Skip to main content

هل تصبح معادلة ريف القصير في مقابل بلدة القصر واقعاً؟



نسيم بو سمرا-

على وقع المعارك الدائرة في ريف القصير، جاء التطور اللافت على الصعيد الأمني من الهرمل هذه المرة، حيث سقطت قذائف عدة على وسط بلدة القصر وبلدة حوش السيد علي، ما أودى بحياة لبنانيَْين وجرح أربعة اشخاص، وتكمن خطورة هذا الاعتداء انه أتى في إطار الايذاء القصدي، بعكس الحالات السابقة، والتي كان القصف فيها للأراضي اللبنانية عرضي من الجيش السوري ومحدودا في المكان ليطاول جرود بلدة عرسال او اطراف وادي خالد،  ردا على تسلل واعتداءات على الحدود من مسلحين من الجانب اللبناني، فيما المعارضة السورية المسلحة هي التي اطلقت القذائف على بلدة القصر، وقد أعلنت جبهة النّصرة مسؤوليّتها عن ذلك، وإذ دعا الجيش الحر على إثر هذا الحادث لبنان، الى منع حزب الله الحليف لدمشق على حدّ تعبيره، من التوجه للقتال في سوريا، تمنى على عناصره ضبط النفس والامتناع عن قصف المناطق الآمنة في لبنان.
يرى بعض المحللين ان هذا التطور الجديد والذي يدخل الساحة اللبنانية في قلب الأحداث الدائرة في سوريا، بعدما بقيت في السابق على تماس غير مباشر معها، أملته الظروف الميدانية السورية حيث يشتد الخناق على المسلحين في جبهات عدة ومن ضمنها الخط الممتد من الحدود مع لبنان وصولا الى مدينة حمص، ما يعني عملانيا ان في حال نجح الجيش السوري بالسيطرة التامة على الحدود الشمالية الشرقية للبنان، سيؤدي ذلك الى قطع طريق امداد المسلحين بالمال والسلاح في حمص وريفها، ووقف انتقال المسلحين عبر الحدود، وقد تمكن الجيش السوري أخيرا من السيطرة على تلة النبي ماندو الاستراتيجية من الناحية العسكرية بسبب انها تشرف على الاراضي اللبنانية والمناطق السورية المحيطة على حدّ سواء، ما أنهى محاولات عدة قام بها المسلحون في السابق لفصل نهر العاصي الشمالي عن الجنوبي، وبالتالي السيطرة على المعابر الحدودية.
هذا من الناحية العسكرية، ففي موازاة تصاعد المعارك الميدانية في سوريا، ينخفض التوتر على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، بعدما أوصلت تقارير استخبارية غربية معطيات الى حكوماتها، في ما خصّ الوضع الميداني المستجد في سوريا، مفادها ان الجيش السوري اتخذ القرار بالحسم النهائي مع مسلحي جبهة النصرة بالتحديد، والتي يتصدر مقاتلوها المعارك وسط تراجع فعالية عناصر الجيش الحر، وقد بدأت الترجمة العملية لهذا التوجه من خلال تمكّن الجيش السوري من فك الحصار عن معسكرين أساسيين له في وسط سوريا، وما يعنيه ذلك من اعادة وصل طرق الامداد التي يحتاجها الجيش للتقدم في مناطق الشمال التي يسيطر المسلحون على أجزاء واسعة منها، وأولى النتائج المباشرة  لهذا المعطى الميداني غداة معارك عنيفة بدأت منذ يومين، ترجمت بسيطرة الجيش السوري على الطريق الدولية المؤدية الى الغوطة الشرقية ما يمهد للهجوم على درعا وطرد المسلحين منها، ويقوم الجيش النظامي أيضا بتكثيف عملياته على الحدود الأردنية لوقف تسلل المسلحين.
  إلا ان السؤال المطروح، ماذا دفع بالنظام الى اتخاذ قرار الحسم، ولماذا تأخر هذا القرار لغاية اليوم؟ وهل يؤشر ذلك الى قرب التوصل الى اتفاق أميركي- روسي بالسير في الحل السياسي على اسس مبادئ جنيف، نتيجة تعذر الحسم العسكري او على الأقل بسبب الكلفة العالية التي يتطلبها الحل العسكري؟ وما مدى تأثير التطورات على الساحة السورية من النواحي العسكرية والسياسية على لبنان؟ وفي هذا السياق يربط بعض المحللين بين تراجع نفوذ المملكة العربية السعودية على الساحة السورية وتقدمه على الساحة اللبنانية، كنوع من تعويض خسارتها في سوريا بعدما ذهبت المملكة بعيدا في دعمها لمناوئي النظام السوري، ما اضطرها الى اتخاذ خطوات متتالية الى الوراء، ويعتقد هؤلاء المحللون ان أولى نتائج العودة السعودية الى الساحة اللبنانية أدّى الى فرط الحكومة برئاسة نجيب ميقاتي والتي أسمتها بعض الدول الاقليمية والغربية بحكومة حزب الله، والاتيان بالنائب تمام سلام لتشكيل حكومة جديدة تكون السعودية راعيتها، الا ان نجاح هذا الأمر أو عدمه، يعتمد على طبيعة الحكومة العتيدة في حال تأليفها ودورها في المرحلة المقبلة.
أمّا التقارير الاستخبارية عن الوضع الميداني في سوريا، فتشير الى ان الجيش السوري بدأ باستعمال أسلحة نوعية لم يتمّ استخدامها في السابق، ما أدّى الى تغيير الوقائع في مختلف المناطق التي تشهد قتالا، فيما قرار الحسم الذي اتخذته القيادة السورية، لم يأتِ بمعزل عن العوامل السياسية والدبلوماسية المساعدة لهكذا قرار، ومن المعلوم في العلم العسكري، الا يمكن لأي جيش مهما بلغ من القوة والتجهيز تحقيق النصر ما لم يستثمر نصره في السياسة، وخير دليل على ذلك ما حصل في العراق بالتحديد، مع الولايات المتحدة التي حسمت الوضع من الناحية العسكرية إلا انها لم تتمكن في النهاية من عقد اتفاق مع الحكومة العراقية يسمح لها بإبقاء بعض المراقبين العسكريين، لحماية مصالحها بعد انسحابها العسكري من هذا البلد.
بعدما عرضنا للعاملين العسكري والسياسي في الوضع السوري، نعرض لأبرز المؤشرات التي تدفع للإعتقاد بأنّ تقهقر المسلحين من جبهة النصرة أمام الهجمات الأخيرة للجيش السوري وبخاصة في مناطق ريف دمشق وحلب، جاء الى جانب العوامل السابقة التي ذكرناها،  نتيجة تراجع الولايات المتحدة والدول الأوروبية عن دعم الجماعات المسلحة في سوريا، وانعكس هذا التراجع إقليميا بانكفاء سعودي لصالح قطر، الداعم الرئيس لجبهة النصرة في سوريا.
يشير الخبراء الاستراتيجيون الى حاجة الولايات المتحدة لإنهاء الصراع العسكري في سوريا، فواشنطن باتت مقتنعة بعد دخول الازمة السورية عامها الثالث، أن الميزان الدولي لا يميل لصالحها بل لصالح دول البريكس في منطقة الشرق الاوسط، ولذلك تعمل واشنطن على التقليل من خسائرها قدر الامكان وتحقيق بعض المكتسبات، وهي بعدما خسرت جميع اوراقها المتعلقة بالحسم العسكري، تراهن اليوم على معارضة قوية للنظام، تملك حدا ادنى من الأوراق لطرحها على طاولة المفاوضات،  أمّا السؤال المطروح: على حساب مَن من الأطراف المتصارعة سيأتي هذا الحل، ومن هو المحور الذي سيفرض شروطه على الآخر للوصول الى حل للأزمة السورية؟
إنّ إنشاء "الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة" تحت عنوان توحيد المعارضة السورية، جاء لتسهيل الحوار مع النظام السوري ولاستبعاد العناصر المتطرفة في الجيش الحر، أما بالنسبة لجبهة النصرة فهي أضحت خارج المعادلة، وتتجه الدول الاوروبية بعد الولايات المتحدة الى وضعها على لائحة الارهاب، وقد حسمت هذه الدول قرارها بعد تردّد طويل في شأن تسليح المعارضة في شكل رسمي على الأقل، والذي ساهم في ذلك، هو الخطر الذي لمسته هذه الدول على امنها القومي بعد تفكيك تركيا بالامس لشبكة تابعة للقاعدة تقوم بتجنيد مقاتلين للقتال في سوريا، وكذلك قامت بلجيكا باعتقال سبعة واربعين شخصا يعملون لحساب القاعدة، وكانت ألمانيا اعتقلت منذ حوالي الشهر شبكة مماثلة تنشط على أراضيها وتخطط لارتكاب اعمال ارهابية في المانيا، وفي سياق متصل، ما تزال الساحة الاميركية تحت صدمة تفجير بوسطن الارهابي الذي أودى في بداية الأسبوع الجاري بحياة ثلاثة اشخاص وجرح المئات، سبعة عشر منهم في حال الخطر، وفي حال كشفت التحقيقات ان تنظيم القاعدة يقف وراء التفجير فعلى واشنطن هذه المرة ان تعيد النظر في استراتيجيتها في المنطقة لا ان تغير تكتيكها فقط، فما يحصل من تفجيرات في سوريا والعراق ويتبناها تنظيم القاعدة من دون مواربة، بدأ يرتد على داعمي هذا التنظيم، فسياسات الولايات المتحدة لم تحد عن استراتيجيتها في هذا الاطار ولكنها غيرت تكتيكها،  ففي حين تظهر للعالم انها تحارب الارهاب، تعمل في الخفاء على ابقاء جبهة النصرة سيفا مسلطا على النظام السوري في حال فشل الاتفاق مع روسيا على الحل الذي قد يطال الى جانب الملف السوري، ملفات معقدة أخرى في المنطقة ومن بينها على سبيل المثال، الملف النووي الايراني.
هذه الحالات الشاذة في الاسلام والتي طافت على سطح الأحداث نتيجة الخريف الاسلامي الذي يمر على مشرقنا العربي، ستكون نهايتها في سوريا،  والساحة السورية هي المكان الأنسب لاجتثاث هذه الحركات التكفيرية، نظرا لتماسك الجيش السوري وتعامله بحزم مع هؤلاء الارهابيين، فمن الناحية العسكرية يعتبر الجيش السوري الوحيد في المنطقة القادر على التحرك باستقلالية وهو غير مرتبط بأي اتفاقيات عسكرية خارج إطار دول البريكس والجمهورية الاسلامية الايرانية، لتحدّ من حركته، فضلا عن ان سوريا تصنّع جزءاً كبيراً من أسلحتها ومن بينها الصواريخ المتطورة البعيدة المدى، والتي استخدمتها المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل في حرب تموز 2006، أمّا من الناحية الفكرية، فالجيش السوري يعمل وفق عقيدة، لذلك لم يشهد انشقاقات عسكرية على رغم كل الإغراءات المالية التي تقدمت بها دولة قطر، ولم تحصل ايضا انشقاقات بارزة على مستوى النظام، وتبقى بعض الحالات القليلة وفي مراكز دنيا لم تشكل أي عبئ يذكر.
إذا، الحل السياسي في سوريا بات قريبا، وهو ينص على مرحلة إنتقالية تبقي على بنية النظام (structure)، مع تحقيق الاصلاحات الشاملة التي اقرها الرئيس السوري بشار الأسد، وبعكس ما حصل في العراق، لن يمس بركائز النظام القائم على عامودين هما: الجيش السوري و حزب البعث، إلا ان على هذا الأخير ان يواكب التغييرات الجذرية الحاصلة في سوريا من خلال تعديل في بنيته ونظامه، تنقله من مرحلة الاستفراد بالسلطة الى مرحلة المشاركة، وتكون المعارضة الراهنة إحدى الاطراف التي ستشارك في الحكم، فيما تشكل القوى الشبابية التي تقطرت بشكل او بآخر في خضمّ الازمة، اللاعب الأساس الذي حافظ على وحدة الشعب السوري في ظلّ مخططات تقسيمه تمهيدا لتقسيم ارضه، وهذه القوى الشبابية الصاعدة ستساهم في شكل كبير في نقل سوريا الى مرحلة جديدة، وبذلك تكون سوريا بتعافيها، قد أفشلت مخطط تفتيت منطقة المشرق العربي بأكمله، لأنّ المحور الذي سينتصر اليوم في سوريا، سيعيد رسم خارطة المنطقة وبالتالي سيعيد صياغة النظام العالمي الجديد للمئة سنة المقبلة.
17 نيسان 2013

Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

  *نسيم توما الهاشم يدعي سيد البلاستيك "إيلي نخله" انه تحت سقف القانون وانه سيحصل حقه بالقانون، فيما هو يخالف في عمله كل القوانين البيئية والصحية، وقد استغل منبر شبيبة لامارتين حمانا ليوصل رسالة تهديد الى قائد شبيبة لامارتين مباشرة على الهواء، فيما نحن ظننا للحظة انه نادم على تلويث البيئة ومستعد لاصلاح ما تضرر، ولذلك نقلنا وجهة نظره وأوصلنا صوته للرأي العام لأن مهنيتنا الصحافية تفرض علينا عرض الرأي الآخر، كي لا نتهم بالتحيز وليحكم الرأي العام في ما خص الجرائم البيئية التي ترتكب في حق وطننا لبنان وبلدتنا حمانا،  وبدل ان يشكرنا سيد البلاستيك الذي أطلق علي لقب "سيد البيئة" وانا افتخر بالمناسبة بهذا اللقب وهو شرف لكل من يملك حسا بيئيا ويقاتل للحفاظ على البيئة ضد الكارتيلات التي تستبيح البيئة وتلوث الطبيعة طمعا بالمال،  لا بل اكثر من ذلك راح يكيل التهم لشبيبة لامارتين حمانا،  ويهاجم بلدية حمانا التي اتخذت الاجراء بحقه وأجبرته على ازالة المخالفة، لأنه متعدي على الأملاك العامة، وهو يوضب بضاعته بشكل ملاصق  للنهر مباشرة، في موقع حساس جدآ بيئيآ؛ بدل ان يبتعد عشرة امطار عن...

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

  بعض السياسيين بلبنان مفكر حالو سعد الحريري  ومصدق شعار "لبنان اولا" اللي طرحتو جبهة ١٤ آذار المزورة...والمضحك اكثر انو مصدقين خبرية "الانحياز الى الدولة" والتي يخلطون بينها وبين السلطة، (في لبنان لا يوجد دولة بل سلطة مرتهنة للخارج بأغلب الاحيان) فيتبنوها شعارا الى جانب شعار ال ١٠٤٥٢ كم٢ السخيف هو ايضا؛ أولا هو منطق بعيد من الواقع لانه لا دولة في لبنان حتى يومنا هذا، فحتى عهد الرئيس ميشال عون فشل في بناء دولة، وما زالت دولتنا منهارة، وثانيا: كل عمرا المقاومات مشروعة دوليا وقوميا ووطنيا وتحل مكان الدولة حين تنهار الدولة، ولبنان ليس استثناء بل يشكل لبنان سابقة في تكامل المقاومة مع فكرة الدولة، ولا تتعارض او تتنافس معها؛ والدليل هو استطاعة الشهيد السيد حسن نصرالله فرض معادلة الردع التي استمرت ثمانية عشر عاما منذ العام 2006 وحتى ال 2024 والمثال الآخر هو ترسيم الحدود البحرية مع العدو الذي اعطى للبنان كامل حقوقه في نفطه وبلوكات غازه حيث لم يكن عهد الرئيس ميشال عون ليحقق هذا الانجاز، لولا مسيرات المقاومة التي حلقت لمرتين فوق حقل كاريش...ليرفع أحدهم شعاره الشهير حينها: ...

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

 *نسيم بو سمرا حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر. اليوم وبعد انهيار أسس ال...