Skip to main content

أمن لبنان من أمن سوريا


نسيم بو سمرا

على وقع سيطرة الجيش السوري الكاملة على ريف اللاذقية، باستعادته القرى التي كانت دخلتها الجماعات المسلحة، بعد مرور أسبوع واحد على محاولتها نقل المعركة الى عقر دار النظام بما سمي "عملية تحرير الساحل السوري"؛ استعاد الجيش زمام المبادرة في ريف دمشق، في موازاة تشديده الخناق على المسلحين في حمص وريفها، ما سيمهد الطريق في حال تحريرها بالكامل، الى التفرغ لمعركة حلب والشمال السوري، الذي يتمتع فيه المسلحون باستثناء المناطق الكردية التي يدافع عنها الأكراد بشراسة، بعوامل القوة، بسبب قربها من تركيا، وسهولة امداد المسلحين فيها بالعتاد.
 أمّا في موازاة التصعيد في سوريا، فقد مرّ لبنان في قطوع أمني الأسبوع الفائت، لم يخرج من دائرة خطره بعد، والذي لم يبدأ بالتفجير الارهابي في الرويس ولن ينتهي به، فالاستنفار الذي اتخذته مختلف الأجهزة المعنية، منذ انفجار الرويس، واتباعها ما يعرف بالامن الوقائي، نجح  بإفشال عملية تفجير سيارة مفخخة أخرى، وفي تفاصيل العملية، ان «الأمن العام» أطبق في منطقة الناعمة بعد عمليات الرصد والمراقبة على خلية إرهابية وأوقف ثلاثة من المشتبه فيهم بالتخطيط لتفجير سيارات مفخخة، وضُبط الشيخ المحرّض ومساعده وشخص ثالث، لكنّ الرأس المدبّر، محمد أ، تمكن من الفرار، أمّا السؤال المطروح فلماذا تأخرت هذه الاجراءات للحد من فاعلية خلايا التنظيمات التكفيرية النائمة منذ أكثر من سنة، قبل أن تنتقل الى مستوى التنفيذ، وهي كانت تخضع للمراقبة من قبل الأجهزة الأمنية قبل ذلك، فهل باتت لعبة السياسيين الداعمين لهذه الجماعات مكشوفة جدا الى حدّ حتّم عليهم التراجع ورفع الغطاء عن هؤلاء الارهابيين؟ وبخاصة ان عامل حزب الله دل بقوة هذه المرة على المعادلة الأمنية، كشفه كلام صريح للامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، مؤكدا أن اذا قصّرت الدولة في القبض على المجرمين والمحرضين في تفجير الرويس وقبله في تفجير بئر العبد، فحزب الله قادر أن يصل إليهم والاقتصاص منهم، وهنا من المعلوم ان حزب الله يساعد الأجهزة الأمنية من خلال تقديم المعلومات الاستخبارية اللازمة، وهذه المعلومات التي تقاطعت مع معلومات الأمن العام هي التي أدّت الى كشف السيارة المفخخة في الناعمة قبل تفجيرها.
ويتضح في هذا السياق الرابط بين ما يحدث على الساحة السورية، والساحة اللبنانية، بامتداداته الخارجية الدولية والاقليمية، فالتفجير الأمني في لبنان في هذا التوقيت بالذات يهدف الى محاولة إلهاء حزب الله في الداخل بغية الحد من فعاليته في المعارك الدائرة في سوريا وبالتالي إنسحابه من هناك، إذ يعتبر المحور الداعم للمسلحين في سوريا ان حزب الله بانخراطه الى هذا الحد في المعارك الدائرة هناك، ساهم في شكل أساس في ترجيح كفة النظام، ولكن يبقى العامل الداخلي في لبنان والموجه من الخارج، الأساس في إنجاح هذا المخطط، وهو من مصلحته نقل المعركة الى ملعب حزب الله لحسابات مذهبية باتت معروفة خلفياتها، أمّا سقوط القذائف المتواصل على الهرمل من الجماعات المسلحة في الجانب السوري، كانت آخر دفعاتها اليوم، يهدف الى ابقاء التوتر على الحدود لإعطاء العصابات اللبنانية المسلحة المتحالفة مع التكفيريين في سوريا، حرية التحرك عبر الحدود، والجدير بالذكر ان ابرز هذه العصابات والمعروفة "بكتيبة شهداء بابا عمرو"، يترأسها المدعوالشيخ رائد الجوري، وهو شاب عشريني لم يكن سوى مهرّب صغير قبل بدء الأزمة السورية، شأنه شأن أفراد عصابته التي تضم مجرمين فارين من العدالة وتجار للسلاح، معظمهم من عرسال، وتستقر راهنا في المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا، هي المسؤولة عن قتل الشباب الأربعة (اثنان من آل جعفر وواحد من آل أمهز ورابع من آل أوغلو) في وادي رافق في جرود عرسال في 16 حزيران الفائت بذريعة أنّهم يشكّلون كتيبة استطلاع تابعة لحزب الله، كما أن معظم أسماء المشتبه بهم في متفجرة بئر العبد في ٩ تموز الفائت وإطلاق الصواريخ على الضاحية وبعبدا واليرزة وقتل عسكريين من الجيش على حاجز في البقاع، ينتمون الى هذه المجموعة، ويحكى ان هذه المجموعة تتهيأ الى جانب العصابات الأخرى التي تضم في صفوفها لبنانيين وسوريين ايضا، لمعركة مرتقبة مع الجيش السوري وحزب الله، في القلمون ويبرود، ويشكل هذا المحور آخر المعاقل الخارجة عن سيطرة الجيش السوري واللبناني، بعدما خسروا امتدادهم الجغرافي بسقوط القصير وريفها، ويذكر أن جبال القلمون هي امتداد لجرود عرسال، والدخول إليها يعني حتمية المرور بالجرود، وتُحيط بها قرى سورية عدة ما زالت تسيطر عليها المعارضة السورية.
بالعودة الى التصعيد الميداني في سوريا من قبل المعارضة، والذي يأتي بعد سلسلة هزائم في مختلف ساحات القتال، مرده الى عوامل عدّة، أولها نقل الملف السوري من قطر الى المملكة العربية السعودية، وإشراف بندر بن سلطان رئيس الإستخبارات السعودية والحاكم الفعلي والإستراتيجي للسعودية، في شكل مباشر على تفاصيل الوضع في سوريا، وأولى نتائج هذا التغيير تمثل بدعم فصائل الجيش الحر على حساب جبهة النصرة، التي وإن شكّلت فرعا من تنظيم القاعدة الذي تدعمه السعودية، إلا ان هناك في السياسة ما يسمى بالطاولة المقلوبة، والطاولة المقلوبة تعني أن الأعداء ليسوا دائماً أعداء، بل قد يصبحون أصدقاء إن لزم الأمر، ومن مصلحة جميع الدول العربية والخليجية أيضا وعلى رأسها السعودية، في ظل ما يحصل في مصر وتونس الذي طلب أخيرا مساعدة الجيش الجزائري في التصدي لخطر القاعدة، وقد يتعمم الى بلدان أخرى وأبرزها السعودية، والنشاط الأخير للتنظيم في اليمن وحدود السعودية دليل على ذلك، فالحرب المقبلة في المشرق العربي يرى المحللون انها ستكون بين الجيوش العربية من جهة والتكفيريين من جهة أخرى، الذين تغلغلوا في مجتمعاتنا الى حد بعيد وفي برنامجهم بندا وحيدا: الوصول الى السلطة ولو بالقوة، وفرض تطبيق الشريعة الاسلامية على هذه المجتمعات، إلاّ ان هذه الحرب ستكون في مصلحة الجيوش، وانكفاء الاسلام السياسي من الساحات السياسية في مختلف الدول العربية، وهذا التوجه ليست الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وحتى أوروبا، وبتشجيع روسي، بعيدين عن دعمه، لما بات المتطرفون يشكلونه من خطر داهم على الراعين لهم أيضاً.

إنّ المسار السياسي في سوريا يحدده الجانب الميداني، والحسم الذي أصبح قرارا لا رجوع عنه للرئيس السوري بشار الأسد هو الذي سيرسم أفق العملية السياسية، مع مؤتمر جنيف أو من دونه، والحد الأقصى الذي يمكن ان يقدمه النظام السوري الى مناوئيه، هو مشاركتهم في الجغرافيا وليس في القرار السياسي(لأنه بذلك يضعضع أسس وجوده)، ولكن هذا الحل سيكون بالطبع لفترة محدودة من الزمن، يتجه بعدها الجيش السوري بعد ان يكون قد التقت أنفاسه، الى السيطرة بشكل تام على كامل التراب السوري، من خلال اجتثاث التكفيريين من آخر موطئ قدم لهم، في شمال سوريا.  


Comments

Popular posts from this blog

معمل بلاستيك يتعدى على حرمة نهر حمانا وأصحابه يتهمون رئيس بلدية حمانا بالتحيز لشبيبة لامارتين

  *نسيم توما الهاشم يدعي سيد البلاستيك "إيلي نخله" انه تحت سقف القانون وانه سيحصل حقه بالقانون، فيما هو يخالف في عمله كل القوانين البيئية والصحية، وقد استغل منبر شبيبة لامارتين حمانا ليوصل رسالة تهديد الى قائد شبيبة لامارتين مباشرة على الهواء، فيما نحن ظننا للحظة انه نادم على تلويث البيئة ومستعد لاصلاح ما تضرر، ولذلك نقلنا وجهة نظره وأوصلنا صوته للرأي العام لأن مهنيتنا الصحافية تفرض علينا عرض الرأي الآخر، كي لا نتهم بالتحيز وليحكم الرأي العام في ما خص الجرائم البيئية التي ترتكب في حق وطننا لبنان وبلدتنا حمانا،  وبدل ان يشكرنا سيد البلاستيك الذي أطلق علي لقب "سيد البيئة" وانا افتخر بالمناسبة بهذا اللقب وهو شرف لكل من يملك حسا بيئيا ويقاتل للحفاظ على البيئة ضد الكارتيلات التي تستبيح البيئة وتلوث الطبيعة طمعا بالمال،  لا بل اكثر من ذلك راح يكيل التهم لشبيبة لامارتين حمانا،  ويهاجم بلدية حمانا التي اتخذت الاجراء بحقه وأجبرته على ازالة المخالفة، لأنه متعدي على الأملاك العامة، وهو يوضب بضاعته بشكل ملاصق  للنهر مباشرة، في موقع حساس جدآ بيئيآ؛ بدل ان يبتعد عشرة امطار عن...

خسر مصداقيته من الجهتين فبات عديم الوفاء امام جمهور المقاومة ولم يربح الجمهور المعادي للمقاومة- نسيم بو سمرا

  بعض السياسيين بلبنان مفكر حالو سعد الحريري  ومصدق شعار "لبنان اولا" اللي طرحتو جبهة ١٤ آذار المزورة...والمضحك اكثر انو مصدقين خبرية "الانحياز الى الدولة" والتي يخلطون بينها وبين السلطة، (في لبنان لا يوجد دولة بل سلطة مرتهنة للخارج بأغلب الاحيان) فيتبنوها شعارا الى جانب شعار ال ١٠٤٥٢ كم٢ السخيف هو ايضا؛ أولا هو منطق بعيد من الواقع لانه لا دولة في لبنان حتى يومنا هذا، فحتى عهد الرئيس ميشال عون فشل في بناء دولة، وما زالت دولتنا منهارة، وثانيا: كل عمرا المقاومات مشروعة دوليا وقوميا ووطنيا وتحل مكان الدولة حين تنهار الدولة، ولبنان ليس استثناء بل يشكل لبنان سابقة في تكامل المقاومة مع فكرة الدولة، ولا تتعارض او تتنافس معها؛ والدليل هو استطاعة الشهيد السيد حسن نصرالله فرض معادلة الردع التي استمرت ثمانية عشر عاما منذ العام 2006 وحتى ال 2024 والمثال الآخر هو ترسيم الحدود البحرية مع العدو الذي اعطى للبنان كامل حقوقه في نفطه وبلوكات غازه حيث لم يكن عهد الرئيس ميشال عون ليحقق هذا الانجاز، لولا مسيرات المقاومة التي حلقت لمرتين فوق حقل كاريش...ليرفع أحدهم شعاره الشهير حينها: ...

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

 *نسيم بو سمرا حين قمت ببحث في العام ٢٠١٠ ونشرته فيي صحيفة متخصصة، عن بدء انهيار الامبراطورية الاميركية، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وبدء تقهقرها عسكريآ، نتيجة عنجهية حكامها وشنهم الحروب حول العالم من دون هوادة، بدءا من افغانستان مرورا بالعراق على وقع أحداث١١ أيلول ٢٠٠١ والتي بدأت تتكشف خيوطها اليوم، بأن ضرب برجي نيويورك كان حدثا افتعله جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية ليبرر جراءها احتلال دول حول العالم واسقاط أنظمتها؛ سخر كثر من نظرية بداية انهيار النظام العالمي التي سوق لها مفكرون وباحثون بعضهم ينتمي الى المعسكر الغربي ايضا، وليس محصورا بمراكز الدراسات في المعسكر الشرقي، نظام شكل بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الهيمنة على مقدرات الدول الفقيرة والضعيفة ولكن الغنية بالمواد الالية، والقائم على القطب الواحد، قبل ان يستيقظ الدب الروسي من ثباته العميق كما ينهض التنين الصيني بدءا من ال ٢٠١٠، لتنطلق مرحلة جديدة من تشكل نظام عالمي اكثر عدالة وتوازنا، توزعت فيه القوى على مختلف القارات بتشكل مراكز جذب اقتصادية، مثل تجمع البريكس على سبيل المثال لا الحصر. اليوم وبعد انهيار أسس ال...