الاستحقاق الرئاسي ومهمة الرئيس الجديد في إنقاذ لبنان



نسيم بو سمرا

في حوار مفتوح وصريح في بكركي مع البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي شارك فيه كوكبة من الصحافيين أداره الإعلامي مارسيل غانم، حثّ الراعي على دعوة المجلس النيابي لعقد  جلسات انتخاب رئيس جديد للجمهورية ابتداء من الأسبوع المقبل وعدم انتظار الأيام العشرة الأخيرة من المهلة الدستورية لانتخاب رئيس مؤكدا أنه على استعداد لإجراء استفتاء شعبي على أسماء مرشحين إن لم ينتخب رئيساً وليقل الشعب كلمته، وهذا الإقتراح شبيه بما طرحه رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون عشية انتخابات الرئاسة في العام 2008 مفاده  أن يتم إنتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، وحسنا فعل البطريرك الراعي باقتراحه والذي بالتأكيد لن يلقى تجاوبا من الطبقة السياسية الراهنة، وهي نفسها التي رفضت إقتراح العماد عون لعدم تمتع هذه الطبقة بأي حيثية شعبية، بل هي وصلت الى السلطة بفضل نظام فاسد وطائفي، يعاني من سيئاته الشعب اللبناني على المستويات كافة، إلاّ أن هذا الشعب المغيب صوته، وفي حال فسح المجال أمامه ليقول كلمته من خلال اعتماد انتخاب الرئيس بشكل مباشر أو من خلال استفتاء شعبي على أي رئيس يريد في سدة الرئاسة المقبلة، فحينئذ ستتغير المعادلات في السلطة، ما سيؤدي الى إفراز طبقة سياسية جديدة، يمحضها الشعب ثقته لإخراجه من أزماته.
يملك الشعب اللبناني في هذه المرحلة بالذات، وهي من المراحل القليلة جدا في تاريخ لبنان الحديث، يملك الفرصة للإتيان برئيس يعبر عن طموحاته ويمثل آماله وتطلعاته لإخراج لبنان المهددّ كيانه من مسار إنحداري سيودي به الى الزوال في حال استمر، وعلى الرئيس المقبل أن يصل الى سدة الرئاسة تحت عنوان: انقاذ لبنان، وتشبه هذه المرحلة محطات مصيرية عرفها لبنان سابقا، بعد ثورة  1958 التي وصل بعدها فؤاد شهاب الى بعبدا، وبعد بدء الحرب اللبنانية في 1975 ووصل بعدها الرئيس الياس سركيس في  العام1976  وعلى رغم أن الكثيرين يصنفون سركيس بالرئيس الضعيف، إلاّ أنه ونظرا للظروف التي كان يمر بها لبنان حينها، تمكن سركيس من الحفاظ على حد أدنى من مقومات الدولة، ونحن اليوم في ظل الإنقسام العامودي بين اللبنانيين والذي يولد توترات هنا وحروب هناك، والهجوم التكفيري الارهابي على نموذج عيشنا في لبنان والمشرق، فضلا عن خطر العدو الاسرائيلي الذي ما يزال يرابض على أجزاء من أرضنا ويخرق سيادتنا يوميا في الجو والبحر والبر ويطمع في مياهنا وغازنا، ويعمل على تهويد دولة إسرائيل وما يترتب عليها من رفض لعودة اللاجئين الفلسطيين في الشتات ومن ضمنهم الفلسطينين في لبنان، ففي ظل هذه الأخطار الداهمة، لا بد من رئيس قوي، يملك مقومات برنامجية تحل هذه ازمات الوطن في الأمن والقضاء والاقتصاد والاصلاح وإلاّ سيكون العهد الجديد استمرارا للنزف على الأصعدة كافة، ولن ينجو لبنان هذه المرة، كونه غير قادر على مواكبة التطورات المتسارعة في المنطقة والعالم على وقع تشكل نظام عالمي جديد لا مكان فيه للدول الضعيفة وغير القائمة على الحق.
إلا انه وكما درجت العادة في لبنان قبل كل استحقاق مصيري، يخرج ضعيفي النفوس في طبقة سياسية اعتادت على إرضاء الغرباء طمعا بنعيم السلطة وتكديسا للأموال المدفوعة لقاء عمالتها، فينزعون عن الإستحقاق الرئاسي صفته الوطنية، ليدخلوه في بازار المصالح الإقليمية والدولية، ولا يمكن للقرار السياسي أن يكون وطنيا في ظل التغييب المقصود للرموز الوطنية، فالقرار رجال تصنعه ورموز تحمله ومناضلون يمارسونه، أمّا الخارج فلا يمكن له التأثير في اختيار رئيسنا، في حال توحدنا تحت راية واحدة خفاقة برياح الكرامة الانسانية والعنفوان الوطني، لا بل يمكن لهذه الوحدة أن تفرض أمرا واقعا على الدول المؤثرة، وتسخير علاقات بعض الجهات اللبنانية مع الخارج ولكن غير التبعية، لمصلحة هذا الإستحقاق، وبتنا ندرك أنّ العالم الغربي يعيد النظر راهنا بسياساته المدمرة للمنطقة، والتوجه في عواصم القرار يميل نحو تصحيح هذه الأخطاء إنطلاقا من سوريا، ويمكن لهذه العواصم أن تكفر عن ذنوبها في لبنان عبر دعم رئيس يملك القدرة على انتاج معادلة استقرار داخلية، يكون وفاقيا يجمع لبنان واللبنانيين في وحدة وطنية شاملة بين مكونات المجتمع اللبناني لا رئيسا توافقيا يتقاسمه الزعماء ويقسمون لبنان مناطق نفوذ، على حد تعبير رئيس تكتل التغيير والاصلاح  العماد ميشال عون؛ رئيس يفخر به أبناء الوطن، ويعيد الثقة للمغتربين من أجل أن يعودوا الى الوطن، رئيس يعمل على تقوية الجيش فعلا لا قولا، وبأموال اللبنانيين لا بواسطة المكرمات ومن دون الخضوع لشروط، ليس أقلها عدم السماح لهذا الجيش بالحصول على أسلحة تكسر التوازن مع العدو الاسرائيلي، هذا الجيش القوي مهمته التصدى للإرهاب التكفيري وإعادة الأمن والإستقرار وصيانة الأرض، جيش يفتخر به مواطنوه ويفتخر به حزب الله على وجه الخصوص، كما يفتخر المواطن اليوم بجيشه ومقاومته، وفي هذه الحالة فقط يمكن تطبيق استراتيجية دفاعية ناجحة في لبنان تستفيد فيها الدولة من قدرات المقاومة وخبراتها، لردع أي معتد.  
هي المقاومة نفسها التي وجهت إليها القمة العربية اليوم، تحية لدفاعها عن لبنان في وجه إسرائيل ولتصديها للإحتلال في تموز 2006  ، وهذه التحية التي تصدر عن قمة عربية يعلم اللبنانيون جيدا مدى فشلها في الميادين العربية، وهي التي تآمرت في السابق على لبنان وشعبه في حرب تموز 2006، أمّا هذه التحية اليوم فتعد إنجازا للدبلوماسية اللبنانية التي على رأسها وزير الخارجية جبران باسيل، ونذكر بأن تجارب المقاومة في عالمنا المعاصر لا تعد، ولا ينفرد بها لبنان،  والمقاومة اللبنانية هي كما كل المقاومات في التاريخ، تشكيل عسكري من ضمن النسيج الوطني اقتضت ظروف تفوق العدو الاسرائيلي إنتاجها بهدف تجاوز فارق القوة التسلحية مع هذا العدو .
لقد بات من الضروري أن تعاد الثقة الى مسيحيي المشرق، الذين يدفعون الثمن الأكبر منذ نكبة فلسطين في العام 1948 واحتلال الولايات المتحدة للعراق وصولا الى الخريف التكفيري الذي كاد يقضي على الوجود المسيحي في المشرق العربي بأكمله، وبخاصة في مصر وسوريا بعد استهداف المسيحيين في شكل مباشر وممنهج، وبإعادة الثقة الى مسيحيي لبنان في شكل خاص ومصالحتهم مع دولتهم بعدما همشوا منذ العام 1990 ولم يبدأوا باسترداد حقوقهم إلا منذ العام 2005 مع العماد ميشال عون، ويبقى المسار طويلا في تحقيق التوازن الحقيقي في نظام بات من الضرورة إعادة النظر فيه من خلال مؤتمر تأسيسي جديد يتفق فيه اللبنانيون على نظام سياسي يعكس رؤية مجتمعية تلبي حاجاتهم المواكبة للعصر وتحقق أحلامهم.
26/آذار/2014

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا