سوريا تعود الى لبنان بعد فترة وجيزة من انسحابها منه في 26 نيسان 2005
نسيم بو سمرا-
يبدو أن الحقبة
السوداء الممتدة من العام 1975 ولغاية ال 2005 وما سبقها من
فلتان أمني فلسطيني واستباحة السيادة من العدو الاسرائيلي، وما لحقها من حكم فاسد
إبان الاحتلال السوري الذي صادف أمس ذكرى انسحابه من لبنان، تتكرّر، هذا الحكم
الذي باع العرض قبل الأرض ودفع بالشباب اللبناني للهجرة الى مختلف أصقاع العالم؛ ما
زال يتحكم في مفاصل الدولة، لتنطبق على الشعب اللبناني مقولة: إن التاريخ يعيد
نفسه عند الشعوب الغبية، وكنّا
نأمل، نظراً للأثمان الباهظة التي دفعها اللبنانيون من حياتهم وأمنهم واقتصادهم
وحريتهم وتقدمهم، أن تكون هذه الحقبة انتهت الى غير رجعة، وبخاصة بعد
انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 وعودة الوطن الى الوطن في السابع
من ايار 2005، مع ما يعنيه ذلك من تحمل اللبنانيين لمسؤولياتهم في تقرير مصيرهم
للمرة الأولى منذ زمن بعيد، إلاّ ان مدرسة الحريرية
السياسية المرتهنة للخارج إستدراجا للوصاية الدائمة على لبنان، ما زالت تعشعش
بذهنيتها في ثنايا حياتنا اليومية، وتورط تيار المستقبل وحلفاؤه في الصراع
الدولي على سوريا تحت عناوين مختلفة، إنسانية أحيانا وأحيانا أخرى ثورية بادعاء
انتماء هؤلاء الى ما سمّي بالربيع العربي، أو الأصح تسميته بالخريف الاسلامي، أعاد
سوريا الى لبنان مجدداً، بعد فترة وجيزة من انسحابها، وبعكس ما يدّعونه ان تدخل
حزب الله في مناطق محددة في سوريا هو الذي أدخل لبنان في خضم الأزمة السورية، في
وقتٍ جاء تورط الحزب في سوريا، بعدما تخلت الدولة اللبنانية عن زهاء أربعين ألف
لبناني يسكنون اثني عشرة بلدة سورية في ريف القصير، ولولا تدخل حزب الله بعد استغاثات
عدة من سكان هذه القرى، لحمايتهم من التكفيريين المعتدين، لأضيف ملف آخر الى ملف
المهجرين المزمن، عنوانه المهجرون اللبنانيون من سوريا.
إنّ مسار
أحداث الحرب اللبنانية يتكرر راهناً، فبدل استخدام العنصر الفلسطيني؛ كما
حصل في نهاية الستينات وبداية السبعينات من جانب الحركة الوطنية بحجة حماية القضية
الفلسطينية، تقوم قوى الرابع عشر من آذار اليوم باستخدام العنصر السوري، ممثلا
بالجيش السوري الحر وجبهة النصرة، والهدف استلام السلطة في لبنان، كما كان عليه
الوضع في بداية الحرب اللبنانية، حيث كان الهدف الرئيس للحركة الوطنية تغيير نظام
الحكم في لبنان؛ ونسمع راهناً تكرار للأدبيات نفسها مع اللاجئين السوريين الى
لبنان، وابرزها جاءت من كل من وزير
الشّؤون الإجتماعية في حكومة تصريف الأعمال وائل ابو فاعور ورئيس جبهة النضال
الوطني وليد جنبلاط، اذ دعا جنبلاط الحكومة اللبنانية، الى اتخاذ قرار تاريخي بإحتضان الشعب
السوري النازح الى لبنان من خلال فتح المدارس والمؤسسات
لاستقبالهم وإقامة مخيمات للاجئين لتقديم المساعدات الاجتماعية والإنسانية لهم، وذهب جنبلاط أبعد من
ذلك، ليحرض اهالي جبل العرب على بلدهم منذ
بداية الأزمة السورية، داعيا اياهم للالتحاق بالثورة والوقوف الى
جانب سائر الوطنيين السوريين في مطالبتهم
بالحرية والديمقراطية على حدّ تعبيره،
ودعا العسكريين منهم الى الانشقاق عن الجيش النظامي والالتحاق
بالجيش الحر، أمّا ابو فاعور، فاشار الى أن خيار المخيمات في لبنان غير
مستبعد نظراً لما ستؤول إليه الأزمة السّورية، على حدّ تعبيره، فيما موقف العماد
ميشال عون كان حازما لجهة التحذير منذ البدأ من خطر التساهل في معالجة هذا الملف
قبل ان يحذو حذوه كثيرون.
المعادلة
القديمة الجديدة بتأثر لبنان في شكل كبير بما يحصل في سوريا والعكس، تحتاج لفهمها
الى مراجعة تاريخ العلاقات بين البلدين التي لطالما شكلت مدّا وجزر، وذلك وفقاً
لانعكاس العلاقات مع الدول العربية الأخرى عل كل من البلدين من جهة، وبالقوى
الاقليمية والدولية من جهة أخرى، الى جانب عدم الاستقرار الذي كانت تتخبط فيه
سوريا نتيجة الإنقلابات الدائمة قبل
مجيئ حزب البعث الى الحكم، وإحكام قبضته على الدولة والمجتمع في بلاده، ومقاربة
علاقته مع لبنان بشكل مختلف عن أسلافه، وهي ارتكزت على نظرية أنّ لبنان يشكل
الخاصرة الرخوة لسوريا، والتي أسست لتدخل سوري مباشر في الشؤون الداخلية اللبنانية
في العام 1976، هذه النظرية أزكتها لاحقاً الهجمة الدولية على سوريا ابتداءً من
العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واليوم جاء أداء تيار المستقبل وحلفاءه من
خلال دعمه المعارضة المسلحة في سوريا من الناحية الاعلامية والسياسية واللوجستية،
وإرساله مقاتلين لبنانيين الى سوريا، تحت عنوان الجهاد، ليؤكد صحة نظرية الخاصرة
الرخوة.
فغريب
أمر اللبنانيين بشكل عام والذين لم يأخذوا العبر من الحرب اللبنانية على ما يبدو،
وغريب أمر وليد جنبلاط في شكل خاص والذي يحاول اليوم إعادة عقارب الساعة الى
الوراء، واهما نفسه انه سينجح حيث فشل والده؛ فهل يأخذ جمهور جنبلاط ومؤيدوه
العبرة ؟ أم انهم سيرتكبون الخطيئة نفسها في السير وراء زعيمهم الإبن الى النهاية
هذه المرة أيضاً، كما فعلوا مع الزعيم
الأب؟
Comments
Post a Comment