت في ظل حماية وتشجيع من تيار المستقبل، لم تعد قابلة للسيطرة، وعلى الجيش اللبناني الذي لا يحتاج لإذن من أحد ولا حتى من السلطة السياسية، للدفاع عن نفسه وبالتالي عن الوطن، معالجة كل الحالات الشاذة، كما هي الحال في عرسال ووادي خالد وطرابلس وعكار، وعدم الخوف من الاصطدام بالمسلحين درءا للفتنة على حدّ تعبير العماد ميشال عون الذي حذّر من انّ عدم الاصطدام بالمسلحين هو الذي يوصل الى الفتنة وليس العكس.

لقد سقط الرهان مرة جديدة على ضرب الجيش اللبناني بهدف إخراجه من المعادلة لفرض واقع جديد تنطلق منه الحالة السلفية التكفيرية لإقامة إمارتها في الشمال، من ضمن مخطّط وضع للمنطقة بالتوازي مع الفوضى التي تمر بها معظم الدول العربية، يقوم على رسم خارطة جديدة تقسّم المنطقة الى كيانات طائفية متصارعة على الدوام، ما يؤمن أطماع الغرب في المشرق العربي ويريح الكيان الصهيوني، ويعتبر تيار المستقبل شريك فاعل في هذا المخطط، من ضمن الدول المناهضة لخط الممانعة مثل المملكة العربية السعودية وقطر ومعظم دول الخليج وصولا الى تركيا، فهل ينفع التذاكي على اللبنانيين بعد الآن بإطلاق عناوين براقة في المناسبات، كنظرية لا نسبية في ظل السلاح، والعبور الى الدولة، وبيروت منزوعة السلاح وغيرها من الشعارات الكاذبة التي عودنا عليها تيار المستقبل طيلة عشرين عاماً من حكمه للبنان، وما زال يصرّ اليوم على تسويقها وهو خارج السلطة؟  

هي ضريبة الدم التي اعتاد اللبنانيون على دفعها عند كل مفصل إقليمي، وبخاصة منذ العام 1969 ولغاية يومنا هذا، إلاّ انّ هذا الدم المسفوك على مذبح الوطن منع لبنان من ان يصبح وطنا بديلا للفلسطينيين في السبعينات، وحديقة خلفية للعدو الصهيوني يزرعه بمستوطناته في الثمانينات والتسعينات، ويمنع اليوم من إلحاق لبنان بركب الربيع العربي، او الاصح تسميته بالخريف السلفي، هذه الدماء الزكية  ثبتت وجود لبنان على مرّ تاريخه الحديث منذ تأسيس الكيان في العام 1516، كيان ما برحت الأعاصير الخارجية  والعواصف الداخلية، تتلاعب به، إلا انها لم تتمكن من قلع جذوره الراسخة رسوخ أرزه الخالد في باطن التاريخ والجغرافيا، ما يؤسس لبناء وطن الغد، وطن يبنيه أولئك الذين يملكون رؤية عصرية تفضي الى صياغة علاقة المواطن بشكل مباشر بالدولة ومن دون واسطة الطوائف، ويقتضي ذلك تعميم ثقافة بناء الدولة في اوساط المجتمع، من كوادر مثقفة ومتعلمة وعاملة، تدفع للمشاركة في مشروع وطني وحدوي كإطار حاضن لتلاقي اللبنانيين  كافة، والإطار لتحقيق ذلك يتمظهر في  ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة.

6/2/2013

Comments