الفساد السياسي هو أساس الفساد الغذائي والحامي للمفسدين





نسيم بو سمرا

 تذكرنا فضيحة الدجاج واللحوم الفاسدة التي تضرب لبنان راهناً، بتلك الهستيريا التي أتخذته قضية الأمن الغذائي منذ ما يقارب السنتين، وقد كرّت حينئذ سبحة المخازن غير الشرعية والتي توضب لحوما فاسدة وكان حينئذ وزير الزراعة حسين الحج حسن هو من أخذ هذا الموضوع على عاتقه واتخذ إجراءات مشددة في حق المزورين المتلاعبين بصحة الناس وحياتهم، واليوم يقوم وزير الصحة وائل بو فاعور بواجباته على أكمل وجه في هذا السياق، إذ قام منذ وصوله الى وزارة الصحة بتفعيل عمل فرق الكشف في الوزارة والتي أظهرت مخالفات خطرة في ما خص عدم مطابقة المواد الغذائية المعروضة في الكثير من السوبرماركات وتلك التي يتناولها الناس في المطاعم، لمعايير الصحة العامة والتي فندها بو فاعور في مؤتمراته الصحفية، مشددا على أنّ سلامة الغذاء أولوية لديه ولوزارة الصحة، غير أنّ ما يثير الاستغراب ويدعو إلى التساؤل هو أن هذه المطاعم والمتاجر المخالفة كانت تعمل بنفس الطريقة وتقدم الأطعمة الفاسدة للناس منذ سنوات، ولم يبيّن أحد هذه الجريمة الموصوفة، ما يثبت أنّ الغش مستشري في هذا القطاع منذ عقود وليس وليد البارحة، ويكشف عن غياب تام للدولة بمسؤوليها ومؤسساتها، في تفسير واضح يشير الى أنّ مصالح الناس وصحتهم وحياتهم لا تدخل في خانة اهتمامات المسؤولين، إلاّ أنّ العبرة تبقى في خواتيمها وتبدأ بتشديد الرقابة على المواد الغذائية المستوردة من المنشأ وذلك بعدم إدخالها الى لبنان في الأساس ومن ثمّ إذا كانت هذه المواد سليمة متابعتها بعد دخولها والتأكد من سلامة توضيبها لدى التجار ومن ثمّ الكشف عليها بعد عرضها لعموم الناس، وهذه الاجراءات يجب أن تستمر لا أن تأتي موسمية، فالتشدّد لضمان أمن المواطن الغذائي هو عملية مستمرة وبنفس الزخم لضمان النتيجة المتوخاة، وهنا لا بد لهذه العملية أن تتكامل مع ورشة قانونية اصلاحية تعدّل القوانين المرعية بتشديد العقوبات على المزورين وعدم اعطائهم الاسباب التخفيفية، مع العلم أن هنالك مشروع قانون مقدم الى المجلس النيابي في هذا السياق، في الفترة التي أطلق فيها وزير الزراعة آنذاك حسين الحج حسن حملته على الفساد الغذائي، وهو لم يبصر النور بعد.
أمّا المعضلة الكبرى ولغاية معالجتها، سيبقى المواطن تحت رحمة المافيات الغذائية والصحية وغيرها، وتتمثل هذه المعضلة بالفساد السياسي المستشري في الدولة اللبنانية والذي يغطي الفاسدين في مختلف القطاعات، مع التذكير أنّ الشعب اللبناني يعاني من الفساد المستشري في المجالات كافة، من مالية واقتصادية وقانونية وقضائية وإدارية وصحية، وكدنا ننسى انّ وراء الفساد مفسدين يملكون هوية وعنوان، فمع الأسف تقع الذاكرة الجماعية للمجتمع اللبناني ضحية أنماط مبسطة وخادعة تقوم على التعميم، فيوضع الجميع في سلة واحدة ويُجهّل الفاعل ما يؤدي الى تعطيل الحس النقدي لدى المواطن وبالتالي الى ضياع المسؤولية، ولطالما كانت المفاهيم في لبنان متغيرة وفقاً للأهواء ما أدّى الى التسيب الأخلاقي في مجتمعنا، والذي تظهر نتائجه بوضوح من خلال هذا الإهتراء في بنيتنا الغذائية والصحية والاجتماعية...الخ، وكلما ابتعد هذا المجتمع عن قيمه، كلما جنح باتجاه ثقافة الفساد.
14-11-2014

Comments

Popular posts from this blog

الامبراطورية الاميركية تحولت الى أمة مستبدة تقوم على وهم القوة والبرازيل تتصدى لترامب بتفعيل "جسر البريكس"

النساء في إيران تتحدى سياسات التمييز ضدهن بفرض الحجاب...حدث رياضي تحول الى مهرجان "بشعر مكشوف"!

مصير حكومة نواف شبيهة بمصير حكومة عباس...والذي سيفاوض عن لبنان هو من يملك السلاح -نسيم بو سمرا