تيار المستقبل وخطابه السياسي المقنُّع بعدة أقنعة

نسيم بو سمرا

عند انفجار الرويس في الضاحية الجنوبية، هبّ تيار المستقبل وحلفاؤه للشماتة بجمهور المقاومة، على رغم خطابهم المقنَّع، وهم كما صنفوا اللبنانيين في حرب تموز 2006 ووقفوا الى جانب الجلاد مقدمين له الأسباب التخفيفية وملقين اللوم على الضحية، يعيدون الكرة اليوم ويحمّلون حزب الله مسؤولية التفجيرات الارهابية والانفلات الأمني في لبنان، بسبب تورطه في سوريا على حدّ ادعاءاتهم، متناسين انغماسهم في المشروع التآمري على سوريا منذ بداية الازمة وادارتهم لغرفة عمليات من الأراضي التركية بقيادة النائب عقاب صقر موكلا من رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، تعقد صفقات شراء الأسلحة وتوصلها الى داخل الأراضي السورية، بالاضافة الى قيامها بدور تنسيق توزيعها على مختلف أجنحة المعارضة المسلحة ، فضلا عن تأمين تيار المستقبل البيئة الحاضنة لهم في لبنان، وكل هذا التورط حدث قبل دخول حزب الله مرغما الى سوريا، لرد الهجوم التكفيري الذي كاد يطبق على شمال لبنان، لو تمكنت الجماعات المسلحة من استكمال فرض سيطرتها على ريف القصير.
أمّا الخطاب السياسي لتيار المستقبل وحلفائه تجاه تفجيري طرابلس، فمختلف كليا، وهذا لا يعود الى تأثرهم وتعاطفهم مع أبناء جلدتهم، كما يحلو للبعض الايحاء، بل إستغلالا لدم الشهداء، كما جرت عادتهم عقب كل تفجير، إلا ان اللافت هذه المرة كان التخبط في تحليلهم لسياق الأحداث، وقد بدا ذلك جليا في كلمة رئيس كتلة المستقبل النائب فؤاد السنيورة، الذي اشار بوضوح عقب تفجير الرويس، الى ان التفجير جاء ردا على تورط حزب الله في معارك سوريا، بما معناه ان المفجر هي المعارضة السورية المسلحة، ثمّ عاد بعد تفجيري طرابلس ليتهم النظام السوري بالمسؤولية عن التفجيرات الارهابية جميعها، والتي تشمل تفجير بئر العبد منذ مدة، مرورا بتفجير الرويس، وصولا الى تفجيري طرابلس، فهل يقبل أي عاقل هذا المنطق المتقلب والسخيف؟
إنّ أقل ما يقال عن معظم مواقف فريق 14 آذار بعد كل تفجير ارهابي وفي شكل خاص عقب تفجيري طرابلس، أنه معيب ويفتقد الى أدنى معايير الأخلاق والشعور الوطني والانساني، ففيما أجمعت معظم المواقف على التحلي بالوعي، لإفشال المخطط الفتنوي من وراء هذه التفجيرات والهادف الى استثارة المشاعر والعصبيات واستجرار ردود الفعل، لم يتوانى بعض السياسيين المحسوبين على تيار المستقبل، من قذف الاتهامات، محمّلين بالمواربة أو في شكل مباشر حزب الله مسؤولية ما يحصل، في وقتٍ كانت لا تزال فرق الانقاذ ترفع أشلاء القتلى من ساحة الجريمة، فعاصمة الشمال تساوت من ناحية النكبة، بالضاحية الجنوبية لعاصمة لبنان خلال أسبوع واحد، والارهاب واحد لا يميز بين منطقة وأخرى وطائفة وأخرى ، وسط دخول تنظيم القاعدة على خط الأحداث، على الأقل جهاراً، وتمثّل بتحذير القاعدة لحزب الله من عقاب سينزل به قريباً ردا على تفجيري طرابلس، وإعلان إسرائيل بأن منظمة الجهاد العالمي التابعة للقاعدة هي المسؤولة عن إطلاق الصواريخ أخيرا من جنوب لبنان على فلسطين المحتلة.
لقد قامت الأجهزة الأمنية بعد تفجير الرويس بتغيير طريقة عملها، فانتقلت من سياسة الأمن الاستيعابي، او ما يعرف بالامن بالتراضي الى الأمن الوقائي أو الاستباقي، وقد نجحت نسبيا في تعطيل مخطط كان سيودي بالبلد الى الفوضى الشاملة، وتمكنت هذه الأجهزة من تفكيك اكثر من شبكة ارهابية تعمل على التحضير لتفجير سيارات مفخخة في مختلف المناطق اللبنانية، ولكن هذا الاستنفار الأمني لم يواكبه استنفار سياسي يواكب الأجهزة الأمنية في عملها، فلا الحكومة تشكلت ولا الأفرقاء تلاقوا للبحث في كيفية درء الساحة عن الانزلاق الى ما هو أخطر، وقد جاءت التحذيرات من عرقنة لبنان، من جهات دولية عدة، فيما لا  يزال تيار المستقبل غارقا في حساباته الضيقة ومنغمس الى اقصى الحدود في المشروع الثلاثي؛الاميركي الاسرائيلي التكفيري المعد للمشرق العربي، والذي يمكن ان يعم المنطقة في حال تمكن من الانتصار في سوريا،  ففي وقتٍ يتصدى النظام السوري بقيادة الرئيس السوري بشار الاسد لهؤلاء الجهلة المجرمين الذين يرتكبون الفظاعات في حق الشعب السوري ومن بينها استعمال السلاح الكيماوي أكثر من مرة كان آخرها في جوبر، يجند العالم الذي من المفترض انه يحارب الارهاب بحسب ادعاءاته، كل طاقاته للتخلص من النظام الوحيد الذي يعمل بنجاح حتى الآن على وضع حدّ لإجرام التكفيريين، ما سينقذ ليس فقط سوريا من رجسهم وشرهم، بل المشرق العربي برمته لا بل العالم كله.
26/8/2013


Comments