مواصفات رئيس الجمهورية: تاريخ مشرف وإصلاحي
نسيم بو سمرا
غداة
الجلسة الأولى لانتخاب رئيس للجمهورية، وفشل رهانات الخارج على فرض رئيس على
اللبنانيين، نتيجة اصطفافات الكتل النيابية الراهنة التي تؤمن حدا أدنى من الحماية
تجاه الاستباحة الخارجية لهذا الاستحقاق، انطلقت مرحلة انتخاب رئيس جديد للجمهورية
في شكل جدّي، فبعيدا من ترشيح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع والذي لم يقنع
حلفاءه في فريق 14 آذار حتى، والأصوات التي حصل عليها والبالغة ثمان وأربعين صوتا،
دليل على ذلك، ومن دون إعطاء ترشيح جنبلاط، لنائب كتلته هنري حلو حجما أكبر مما يستأهله، وإن
كان هذا الترشيح من جانب سيد المختارة يستفز معظم الشارع المسيحي، إلاّ ان الرابح الاول من هذه الجلسة كانوا الشهداء رشيد كرامي، داني
شمعون، الياس الزايك، جيهان طوني فرنجية وطارق داني شمعون، والذين انتصروا على
قاتلهم، وهم أسقطوا من قبل بعض النواب في صندوق الاقتراع، وبلفظ اسمائهم التي صدحت
في أرجاء القاعة العامة للمجلس النيابي، رفعوا من شأن الاستحقاق الرئاسي الذي آثر
البعض أن يجعله مطية لأطماعه السلطوية، بعيدا من احترام المصلحة الوطنية العليا، وردا
على سؤال أثناء عقد رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون مؤتمرا صحافيا في
ساحة النجمة بعيد رفع جلسة الانتخاب، وصف ما حصل في هذا الإطار، بأن ذاكرة بعض
اللبنانيين وبخاصة ذوي الضحايا ما تزال حيّة.
ولكن لماذا يعوّل اللبنانيون وبخاصة المسيحيين منهم، هذه
الأهمية على الاستحقاق الرئاسي، ويأملون أن يصل الى سدة الرئاسة رئيس قوي تاريخه
مشرّف ويملك مشروعا إصلاحيا يؤدي الى إنقاذ لبنان من الواقع المهترئ الذي يتخبط
فيه ويوقف النزف على المستويات كافة، ويعيد التوازن بين السلطات؟
يقوم
النظام السياسي في لبنان على دعامتين أساسيتين، حقوق الجماعات التي تشكل الدعامة
الأولى منذ العام 1923 تاريخ تأسيس دستور لبنان الكبير، وعلاقة هذه الجماعات بعضها
ببعض من جهة ثانية والتي ترتكز على المذهبية بعدما كانت في الماضي منقسمة على أساس
طائفي، ولذلك ينتج عن إضعاف أي فئة طائفية من خلال التهميش أو الاقصاء أو وضع اليد
أو الهيمنة على حقوقها، إختلال في التوازن بين هذه الجماعات، وذلك يؤدي الى تعطيل
الحياة السياسية كما نشهد منذ العام 2005، حينما تحرّر نظام الطائف من الوصي الذي
كان يستر عورة النظام من خلال حل المشكلات المعترضة بين اللبنانيين، خارج أطر
المؤسسات، ولذلك بانت سيئات هذا النظام بعد الانسحاب السوري من لبنان، حيث ترك
اللبنانيون للمرة الأولى منذ العام 1990 ليديروا شؤونهم بأنفسهم، ونرى النتيجة
التي نعاني منها اليوم عند كل استحقاق دستوري، ومردها افتقاد الدستور اللبناني لآليات ديمقراطية لحل
المشكلات الطارئة واستكمال النواقص وتعديل السيئات التي تظهر اثناء التطبيق، أمّا مشكلة
هذا النظام الأساس فلا يجب حصرها بالطائفية السياسية، بل تنسحب الطائفية على
القوانين أيضا لا سيما تلك المتعلقة بالأحوال الشخصية في ظل رفض إقرار قانون مدني
يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات ويسهل التواصل الاجتماعي، ولا تنتهي بتصحيح
النظام التربوي الذي يكرس في شكله الراهن الانغلاق الاجتماعي والفردي، في ظل غياب
تربية مدنية صحيحة.
يسعى
رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون منذ عودته الى لبنان في السابع من
أيار 2005 الى بناء الدولة على أسس عادلة، فالمساواة والعدالة في المجتمع تشكلان
اساس الاستقرار ما يعطي الثقة للجماعات ويطمئنها ويدفعها الى عدم الانغلاق على
نفسها، ما يشجعها على التنازل عن امتيازاتها لصالح الدولة أي لصالح المجتمع الذي
تشكل هي جزء منه، وهذا هو العقد الاجتماعي الجديد الذي سيعطي الحقوق على مستوى
الفرد لا الجماعة، ويندرج المسار الذي يسلكه التيار الوطني الحر في إطار إصلاح
النظام السياسي وإزالة الغبن اللاحق بالمسيحيين بهدف إعادة دورهم الفاعل في هذا
النظام، بعدما تمّ إقصاء ممثليهم الحقيقيين من المشاركة في السلطة، واستبعاد
مؤيديهم من إدارات الدولة والمناصب الحساسة في الجيش ومؤسسات الدولة، منذ اتفاق
الطائف.
تشكّل
الدولة المدنية القائمة على المواطنة المبادئ الرئيسة لمشروع التيار الوطني الحر الى جانب
الدور المشرقي الذي يقوم به العماد عون للحفاظ على الوجود المسيحي في هذا الشرق، وهذا
الوجود الطبيعي للمسيحيين، الذين يشكلون امتدادا للأفكار النهضوية التي صاغت فكرة
العروبة في وجه التتريك، كإطار جامع لمختلف القوميات والأديان والطوائف، مع الحفاظ
على التنوع من ضمن هذه الوحدة، ساهم في نهضة بلدان الدول العربية في القرن التاسع
عشر، ويقوم هذا الوجود راهناً بدوره في إحباط المخطّط الظلامي، الصهيوني- الغربي
الذي يشكل التكفيريون أداة تنفيذه، والذي أفشلت أهدافه في سوريا على يد الجيش
السوري والمجاهدين الأبطال في حزب الله، وهو اليوم يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لقد
بات من الضروري أن يستعيد مسيحيو المشرق ثقتهم بأنفسهم، وهم دفعوا الثمن الأكبر وما
زالوا منذ نكبة فلسطين في العام 1948 مرورا باحتلال الولايات المتحدة للعراق وصولا
الى الخريف التكفيري الذي كاد يقضي على الوجود المسيحي في المشرق العربي بأكمله،
وبخاصة في مصر وسوريا بعد استهداف المسيحيين في شكل مباشر وممنهج، وبات من الملح
مصالحة مسيحيي لبنان مع دولتهم أولا ومع محيطهم العربي بالدرجة الثانية، وانتخاب
العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، يصب حتما في هذا السياق، وهو وإن أكّد أنّه لا يسعى لمنصب بل لتحقيق حلمه في
وطن يعيش فيه أولادنا بكرامة، إلاّ ان العماد عون بما يمثله على مستوى الزعامة
المشرقية وعلى المستوى الوطني في آن، يشكل حاجة لا غنى للبنان عنها، وتحقيق هذه الخطوة الإنقاذية بإيصال العماد عون الى سدة
الرئاسة، يسأل عنها اللبنانيون بدءا من الطبقة السياسية من رؤساء ووزراء ونواب
وصولا الى الجماهير، وتتحمّل مسؤوليتها ايضاً عواصم القرار المؤثرة في الساحة
اللبنانية، لتكون الرسالة الأقوى للتكفيريين وللصهاينة، بأن لبنان سيبقى نموذجا
للتعايش والتفاعل بين الحضارات، في وجه الفكر الظلامي القائم على إلغاء الآخر،
وبأن المشرق العربي سيعود واحة للحرية والتنوع واحترام الإختلاف.
Comments
Post a Comment