Skip to main content

زيارة الراعي لسوريا ودلالاتها الروحية والسياسية


نسيم بو سمرا

الاصلاحات في سوريا لازمة لكنها لا تفرض فرضاً من الخارج بل تنبع من الداخل ولا تتم الا بالحوار والتفاهم،  واذا كان لا بد من دور للأسرة الدولية فليكن بهذا الإتجاه؛ هي الرسالة التي وجهها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي خلال ترؤسه قداساً إلهياً في كنيسة مار انطونيوس في حي باب توما في دمشق أمس، معربا عن تضامنه مع كل المتألمين في سوريا، وموجها صلاته ومساعيه لتنتهي الحرب والعنف في هذا البلد الذي أمل الراعي أن يولد من جديد بالسلام والأمن.
هي زيارة خاطفة بحسب وصف الراعي لكنها تحمل كل الدلالات، حاملا الصلاة الى كل من  أبرشيتي حلب واللاذقية، الذي لن يتسنى له زيارتهما، وقد أشار الراعي الى هاجس أساسي لديه، يتعلق بنزوح أكثر من اربعة ملايين سوري من قراهم.  
 الزيارة في الشكل والتي تزامنت مع عيد مار مارون، جاءت تحت عنوان حضور حفل تنصيب بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الارثوذكس يوحنا العاشر اليازجي، اليوم الأحد، لكن دلالاتها تفوق هذا الحدث الرعاوي لتصب في خانة الاهمية التي يعطيها الراعي ومن ورائه الفاتيكان لمسيحيي سوريا، في وقتٍ رحبت سوريا الرسمية بالزيارة، إذ اعتبر ممثل الرئيس السوري السفير جوزيف سويد في حديث تلفزيوني ان زيارة الراعي لدمشق تاريخية وهي تعبر عن ايمانه ويقينه بأن السلام راسخ في سوريا، وتجدر الاشارة في الدلالات ايضاً، الى ان الرئيس السوري بشار الأسد وضع في تصرّف الراعي موكباً رئاسياً، ورافقته في تنقلاته تدابير أمنية مشددة.
هو السلام الذي يبقي المسيحي المتجذر في سوريا منذ القدم في ارضه، وقد أعرب الراعي، في حديث إلى الوكالة الوطنية للاعلام، عن سعادته لوجوده في دمشق، مؤكدا مدى عمق الوحدة والصداقة بين الكنيسة المارونية وكنيسة الروم الأرثوذكسية وكل الكنائس في سوريا، وهي رسالة الوحدة التي بدأت معالمها بالظهور منذ تبوء الراعي للسدة البطريركية كرّسها تباعاً في زياراته الرعاوية لمختلف المناطق اللبنانية، والهدف منها توجيه رسالتين: الأولى الى المسلمين وهي رسالة تعايش، هذا التعايش وصفه الراعي بالنموذج الذي لا يملكه الغرب المسيحي، والثانية الى المسيحيين لحثهم على البقاء في أرضهم وعدم بيعها للإنتقال الى مناطق أخرى أو الى الهجرة، بل دعاهم الى الاستمرار في التفاعل مع محيطهم المسلم بغض النظر عن العامل العددي؛ رسالة تنسجم مع وحي الارشاد الرسولي الذي شدّد في توصياته على دعوة مسيحيي لبنان والمنطقة إلى التعامل مع محيطهم على قاعدة أنّ مصيرهم مرتبط الى حد بعيد بمصير الجوار الذي يعيشون فيه.
تتابع الدوائر الفاتيكانية عن كثب ما يحصل في المنطقة، ولهذا زار البابا بنديكتوس السادس عشر لبنان في العام الفائت، وأتت الزيارة نتيجة  الاهتمام الفاتيكاني المميز بلبنان من منطلق انّ لبنان ركيزة للمسيحيين في البلدان العربية، إذا ما سقطوا في التجربة وتخلوا عن إيمانهم وأرضهم، يسقط المسيحيون في المنطقة كلها، ومن بين الرسائل العدة التي وجهها قداسة البابا، كانت لسوريا،  داعياً لوقف نهائي لارسال الاسلحة الى سوريا والتي تؤجج نار العنف واصفا الامر بالخطيئة الكبرى ومؤكدا رفضه للتطرف، ودعا الى الحوار بين الجميع والحفاظ على حقوق الجماعات في البلدان العربية كافة، وكما هي الحال في زيارة الراعي اليوم لسوريا، كذلك أعطى البابا عبر زيارته، قضيةَ الوجود المسيحي في الشرق الأهمية التي تستحقها، لا سيّما في ظل السياسات الغربية المتجاهلة للأخطار المحدقة بهذا الوجود، فالدوائر الفاتيكان اضطلعت على مخططات الادارة الاميركية الموضوعة لهذه المنطقة بدءاً بالمغرب العربي مرورا بالمشرق العربي ووصولا الى الخليج العربي، ويقوم هذا المخطط على تغيير خارطة المنطقة من الناحيتين الجغرافية والديموغرافية ما سيؤدي الى إنشاء كيانات طائفية متصارعة على الدوام، وبالتالي يخشى الفاتيكان ان في حال نجاح هذا المخطط، ستفقد هذه المنطقة إحدى مكوناتها الأساسية وهي المسيحية.
 هي قناعات لدى دوائر القرار في الفاتيكان، بنيت بالشراكة منذ العام 2006 مع الافرقاء المسيحين الذين اتّبعوا في سياساتهم  سلوك الإنفتاح على محيطهم والتضامن مع مجتمعهم، هذا التوجه ترجمه العماد ميشال عون عبر توقيع وثيقة التفاهم مع حزب الله  في 6 شباط ال 2006 ، والتي أطفأت شموعها السبعة الاسبوع الفائت، وتتقاطع سياسة بكركي راهناً مع هذا التوجه بمباركة البابا بنديكتوس السادس عشر، ما سيؤدي الى إعادة وصل ما انقطع في مسار المسيحيين التاريخي في لبنان والمشرق بأكمله، ونذكّر في هذا السياق بالكلمة المعبرة التي ألقاها العماد عون في براد- سوريا بتاريخ 10 شباط 2010 قبل ان يدنس المسلحون الارهابيون هذا الموقع الشهر الفائت، في بمناسبة إحتفال الطائفة المارونية بذكرى ألف وستماية عام على وفاة مار مارون حين قال: وإن غبنا طويلا عن منابعنا وجذورنا فإنها لحظة قصيرة أمام الخلود الذي تجسده عظمة هذا المكان...فالمسيحيون المشرقيون هم رواد المسيحية في العالم، حملوا مسيحيتهم الزاخرة بالروحانية إلى الغرب وبشروا العالم برسالة السيد المسيح... وقد أبرزت هذه المناسبة معالم تراثنا المشرقي العظيم وقدمته إرثاً للإنسانية جمعاء".
 على رغم كلّ ذلك، تصرّ بعض الأطراف المحلية المتضررة من سياسة بكركي في شكل عام ومن هذه الزيارة اليوم الى سوريا في شكل خاص، مع العلم ان الراعي زار قبلها مصر والعراق، على أخذ الأمور الى زواريبها الضيقة واضعة زيارة الراعي في إطار زمني ومكاني محدّد؛ ورافقت هذه الطراف الزيارة منذ لحظتها الأولى بالتهجم عليها ومحاولة إعطائها بعداً سياسيا من خلال وضعها في إطار دعم البطريرك الراعي للنظام في سوريا، إلاّ ان هذه الحملة المتجدّدة لن يؤثر على قناعات بكركي كما لم تفعل في السابق، فالذي أوصل الراعي الى سدّة البطريركية هي هذه القناعات نفسها، والتي يترجمها دائما في مواقفه وعمله الدؤوب، بالتعاون مع جميع المخلصين الذين انخرطوا في مشروع خلاصي للمسيحية نفسها، فجذور المسيحية هي في هذا الشرق، إذا ما قطعت، ستذبل المسيحية في العالم وتندثر الى غير رجعة.

Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

  *نسيم توما الهاشم يدعي سيد البلاستيك "إيلي نخله" انه تحت سقف القانون وانه سيحصل حقه بالقانون، فيما هو يخالف في عمله كل القوانين البيئية والصحية، وقد استغل منبر شبيبة لامارتين حمانا ليوصل رسالة تهديد الى قائد شبيبة لامارتين مباشرة على الهواء، فيما نحن ظننا للحظة انه نادم على تلويث البيئة ومستعد لاصلاح ما تضرر، ولذلك نقلنا وجهة نظره وأوصلنا صوته للرأي العام لأن مهنيتنا الصحافية تفرض علينا عرض الرأي الآخر، كي لا نتهم بالتحيز وليحكم الرأي العام في ما خص الجرائم البيئية التي ترتكب في حق وطننا لبنان وبلدتنا حمانا،  وبدل ان يشكرنا سيد البلاستيك الذي أطلق علي لقب "سيد البيئة" وانا افتخر بالمناسبة بهذا اللقب وهو شرف لكل من يملك حسا بيئيا ويقاتل للحفاظ على البيئة ضد الكارتيلات التي تستبيح البيئة وتلوث الطبيعة طمعا بالمال،  لا بل اكثر من ذلك راح يكيل التهم لشبيبة لامارتين حمانا،  ويهاجم بلدية حمانا التي اتخذت الاجراء بحقه وأجبرته على ازالة المخالفة، لأنه متعدي على الأملاك العامة، وهو يوضب بضاعته بشكل ملاصق  للنهر مباشرة، في موقع حساس جدآ بيئيآ؛ بدل ان يبتعد عشرة امطار عن...

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

  بعض السياسيين بلبنان مفكر حالو سعد الحريري  ومصدق شعار "لبنان اولا" اللي طرحتو جبهة ١٤ آذار المزورة...والمضحك اكثر انو مصدقين خبرية "الانحياز الى الدولة" والتي يخلطون بينها وبين السلطة، (في لبنان لا يوجد دولة بل سلطة مرتهنة للخارج بأغلب الاحيان) فيتبنوها شعارا الى جانب شعار ال ١٠٤٥٢ كم٢ السخيف هو ايضا؛ أولا هو منطق بعيد من الواقع لانه لا دولة في لبنان حتى يومنا هذا، فحتى عهد الرئيس ميشال عون فشل في بناء دولة، وما زالت دولتنا منهارة، وثانيا: كل عمرا المقاومات مشروعة دوليا وقوميا ووطنيا وتحل مكان الدولة حين تنهار الدولة، ولبنان ليس استثناء بل يشكل لبنان سابقة في تكامل المقاومة مع فكرة الدولة، ولا تتعارض او تتنافس معها؛ والدليل هو استطاعة الشهيد السيد حسن نصرالله فرض معادلة الردع التي استمرت ثمانية عشر عاما منذ العام 2006 وحتى ال 2024 والمثال الآخر هو ترسيم الحدود البحرية مع العدو الذي اعطى للبنان كامل حقوقه في نفطه وبلوكات غازه حيث لم يكن عهد الرئيس ميشال عون ليحقق هذا الانجاز، لولا مسيرات المقاومة التي حلقت لمرتين فوق حقل كاريش...ليرفع أحدهم شعاره الشهير حينها: ...

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

 *نسيم بو سمرا حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر. اليوم وبعد انهيار أسس ال...