ربط الساحات العربية بالساحة السورية تتحمل مسؤوليته الجامعة العربية
نسيم بو سمرا-
على وقع تسارع
الاحداث الميدانية في سوريا وفي ظلّ تكاثر الدعوات للجهاد ضد النظام فيها والآتية من
مدينة طرابلس، في مقابل اتهام حزب الله بالتدخل في شكل مباشر في المعارك الدائرة في
منطقة القصير، يشتد
الخناق على المسلحين في جبهات عدة ومن ضمنها الخط الممتد من الحدود مع لبنان وصولا
الى مدينة حمص، حيث حسم الجيش السوري المعركة في القصير، ما سيمنع اطلاق الصواريخ
القصيرة المدى على بلدة القصر اللبنانية في المستقبل، وسيطر في شكل تام على الحدود
الشمالية الشرقية للبنان، ما يعني عملانيا قطع خط الامداد اللوجستي من منطقة العاصي نحو المنطقة الوسطى في سوريا، ويبقى منفذ وحيد، والممتد
من جبال لبنان الشرقية وصولا الى جرود الضنية، إذ تبقى هذه الحدود مفتوحة امام المسلحين
من جبهة النصرة والجيش السوري الحر، وتقع مسؤولية هذه المنطقة على عاتق الجيش
اللبناني الذي سيلاقي من خلال السيطرة عليها، الجيش السوري من الجانب الآخر للحدود،
فيما سيؤدي ابقاء الجبال الشرقية للبنان سائبة على هذا النحو، الى ادخال مناطق
جديدة في مرمى نيران الجيش الحر وجبهة النصرة مثل مدينة بعلبك وبريتال، في حال
ركزت هذه العصابات مدافعها القصيرة المدى في هذه الجرود.
هذا على مستوى الربط بين الساحتين
اللبنانية والسورية، فيما الحرب الدائرة في سوريا ما تزال بعيدة من نهايتها، على
رغم تقدم الجيش السوري على المحاور كافة وقضائه على المسلحين في معظم المدن
السورية، ما عدا مدينة حلب التي تنتظر بدورها ساعة الحسم بعد اطباق الجيش السوري
على معظم شمال سوريا ما سيعزل المسلحين في جيوب صغيرة ومتناثرة، ويحد من فاعليتها
العسكرية، إلا ان العامل العسكري وحده لا يكفي لإنهاء الصراع، وبات واضحا ان الحرب
الدائرة في سوريا لها امتداداتها الاقليمية والدولية وترتبط بملفات عدة في المنطقة
تقوم الولايات المتحدة وروسيا بالتفاوض حيالها، وتحاول الولايات المتحدة من خلال
إطالة امد الحرب في سوريا، وعينها على الملف النووي الإيراني في شكل أساس، الى
الحصول على تنازلات من إيران في هذا السياق، إلا ان واشنطن لم تتخلى نهائيا عن
فكرة الحل العسكري ضد طهران، وتعمل في حال فشل المفاوضات مع روسيا الى تحضير العدة
لعمل عسكري في ايران، والمعارك الدائرة راهنا في شمال سوريا بالتحديد تهدف الى
محاولة اقتطاع هذه المنطقة لإنشاء ممر عسكري آمن للطيران الحربي الاسرائيلي، تسير
فيه مرورا بالعراق لتصل الى الأجواء الايرانية وتنفذ المهمة في ضرب منشآت إيران
النووية من دون ان يعترضها أحد قبل وصولها الى أهدافها، ومن هنا نرى أهمية سوريا،
في محور الممانعة في المنطقة من الناحية الاستراتيجية.
أمّا الربط بين مختلف الساحات العربية،
فجاء نتيجة تكامل الأدوار بين المنظمات الاقليمية والدولية التي استعملت كأدوات في
يد الولايات المتحدة مثل جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة، وهما لا يقومان
إلا بدور ثانوي في الاحداث الدائرة في الشرق الأوسط، ويشكلان واجهة للمخططات
الموضوعة لمنطقتنا، ولولا الحضور الروسي- الصيني في مجلس الأمن والذي يعرقل إضفاء
الشرعية على أعمال واشنطن وحلفائها الاوروبيين، لتطورت الأمور الى الأسوأ.
اما في ما خص ما يسمى بجامعة الدول
العربية وبعدما فشل الغرب في تفتيت سوريا في محاولة
إعادة للنموذج الليبي، وتورط تركيا في هذا المشروع من دون تحقيق النتيجة المرسومة،
أوكلت الولايات المتحدة الأمر الى دولة قطر بصفة الوكيل، وقد حصل لقاء اليوم
في هذا السياق بين أمير دولة قطر حمد بن جاسم مع الرئيس الأميركي باراك اوباما
شدّد فيه الاخير على التعاون بين الطرفين لوقف نزيف الدم في سوريا والعمل على رحيل
بشار الأسد، على حدّ تعبير اوباما، في وقتٍ فشلت قطر ومن ورائها السعودية التي
تراجع دورها اخيرا لصالح قطر، في إحداث خرق
في جدار النظام السوري، وهم استخدموا جميع الوسائل الدبلوماسية من خلال اللجان
العربية التي أرسلوها الى سوريا، والتي سخرت كأدوات تخدم الاستراتيجية العربية لتدويل
الأزمة السورية، ويسعون راهنا من خلال إعطاء مقعد سوريا في الجامعة العربية الى ما
يسمى بالمعارضة السورية، في محاولة قد تكون الأخيرة، لضرب وحدة سوريا وشعبها.
في الظاهر تقوم
الجامعة العربية بدورها الطبيعي في التصدي للمشكلات العربية، ولكن هذا الدور أصيب
بنكسات عدة، لم يكن آخرها إعطاء الضوء الأخضر لحلف شمال الاطلسي لاجتياح ليبيا، قتل
بنتيجته ما لا يقل عن ستين ألف ليبي وشرد أكثر من نصف المليون، فضلا عن الغياب
التام في الأحداث الكبرى التي تعصف بالمنطقة من ثورات وحروب أهلية، والتي بدأت في
تونس ومصر مرورا بليبيا الى اليمن وصولا الى البحرين، ومن دون أن نتطرق الى الدور
المشكوك فيه للجامعة خلال الحرب الاسرائيلية على لبنان في ال 2006 وعلى غزة في ال 2008، ومساهمتها في إبقاء
الحصار الاسرائيلي مفروضا على قطاع غزة لغاية اليوم، مع ما يتردد من معلومات حول صفقات
مشبوهة لرجال أعمال فلسطينيين بالتواطؤ مع رجال أعمال مصريين لإستغلال مآسي الشعب
الغزاوي من خلال بيع المواد الأساسية كالقمح والمازوت في السوق السوداء بأسعار
خيالية، والتي تهرب عبر الانفاق، وهذه الجريمة في حق أطفال ونساء وكهول الشعب
الفلسطيني تتمّ على قدم وساق بتسهيل ومشاركة حركة حماس في القطاع.
إنّ الهوان
الذي أصاب الجامعة العربية بعد فشلها في تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها وأهمها
توحيد الأهداف بين الدول العربية وتقوية الروابط فيما بينها، يجعلنا نتساءل عن جدوى
وجود هذه الجامعة بعد الآن، وبخاصة أن الشعوب العربية سبقتها بأشواط من ناحية
التطلعات ومواكبة الأحداث، فكبرت الهوة بين الطرفين، ففيما الشعوب اختارت مسار
المقاومة التي أثبتت جدواها في لبنان وفلسطين، قبل ان تسير حركة حماس في المسار
الاستسلامي وبرعاية قطرية، ودخول الحركات الاسلامية المتمثلة بالاخوان المسلمين
على خط الاحداث، ما تزال الجامعة متمسكة بمادرة السلام العربية التي أقرت في بيروت
في العام 2002، في مقابل أنكار تام لها من الجانب الاسرائيلي، هذه الجامعة المتنازلة
منذ زمن عن الحقوق العربية، تسخر جميع مواردها المالية والبشرية اليوم لتقسيم سوريا،
لما تشكله سوريا من عقدة أساس في محور دول الممانعة، إذا ما انكسرت، انفرط العقد
بأكمله، مع ما يتبعه ذلك من القضاء على أي أمل بحياة حرة كريمة لشعوبنا العربية
التواقة الى الحرية، وما ينتج عن ذلك من سيطرة تامة للفكر الظلامي التكفيري على
مشرقنا العربي.
Comments
Post a Comment