من حق اللبنانيين انتخاب رئيسهم من دون وصاية خارجية
نسيم بو سمرا
يحكى
كثيرا عن صفات رئيس الجمهورية المقبل، ومدى تأثيرها على مسار الأحداث في لبنان،
وفي حين يجد البعض أنّ الوضع الراهن يؤمن له الاستمرارية والزعامة وبالتالي لا
مصلحة له بالإتيان برئيس قوي يملك مشروعا إصلاحيا يؤدي الى تغيير هذا الواقع
المهترئ ، تميل الغالبية الشعبية من اللبنانيين الى إيصال هذا الرئيس، الذي من
مهماته وقف النزف على المستويات كافة، وإعادة التوازن بين السلطات، ونقل لبنان في
هذه المرحلة الإنتقالية التي تمر بها المنطقة والعالم، من بلد مفعول به، الى وطن
فاعل يؤثر في الأحداث بدلا من أن يتأثر بها فقط؛ هي الخلفية التي يجب بواسطتها
مقاربة الاستحقاق الرئاسي وهذه المعايير تحدّد شخصية الرئيس على أساس موضوعي لا
شخصي، وبناء على ذلك من حق من يعتبر نفسه قادرا على تطبيق هذه الأهداف، أن يترشح
لرئاسة الجمهورية، وعلى المجلس النيابي حينئذ أخذ القرار وانتخاب الرئيس الصالح
لهذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان.
يملك لبنان فرصة تاريخية في هذه
المرحلة بالذات، وهي من المراحل القليلة جدا في تاريخ لبنان الحديث، التي سيتسنى
للبنانيين الإتيان برئيس وطني بعيدا من التسويات الخارجية، وتشبه هذه المرحلة
محطات مصيرية عرفها لبنان سابقا، بعد ثورة
1958 على الرئيس كميل شمعون والتي وصل بعدها العماد فؤاد شهاب الى بعبدا،
وبعد بدء الحرب اللبنانية في 1975 ووصل بعدها الرئيس الياس سركيس في العام 1976 على رغم أن الكثيرين يصنفون سركيس
بالرئيس الضعيف، إلاّ أنه ونظرا للظروف التي كان يمر بها لبنان حينها، تمكن سركيس
من الحفاظ على حد أدنى من مقومات الدولة؛ تكمن أهمية هذه المرحلة إذا، في أن
للعامل الداخلي التأثير الأكبر على الاستحقاق الرئاسي، ولكن ذلك لا يعني إنعدام
التأثير الخارجي نظرا لارتباط الساحة الداخلية بملفاتها المتشعبة بالازمات التي
تتخبط بها معظم الدول المحيطة بلبنان، وأولاها الارهاب التكفيري الذي يتخطى حدود
الدول الجغرافية والذي يوجب تعاونا إقليميا لا بل دوليا لوقف تمدده، من خلال تجفيف
مصادر تمويله ووقف دعمه من بعض دول الاقليم ومن خارجه ايضا، ولبنان هو الأكثر
تأثرا بما يجري من حوله، ومثال اللاجئين الفلسطينيين على أرضه ويضاف اليهم اليوم
النازحين السوريين الذين باتوا يشكلون قنبلة موقوتة في لبنان من النواحي
الديمغرافية والصحية والأمنية، هذا المثال خير دليل على خطئ نظرية حياد لبنان واستحالة
تطبيقها على أرض الواقع، أمّا التأثيرات الخارجية على الاستحقاق الرئاسي ومهما
بلغت نسبتها أمام تلك الداخلية إلا انها تبقى فعالة لناحية تأمين الجو الملائم
لإجرائه، إلى جانب الاستقرار الداخلي النسبي الذي تمر به الساحة الداخلية راهنا
بعد تأليف الحكومة وانطلاق الخطة الأمنية التي نجح الجيش اللبناني وسائر الأجهزة
الأمنية بتنفيذها في طرابلس وعكار، حيث تنفس المواطنون الصعداء بعد سنوات من حكم
قادة المحاور في الشمال أدّت الى عشرين جولة من القتال حصدت البشر ودمرت الحجر، وينتظر
استكمال الخطة لتشمل قرى البقاع الشمالي
تليها مرحلة انتشار الجيش على السلسلة الشرقية وفي جرود عرسال والقرى
المحيطة بها، ما يغلق نوافذ تسلل المسلحين عبر الحدود بعدما أغلق الجيش السوري
الأبواب المشرعة، بسيطرته شبه التامة على منطقة القلمون بعد سقوط يبرود وريف حمص
بعد تحرير قلعة الحصن، ولذلك يرى المراقبون ان من الصعب إجراء الاستحقاق الرئاسي
ضمن المهلة الدستورية التي تنتهي في الخامس والعشرين من أيار، قبل تبلور الوضع في
المنطقة التي تتزاحم فيها الاستحقاقات، من الانتخابات الرئاسية الحاصلة راهنا في
أفغانستان الى تلك في العراق في أواخر نيسان مرورا بمصر في ايار وصولا الى
انتخابات الرئاسة في سوريا في تموز المقبل، وينتظر ان تتوج هذه الاستحقاقات باتفاق
أميركي- ايراني يمكن ان يحول الاتفاق المؤقت في الملف النووي الايراني، الى دائم،
ما سينعكس إيجابا على المنطقة بشكل خاص والعالم بأثره في شكل عام، ومن الطبيعي أن
يستفيد لبنان من هذا التحول الجذري الذي سيسهل عندئذ إجراء الانتخابات الرئاسية،
في أيلول المقبل على أبعد تقدير.
يعمل
بعض المستفيدين اليوم من الضعف البنيوي الذي تتخبط فيه الدولة، على نزع الصفة
الوطنية عن الإستحقاق الرئاسي، ليدخلوه مجددا كما كان يحصل في السابق في بازار
المصالح الإقليمية والدولية، ولا يمكن للقرار السياسي أن يكون وطنيا في ظل التغييب
المقصود للرموز الوطنية، فالقرار رجال تصنعه ورموز تحمله ومناضلون يمارسونه، أمّا
الخارج فلا يمكن له فرض رئيس علينا، في حال توحدنا تحت راية واحدة خفاقة برياح
الكرامة الانسانية والعنفوان الوطني، لا بل يمكن لهذه الوحدة أن تفرض أمرا واقعا
على الدول المؤثرة، تصب في مصلحة هذا الإستحقاق كما أسلفنا أعلاه، وبتنا ندرك أنّ
العالم الغربي يعيد النظر راهنا بسياساته المدمرة للمنطقة، والتوجه في عواصم
القرار يميل نحو تصحيح هذه الأخطاء إنطلاقا من سوريا، ويمكن لهذه العواصم أن تكفر
عن ذنوبها في لبنان عبر دعم رئيس يملك القدرة على انتاج معادلة استقرار داخلية،
يكون وفاقيا يجمع لبنان واللبنانيين في وحدة وطنية شاملة بين مكونات المجتمع
اللبناني لا رئيسا توافقيا يتقاسمه الزعماء ويقسمون لبنان مناطق نفوذ، على حد
تعبير رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد
ميشال عون، فالتحول التاريخي في عالمنا اليوم الذي يتأسس فيه النظام العالمي
الجديد القائم على التعددية القطبية والتي تستند في مبادئها الى تقوية قدرة الشعوب
على تقرير مصيرها وتمكنيها من إدارة مواردها الطبيعية والبشرية لتصب في مصلحة
تقدمها وازدهارها؛ يجب مواكبتها في لبنان لإحداث تغيير جذري في المعادلات القائمة،
تغيير في حال حصل، سيؤدي الى فرز طبقة سياسية جديدة، تخرج نظامنا السياسي من مرحلة
التقهقر والانحلال، وذلك لا يمكن أن يتحقق إلاّ من خلال انتخاب رئيس قوي يملك
مقومات برنامجية تحل ازمات الوطن في الأمن والقضاء والاقتصاد والادارة، ومن
أولويات هذا الرئيس تقوية الجيش فعلا لا قولا، وبأموال اللبنانيين لا بواسطة
المكرمات الخاضعة لشروط تمنع الجيش من الحصول على أسلحة تكسر التوازن مع العدو
الاسرائيلي، هذا الجيش القوي مهمته التصدى للإرهاب التكفيري وإعادة الأمن
والإستقرار وصيانة الأرض، جيش يفتخر به مواطنوه ويفتخر به حزب الله على وجه
الخصوص، كما يفتخر المواطن اليوم بجيشه ومقاومته، وفي هذه الحالة فقط يمكن تطبيق
استراتيجية دفاعية ناجحة في لبنان تستفيد فيها الدولة في المستقبل من قدرات
المقاومة وخبراتها، لردع أي معتد.
لقد
بات من الضروري أن يستعيد مسيحيو المشرق ثقتهم بأنفسهم، وهم دفعوا الثمن الأكبر وما
زالوا منذ نكبة فلسطين في العام 1948 مرورا باحتلال الولايات المتحدة للعراق وصولا
الى الخريف التكفيري الذي كاد يقضي على الوجود المسيحي في المشرق العربي بأكمله،
وبخاصة في مصر وسوريا بعد استهداف المسيحيين في شكل مباشر وممنهج، وبات من الملح
مصالحة مسيحيي لبنان مع دولتهم أولا ومع محيطهم العربي بالدرجة الثانية، وذلك
يتحقق من خلال إستعادتهم لدورهم الفاعل في السلطة في شكل خاص، وانتخاب العماد
ميشال عون رئيسا للجمهورية، يصب حتما في سياق اعادة الحقوق الى أصحابها، وهو وإن
أكّد أنّه لا يسعى
لمنصب بل لتحقيق حلمه في وطن يعيش فيه أولادنا بكرامة، إلاّ ان العماد عون بما
يمثله على مستوى الزعامة المشرقية وعلى المستوى الوطني في آن، يشكل حاجة لا غنى للبنان
عنها، وتحقيق هذه الخطوة
الإنقاذية بإيصال العماد عون الى سدة الرئاسة، يسأل عنها اللبنانيون بدءا من
الطبقة السياسية من رؤساء ووزراء ونواب وصولا الى الجماهير، وتتحمّل مسؤوليتها
ايضاً عواصم القرار المؤثرة في الساحة اللبنانية، لتكون الرسالة الأقوى للتكفيريين
وللصهاينة، بأن لبنان سيبقى نموذجا للتعايش والتفاعل بين الحضارات، في وجه الفكر
الظلامي القائم على إلغاء الآخر، وبأن المشرق العربي سيعود واحة للحرية والتنوع
واحترام الإختلاف.
Comments
Post a Comment