سوريا ودورها المفصلي في إعادة تشكيل العالم الجديد

نسيم بو سمرا

في ظل الارباك الاميركي الذي رافق الحملة على سوريا، وعلى وقع التخبط الأوروبي بين عدم مشارك في الضربة على سوريا ومنسحب منها، ومصرّ على خوض غمارها، تتحضّر سوريا ومحور الممانعة  لمواجهة الضربة التي بات معلوما انها ستحصل ولكن بسيناريو مختلف عن الخطة الأساس والتي ستكون مفاعيلها محدودة، حتى في حال تمّ الرد السوري عليها، وهو ما يرجحه المراقبون، نظرا للقرار الروسي بعدم البقاء في موقع المتفرج، وقد نجح الكرملين حتى الآن بالاختبارات الكثيرة التي خضع لها من الجانب الاميركي كان آخرها رصد الرادارات الروسية منذ اللحظة الأولى لإطلاق الصاروخين البالستيين في المتوسط، ما يؤشر الى جهوزية موسكو للمعركة الآتية.
هناك تفسير منطقي لتركيز العالم الغربي على منطقة المشرق، كونها تقع على مفترق طرق توزيع الطاقة من الشرق الى الغرب وهي تشكل فاصلا بين مختلف قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا، ويراد لهذه المنطقة منذ ما قبل التاريخ أن تشكل ممرا لمصالح الدول، وليس مسموحا ان تنشأ فيها دول ذات سيادة تستفيد من موادها الاولية وتفرض شروطها على العالم الغربي وتتحكم بسير اقتصاده، فهذا العالم يحتاج لهذه المواد التي تضخ الحياة في شرايين اقتصاده، للإستمرار، بسبب اعتماده شبه الكلي على النفط الأحفوري حتى يومنا هذا، ولذلك وبعد اندحار الاستعمار المباشر على شعوبنا بقيت الأمور تسير في المنحى نفسه ولكن بطرق مختلفة، وعمل على ابقاء هذه الدول ضعيفة هجينة لا تستمر إلا من خلال بيع موادها الأولية بأبخس الأسعار واستيراد حاجياتها المصنعة بهذه المواد لدى الدول الصناعية، وبقيت هذه الدول لردهة طويلة من الزمن في حالة جمود على المستويات العلمية، وبقي نموها الاقتصادي في أدنى مستوياته، أمّا بعد خروج دول المشرق من كبوتها، وبالاخص إيران ودول المشرق العربي، رفع التحدي، وبات على الدول الصناعية التدخل بالقوة لمنع تحقيق أي قفزة نوعية لهذه الدول تخرجها من القمقم، فعملت على ضرب الجيوش القوية التي تشكل المظلة لأي دولة تعمل على حماية مصالحها الحيوية، وقد بدأ هذا المخطط بالتنفيذ مع الجمهورية الاسلامية الايرانية والذي تصدت له ايران وأفشلته، انتقل بعدها الى العراق ونجح هناك بتفتيت الجيش العراقي وبالتالي الدولة العراقية، واليوم يستكمل هذا المخطط في سوريا وفي حال نجاحه سيكمل للقضاء على آخر الجيوش العربية، وهو الجيش المصري، فليس مسموحا أن تمتلك دولنا جيوشا نظامية عقائدية، بل المطلوب أنظمة ضعيفة تملك شرطة لمكافحة الشغب تقمع شعوبها نزولا عند ارادة أسيادها، كما هي الحال مع السلطة الفلسطينية، وتهيمن الولايات المتحدة عندئذ على المنطقة بواسطة اسرائيل التي تعرّف "بجيش يملك دولة، لا دولة تملك جيشا"،  وفي هذه الحال تعود الولايات المتحدة لتتحكم بمصائر الشعوب مرة أخرى، ولن تتمكن عندئذ لا دول البريكس ولا ألبا ولا حتى روسيا من أن تطئ قدميها البحر المتوسط من جديد، وبالتالي تنتهي الى غير رجعة التعددية القطبية.
إن ما يحصل اليوم في سوريا يندرج في هذا السياق، والضربة التي يحضر لها جاءت بعدما فشلت جميع أساليب إسقاط سوريا، بسبب تصدي جيشها للمرتزقة، على مختلف الجبهات الداخلية ويحقق الانتصار تلو الآخر على الجماعات المسلحة والتكفيرية، ولم يبقى الا الاعتداء الخارجي المباشر لوقف اندفاعة الجيش السوري، لتحقيق نوع من التوازن بينه وبين المسلحين ينهك قوى الطرفين، ما يوصل الى ابعد من جنيف 2 ، الى مؤتمر دولي يتخطى جدول أعماله الازمة السورية ليطال مختلف الملفات العالقة من البرنامج النووي الايراني الى تقسيم العالم الى مناطق نفوذ بين الولايات المتحدة والمحور المناهض لها، أمّا الهدف الآخر من وراء الضربة فهو المخزون الضخم للسلاح الكيميائي التي تملكه سوريا،  والعين الغربية والاسرائيلية شاخصة اليه، ما سيؤدي الى سحب عامل القوة لدى سوريا ويريح إسرائيل من أي تهديد مستقبلي، في وقت تملك اسرائيل ليس فقط السلاح الكيماوي، بل أيضا السلاح النووي.
إلاّ  ان هذا المخطط ليس سهل التحقيق إذا لم يكن مستحيلا، لأن سوريا ليست ليبيا ولا العراق، فسوريا لا يمكن عزلها كما فعلوا في هاتين الدولتين، وهي تشكل حاجة اقليمية وحتى دولية، تبدأ من فنزويلا وتمر بإيران ولا تنتهي في روسيا، ولذلك إن أي ضربة أميركية للأراضي السورية ولسلاحها الكيميائي الرادع، سيؤدي الى رد قوي، لا يعرف مدى حجمه ولا كيف سينتهي، ولكن يبقى السؤال الذي لا يبذل الغرب جهدا للإجابة عليه، وهو ماذا بعد الضربة، وهل يمكن حصر الزلزال في المنطقة، أو انه يمكن لتردداته أن تشمل العالم أجمع؟ وما هي مصلحة أوروبا وبالتحديد فرنسا من اسقاط النظام في سوريا، وهل تتحكم باريس بالجماعات المسلحة وبخاصة التكفيرية منها، وقد راينا ماذا حل بليبيا بعد الاندفاعة الفرنسية في قلب نظام الحكم فيها، حيث سيطر المتشددون على الحكم هناك، ثمّ إنّ من يضمن عدم فقدان السيطرة على مخازن الكيماوي ووقوعها في أيادي جبهة النصرة التابعة للقاعدة، ما سيدخل العالم في مرحلة جديدة من الاعمال الارهابية، التي ستطال بالاخص دول أوروبا والولايات المتحدة.
إنّ مسار الاحداث راهنا على الساحة الشرق أوسطية، يعتبر مفصلي من الناحية الجيو- سياسية، ومن يملك القدرة على التحمل والصمود واجتراح الحلول للخروج بأقل كلفة ممكنة من المواجهة، سيفرض شروطه على الآخر، ولا بد لسقوط الاحادية الاميركية في العالم من أن تأخذ مفاعيلها بعد انتهاء الأزمة السورية وخروج مصر من مخاضها، فهاتين الدولتين تشكلان القلب النابض لمنطقة المشرق العربي، وخروجهما سالمين من الاحداث الاليمة التي يمران بها، سيعيد التوازن الى العلاقات الدولية وسيرسم ليس فقط خارطة المنطقة، لا بل سيعيد تشكيل النظام العالمي، الذي يأمل ان تبنى مداميكه على ركام النظام الراهن، ويقوم على الحق والعدل والمساواة.

4/9/2013

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا