بطولات الأكراد السوريين في عين العرب أفشلت مخطط التحالف الغربي
نسيم بو سمرا
على وقع اعتراف العالم بخطر
الجماعات التكفيرية المتصاعد في المنطقة، وفي ظل الاتفاق على ضربها في العراق وسوريا
وسط إصرار واشنطن على عدم التعاون عسكريا مع إيران وسوريا في
مواجهة الدولة الإسلامية، يبقى
لبنان خارج الحسابات الغربية على رغم وصول الارهاب التكفيري إليه من داعش ونصرة،
اللذان يأخذان لبنان بأكمله رهينة نتيجة ابتزازهم كل من الحكومة اللبنانية وأهالي
العسكريين المختطفين، ومن ورائهم الشعب اللبناني بأكمله، وذلك ما كان ليحصل لولا أنّ
القرار السياسي والعسكري في دولتنا العتيدة غائب، أمّا الخطر الأبرز فيتمثّل
بمحاولة داعش استدراج
اللبنانيين الى الفتنة السنية الشيعية التي تشكّل أحد أهداف المجموعات التكفيرية
من وراء خطف العسكريين، فجبهة النصرة التي
يعتبرها وليد جنبلاط غير إرهابية تعمل وببراعة على إزكاء الفتنة المذهبية في لبنان
أولا من خلال خطفها لعناصر الجيش اللبناني وثانيا بإعلانها من وقت لآخر عن
انشقاقات لعناصر من الجيش، ولكن على الشعب اللبناني ألاّ ينجر الى هذه اللعبة ولتحقيق ذلك يجب عليه وهذا
الأمر يقع على عاتق الإعلام أولا، ألا يستخدم التعابير المستعملة من النصرة في ما
خصّ العسكريين كعدم اطلاق تسمية إنشقاق عن الجيش، بل وصف هذه الحالات بالفرار
والتي تبقى معزولة عن السياق العام لأداء الجيش وعقيدته الوطنية، وثانيا بعدم
التسليم بالتصنيف الطائفي الذي يتبعه الخاطفون بحق عناصر الجيش الرهائن والبعيدة
كل البعد عن أدبيات المؤسسة العسكرية الضامنة الوحيدة للوحدة الوطنية في ظل ما تمر
به باقي المؤسسات من شرذمة.
أما في ما خصّ الحرب على الإرهاب التي يشنها
التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة فيبقى مشكوكا في خلفياته وأهدافه، ومع
التذكير بالمسار الذي سلكه الحراك الشعبي منذ العام 2011 في ما سمي بالربيع العربي
والذي تمثل بصحوة شعبية حقيقية في البداية بعدما عانت شعوب المنطقة على مدى عقود
من حكامها الدكتاتوريين، يصبح من الواضح ونتيجة قراءة موضوعية لأداء واشنطن تجاه
هذا الحراك، أنّ الاستراتيجة الأميركية لم تتغير، بل تبدّلت التكتيكات المعتمدة
للوصول الى النتيجة نفسها وهي إبقاء شعوبنا تحت نير العبودية بتغييرالعنوان من
أنظمة توتاليتارية ما كانت لتستمر طوال تلك الفترة لولا الدعم الأميركي لها، الى
أنظمة تيوقراطية على نسق الحكم الوهابي في السعودية ومعظم دول الخليج، كان عنوانه
في البدء: الاخوان المسلمون والذي استبدل لاحقا بعدما فشل الأخوان فشلا ذريعا في
الحكم في كل من مصر وتونس، فتبدّل العنوان الى تقسيم المنطقة الى كيانات مذهبية
متناحرة دوماً، زرع في قلبها ما يسمى بالدولة الاسلامية لتلاقي تلك الدولة الهجينة
إسرائيل من المقلب الآخر والتي زرعت هي أيضا في قلب المشرق العربي وللوظيفة نفسها،
مع العلم أن المشروع الأساس كان إقامة الدولة الإسلامية في سوريا لتمتد الى العراق
وليس العكس، إلا أنّ صمود سوريا الأسطوري بجيشها وشعبها خربط هذه الحسابات.
إنّ مسألة إعلان الحرب على الارهاب والحلف الدولي
الذي أسسته الولايات المتحدة لهذه الغاية ويضم الدول نفسها التي دعمت داعش والنصرة
ومولتهم وجهزتهم بالعتاد ودربت عناصرهم في أراضيها وما زالت بعض هذه الدول كالأردن
وتركيا تقوم بذلك تحت مسمّى المعارضة السورية المعتدلة والتي تنحصر بالنصرة على
رغم تصنيف هذا التنظيم بالارهابي من قبل واشنطن، هذه الحرب المقتصرة على الضربات
الجوية الاستعراضية، فضحت جديتها معركة عين العرب(كوباني) والتي تحولت الى معركة
مصيرية للطرفين المتحاربين وخط فاصل في الحرب الدائرة بين محورين، التحالف الدولي
بقيادة الولايات المتحدة التي تتّبع سياسة استنزاف في سوريا وتعمل على ابتزاز
الأكراد الصامدين في كوباني أمام الهجوم الداعشي، في
مقابل محورٍ داعم لشعوب المنطقة ضد الإرهاب التكفيري ومن دون شروط، والذي بدأ يظهر
بتفعيل التنسيق السياسي-الامني بين كلّ من روسيا وايران والعراق وترجم هذا التنسيق
في الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي لإيران الأسبوع الفائت في موازاة
خطوات متقدمة من التعاون بين مجلسي الأمن القوميين الروسي- الإيراني، في حين لا
يغيب لبنان عن سلم اهتمامات كل من روسيا وايران من خلال استعدادهما لدعم الجيش
اللبناني بالعتاد في مواجهة داعش والنصرة.
إذاً، وكما أفشل
اللبنانيون في الماضي وفي مفاصل عدة، مخططات دولية كانت تستهدف إلغاءهم، من معارك
سوق الغرب التي سطر فيها اللواء الثامن في الجيش اللبناني ملاحم بطولية تعادل
بعظمتها ما يحققه الأكراد اليوم من صمود بطولي في عين العرب، ما افشل الحلقة
الأخيرة من مخطط التحالف الدولي في منطقتنا، من دون أن ننسى انتصار لبنان في حرب تموز 2006
بمقاومته الجبارة على العدو الاسرائيلي، وجاء هذا الانتصار ليقضي على مشروع الشرق
الأوسط الجديد؛ تعيد سوريا اليوم الكرّة وذلك بتصديها ومنذ ما يقارب الثلاث سنوات لهذا
الحلف الغربي ومن يدور في فلكه من دول عربية وخليجية، محققة بذلك إنجازا تاريخيا
سيعيد إنتاج النظام العالمي الجديد الذي يتكوّن اليوم في رحم مشرقنا العربي،
فطبيعة هذا النظام الناشئ والقائم على تعدد الأقطاب، سيرسم الخارطة الجيو- سياسية
في العالم، لمئات السنين المقبلة.
23/10/2014
Comments
Post a Comment