من دمشق الى كييف...المشروع واحد



نسيم بو سمرا

في ظل الكباش الدولي وتسابق الدول الكبرى على حجز مساحات أوسع على الخارطة العالمية الجديدة والتي تتشكل راهنا من رحم عذابات الشعوب وسيل دمائها وانهيار نظم عيشها، تعصف الأحداث من فنزويلا الى دول شمال أفريقيا مرورا بالشرق الأوسط والخليج العربي وصولا الى أوكرانيا، حيث الصراع على السلطة في هذا البلد الأخير يأتي نتيجة تدخل وتشجيع خارجي، وبالتحديد أميركي أوروبي، كما هي الحال في معظم الدول التي ذكرناها، وهذا المسار الذي تتبعه القارة العجوز والامبراطورية المتداعية، له أسبابه الجيو-سياسية، نتيجة التحوّلات الكبيرة التي يمر بها عالمنا اليوم، على المستويات الإقتصادية والثقافية وانتشار المعرفة الذي يترافق مع التطور العلمي، سيما أنّ احتكار المعرفة من قبل عدد قليل من القوى حتى الأمس القريب، ورأينا كيف استنفر العالم قواه وإمكاناته للتصدي لمحاولات الجمهورية الاسلامية الايرانية دخول النادي النووي، هذا الإحتكار للمعرفة إذاً، أدّى الى إستغلال الشعوب وإفقارها من خلال سرقة ثرواتها الطبيعية والبشرية، ووضعها تحت رحمة الشركات الكبرى التي تتّبع نمط إنتاج، يقضم حقوق الناس باستمرار ولا ينمو إلاّ على قوانين معدّل الربح ومدى الإستغلال ووتيرة تحقيق القيمة الزائدة، ويستند هذا النظام الى مركزية القرار ومركزية رأس المال، ولذلك نشهد راهنا بعد فتح الأسواق وانتقال الرساميل وتوزعها على اقتصادات عدّة، إنهيار الأسس التي بني عليها هذا النظام، وبدء تشكل نظام عالمي جديد ينطلق من مبدأ العدالة الإجتماعية وحق الشعوب في استغلال ثرواتها وتثميرها في إنماء اوطانها وإعادة الإعتبار الى كرامة الإنسان بعدما جعله النظام الرأسمالي سلعة.
إلاّ أنّ هذه المتغيرات على الصعد كافة لم تحدث بين ليلة وضحاها، وكلّفت الكثير من المآسي والدمار، وما تزال الحروب تشتعل في أكثر من منطقة، واليوم نشهد ترابطا بين مختلف الساحات المتوترة، أبرزها بين الساحتين السورية- الأوكرانية، فبعدما فشل مخطّط منع روسيا من الوصول الى البحر المتوسط، ولأسباب عدة، أهمها صمود النظام السوري في وجه الهجمة العالمية عليه، ما أدّى الى ترسيخ التعاون مع موسكو وتطويره أكثر من أي وقتٍ مضى، من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، وتواجد الأسطول الروسي في ميناء طرطوس، هو أحد أوجه هذا التعاون، ولذلك تحاول اليوم واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون إقفال المنافذ البحرية في وجه موسكو، إنطلاقا من باحتها الخلفية في شبه جزيرة القرم في أوكرانيا، وبذلك يصبح الأسطول الروسي الذي لا يمكنه التحرك معظم أيام السنة في البحار الشمالية، بسبب تكون الجليد، محاصر وغير قادر على الولوج الى البحار المفتوحة.
الرد الروسي على هذه المحاولات، جاء حازما من خلال الخطوات العسكرية الخاطفة التي اتخذت في مقاطعة القرم والشرق الأوكراني، وأدّت الى انقلاب أبيض لصالح الحكم في موسكو، ويتوقع أن يثبّت هذا الوضع الذي يجعل من شرق أوكرانيا امتدادا سياسيا وجغرافيا للأراضي الروسية، بالاستفتاء المقرر إجراؤه في نهاية الشهر الجاري، وهنا تكمن أهمية هذا الاستفتاء الذي سيتقرر بنتيجته ما إذا كانت القرم ستبقى تابعة للسلطة في كييف مع احتفاظها بالحكم الذاتي، أو أنها ستنفصل لتصبح دولة مستقلة، تحت كنف موسكو.
أمّا لفهم ما يحدث فعلياً في أوكرانيا، فيجب الاضاءة على تاريخ هذه الدولة ومدى أهمية موقعها الجغرافي بالنسبة لقارتي آسيا وأوروبا على حدّ سواء، وهي لم تصبح دولة واحدة في تاريخها إلا بعد الحرب العالمية الثانية، حين ضمها الاتحاد السوفياتي إليه، وكانت قبل هذا التاريخ مقسمة الى مناطق نفوذ، للدول والممالك المحيطة بها، كالمجر وهنغاريا وسلافيا وروسيا القيصرية الخ، وكانت المرة الأولى التي استقلت فيها فعليا، هي حينما انهار الاتحاد السوفياتي في العام 1989 ، ولكنها بقيت تدور في الفلك الروسي ولم تكن سلطتها مركزية، بل ضعيفة ومفككة بسبب الاثنيات المتعددة والمتناحرة التي تتشكل منها، السلافية والجرمانية وغيرها، إضافة الى انقسام الشعب بين الأورثوذكس والكاثوليك، على رغم أن اللغة الرسمية هي الروسية ومعظم الشعب الاوكراني لسانه روسي والقلة القليلة منه يتحدث باللغة الأم، وتقتصر السلطة المركزية على العاصمة كييف وبعض المناطق القريبة منها، فيما باقي البلاد تتمتع باستقلالية شبه ذاتية، في حين تمتعت شبه جزيرة القرم بحكم ذاتي موالي لروسيا، نظرا لكون حوالي 60% من سكانها من الروس والنسبة الباقية موزعة على إثنيات أخرى؛ تملك البحرية الروسية في شبه جزيرة القرم الواقعة على البحر الأسود، ثاني أكبر قاعدة لأسطولها، تنطلق منه عبر مرمرة الى البحار المفتوحة، أمّا القاعدة البحرية الاستراتيجية الثانية للأسطول الروسي، فتقع في البحر المتوسط وبالتحديد في طرطوس في سوريا، وتضاهي في أهميتها تلك على البحر الأسود.
ولكن لماذا تمّ تحريك قضية أوكرانيا اليوم، في وجه روسيا، وما هي طبيعة الصراع الداخلي في أوكرانيا وما هي خلفياته؟ فمن المعلوم أنّ العامل الذي دفع الى استقلال أوكرانيا في العام 1989 والذي منعها من أن تتوحد طوال قرون، هو نفسه اليوم من يدفعها الى التمرّد على موسكو، وهذا العامل يقوم على المصالح الدولية، وفي حين لا تملك أوكرانيا مقومات دولة، من النواحي كافة، يعمل اليوم على استخدامها كخاصرة رخوة لروسيا، على وقع إعادة موسكو بناء نفوذها العالمي، وإذا كان الكرملين مدركا للقوة التي استعادتها روسيا والتي ساهمت الى جانب صحوة التنين الآسيوي الاقتصادية في إنهاء الأحادية القطبية لصالح تعددية الأقطاب، فهو في الوقت نفسه لا يريد إعادة الثنائية القطبية، وهو غير قادر في إمكاناته الحالية ولا يرغب كما هي حال الولايات المتحدة أيضاً بالعودة الى الحرب الباردة، إلاّ أنّ الحالة المتطرفة التي عملت وكالة الاستخبارات الأميركية على خلقها في أوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينات، تعمل واشنطن على استخدامها راهناً للضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أولاً للحد من انطلاقة روسيا التي تعزز اليوم انتشارها العسكري في مختلف أنحاء العالم، وقد أعلن وزير الدفاع الروسي التوجه لإنشاء قواعد عسكرية جديدة في فيتنام وكوبا وفنزويلا ونيكاراغوا وسنغافورا وغيرها،   ومن جهة أخرى للقبول بتسوية في الشرق الأوسط على وقع بدء العد العكسي لهزيمة المشروع التكفيري في سوريا، ولاستباق الحسم النهائي الذي يقترب الجيش السوري من تحقيقه في الميدان، وهذه الحالة المتطرفة التي استطاعت الاطاحة بالرئيس الاوكراني يانوكوفيش الموالي للكرملين، تتألف من عصابات عنصرية ذو فكر نازي، وهي مدعومة وممولة من الحركة الصهيونية التي تملك أذرعا قوية في الاقتصاد والبنوك والأعمال في هذا البلد، ورجال الأعمال اليهود هم الأكثر ثراءً في أوكرانيا، ومن المهم ذكره أنّ الجالية اليهودية المهاجرة من أوكرانيا الى فلسطين المحتلة، هي الأكبر؛ تصنّف أوكرانيا  من أكثر الدول فسادا، وتسيّر شؤونها بحسب مصالح المافيا التي تديرها، وطرفا النزاع فيها، من موالاة ومعارضة، متورطان في الفساد، أمّا العامل الأخطر الذي يخشى الكرملين من دخوله على خط الأحداث ويتساوى مع خطر الحركات النازية في أوكرانيا، وبخاصة أنّ روسيا الاتحادية تضمّ ستة جمهوريات ذات غالبية إسلامية من أهمها الشيشان، فهي المنظمات التكفيرية التي تستخدم العمليات الانتحارية، والتي تستمد قوتها ممّا يحصل في سوريا، ونحن في لبنان نختبر راهنا هذا الارهاب التكفيري الذي يتخطى كل الحدود، ويتغذى على طعم دماء ضحاياه الأبرياء ورائحة جثثهم المتفحمة ومشهد أشلائهم المتطايرة.

Comments