ماذا بعد إغراق لبنان بالنازحين السوريين والارهابيين التكفيريين؟



نسيم بو سمرا

"إنّ حزب الله تخطى الوكالة المعطاة له ما أدّى الى إدخال لبنان في دائرة الخطر وعلى الحزب الانسحاب من سوريا"، هي آخر مقولة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي دأب في الفترة الأخيرة على توجيه الرسالة تلو الأخرى في هذا الاطار، وجاء هذا القول الأخير ردا على سؤال صحافي أشار الى تخطي الرئيس لخطاب القسم في ما خصّ المقاومة، في حين لا تحتاج المقاومة في أي بلد في العالم وتحت أي ظرف الى إذن من أحد لتدافع عن وطنها، وكل الشرائع الدولية والأديان تنص على حق الناس جماعات وافراد في مواجهة الظلم والتصدي للظالم ، ثم ان على المسؤول الأول والقائد الأعلى للقوات المسلحة أن يمتلك الرؤيا ويستشرف المرحلة ويضع خطة لمعالجة المشكلات القائمة بحسب الأولويات، وبخاصة أن الساحة الداخلية تغرق بالمشكلات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا سيما أن الأمن المتفلت والذي نرى تجلياته في طرابلس وعلى الحدود الشمالية- الشرقية وفي عرسال، إضافة الى استمرار تدفق النازحين السوريين، وجديد التوترات الأمنية ما حصل فجر اليوم من اشتباكات في الحي الغربي خلف المدينة الرياضية في العاصمة بيروت اندلعت بين مسلحين من التيار العربي من جهة وتيار المستقبل وسلفيين من جهة اخرى، واستقدام الجيش تعزيزات الى المنطقة وانتشاره في أماكن التوتر، وحصيلة هذه الاشتباكات قتيل وأحد عشر جريحاً، هذا الفلتان الأمني اصبح يشكل خطرا كبيرا لا تنفع معه المعالجات الجزئية والانتهازية، نظرا لتورط بعض الأجهزة الرسمية في الدولة اللبنانية مع الجماعات الارهابية التكفيرية وغير التكفيرية ومدها بالسلاح والعتاد، تلاقيها بعض الجهات السياسية بتأمين الغطاء السياسي والقضائي لهذه الجماعات، أمّا الذي يدفع الثمن الباهظ بدمائه وعلى حساب كرامته، فهو الجيش اللبناني، والمثال على هذه السياسة الخرقاء المتبعة من قبل السلطة السياسية، التي وعلى رغم معرفتها المسبقة بحصول معركة القلمون، إلاّ أنها لم تتخذ الإجراءات على الحدود الشمالية- الشرقية، الكفيلة بمنع دخول المسلحين الفارين من المعارك هناك الى الاراضي اللبنانية، ورأينا كيف تدفق المئات منهم، وتشير بعض التقارير الى فرار ثلاثمئة مسلح الى وادي خالد من قلعة الحصن في ريف حمص، وحوالي ثلاثة آلاف الى عرسال من يبرود،  وقد أقيمت المستشفيات الميدانية لاستقبال الجرحى فيما قتل في هذه المعارك مع الجيش السوري المئات ومن بينهم لبنانيين، أبرزهم أمير جند الشام في لبنان، ابو سليمان الدندشلي؛ هذه التطورات تزامنت مع انطلاق الجولة العشرين في طرابلس والتي أدت حتى الآن الى مقتل حوالي ثلاثين شخصا وجرح ما لا يقل عن مئة وستين آخرين؛ ويشير المراقبون الى أنّ تفجر الوضع الطرابلسي يؤشر الى حجم الهزيمة التي مني بها المسلحون في المعارك الأخيرة، أمّا شراسة المعركة التي أدّت الى ارتفاع عدد الضحايا في هذه الجولة فمردها الى دخول الإرهابيين التكفيريين الذين يقاتلون في سوريا على خط المعارك في عاصمة الشمال، ومن أبرز تجلياتها، إستخدام العبوات الناسفة لأول مرة وبشكل ممنهج ضد آليات الجيش.
أمّا بالعودة الى السياسة، فقد تزامن موقف رئيس الجمهورية الأخير تجاه المقاومة مع مواقف بعض النواب في جلسات مناقشة البيان الوزاري، التي أفضت الى نيل الحكومة الثقة، بعد أحد عشر شهرا من الجمود والشلل في مؤسسات الدولة،  مع العلم أنّ البيان حافظ بصيغته على حق اللبنانيين بالمقاومة  ورد الاعتداءات الاسرائيلية واسترجاع الأراضي المحتلة، فالأجواء التي سادت الجلسة لا تبشّر بإمكان تحقيق المهمة التي وضعتها الحكومة لنفسها من خلال بيانها الوزاري، في فترة الشهرين المتبقية لها في حال تمّ انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والتي حدّدها سلام بنقاط ثلاث: معالجة الوضع الأمني، وحل مشكلة اللاجئين السوريين الى لبنان والتحضير لإجراء انتخابات رئاسية، وقد تميزت كلمات نواب 14 آذار بإثارة المواضيع الخلافية وبث روح التفرقة، وهي وإن حرصت في كلماتها على دعم الجيش اللبناني لفظياً في طرابلس وعرسال إلا انها لم تخف حقيقة نواياها حينما طالبت بالاستعانة باليونيفيل لضبط الحدود الشمالية- الشرقية مع سوريا، وهذه الازدواجية لدى هذه الفريق بانت بوضوح خلال كلمة نائب عكار خالد الضاهر الذي تهجم على الجيش وقائده، ما دفع برئيس المجلس النيابي نبيه بري وبنواب التيار الوطني الحر بالتدخل لوضع حدّ لإهانة الجيش، الذي بإهانته يهان جميع اللبنانيين.
ولكن على رغم هذا الواقع الصعب، يراهن المحللون على اتفاق سعودي- ايراني بدأ يتبلور في سوريا وسينعكس ايجابا أيضا على لبنان، بعدما بات واضحا أنّ الخطر التكفيري الذي يستشعره الجميع أصبح داهما، في حين تستمر بعض الدول والجهات الإقليمية والتي لا مكان لها على الخارطة الدولية الجديدة، مثل حكام قطر والسلطة الدينية الوهابية في السعودية، بمعارضة أي تسوية سلمية في سوريا، وهنا تجدر الاشارة الى الفارق في التوجه بين نظام الحكم في المملكة السعودية والوهابية فيها، والأخيرة تتماهى مع التوجه القطري في دعم الأخوان المسلمين الذين وضعتهم المملكة على لائحة الارهاب، وهذا التباين يمكن أن يفجّر منطقة الخليج العربي في أي لحظة، وإن كان لغاية الآن اقتصر على خطوات دبلوماسية بين قطر والسعودية، وتعتبر الزيارة التي ينوي الرئيس الأميركي باراك أوباما القيام بها الى السعودية، فاصلة، نظرا لأهمية المملكة وثقلها في المنطقة، وبنتيجة الزيارة سيتقرّر المسار العام في المنطقة بأكملها وعلى الأخص في سوريا ولبنان.

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا